مفاجاة حصري لصفحة روايات رولا

:
​الجزء الأول: البداية
​لقد عبرتُ من قبل أبواباً في أماكن كان يبدو فيها كل ظلٍّ مستعداً للق*تل.
​سمعتُ أزيز الرصاص يمر بجانب أذنيّ، واشمممتُ رائحة الإطارات المحترقة على طرقاتٍ بلا مصابيح، ونمتُ بحذاءٍ عسكري واحد في قدمي، لأن النوم هناك لم يكن يوماً نوماً حقيقياً. لخمسة عشر عاماً، قال الناس عني إنني رصين. هادئ. ممتصّ للصدمات. الرجل الذي تود أن يكون إلى جانبك عندما ينهار كل شيء من حولك.
​لكن لا شيء من هذا كله أهّلني لمواجهة ما كان ينتظرني على شرفة منزلي.
​أنزلني سائق “أوبار” عند أول شارع “مابل” بعد الرابعة عصراً بقليل. كان ضوء شمس شهر مايو لطيفاً ودافئاً، ينسكب كذهبٍ سائل فوق العشب المقصوص بعناية، وسلال كرة السلة، والأعلام الأمريكية المعلقة بجانب أبواب المرائب. كان من نوع الأحياء التي يلوح فيها الجيران لبعضهم البعض أثناء إخراج سلال القمامة. المكان الذي تشعر فيه أن الخطر يبدو “وقاحاً” لو فكّر في الظهور.
​كنتُ قد عدتُ إلى المنزل مبكراً لأفاجئ ابنتي.
​ستبلغ “فايوليت” السادسة عشرة من عمرها بعد يومين، وهذه المرة، أردتُ أن أكون هناك قبل قالب الحلوى، قبل الشموع، وقبل تلك الابتسامة الباهتة والمجبرة التي كانت ترسمها دائماً على وجهها خلال مكالمات الفيديو وهي تقول: «لا بأس يا أبي، أعلم أنك تحاول».
​لم أُخبر “هاربر”، زوجتي. ولم أُخبر “فايوليت” أيضاً. أردتُ فقط أن أدخل من الباب وحقيبتي العسكرية على كتفي، لأسير نحو ابنتي وأسمع صرخة مفاجأتها، وأقضي أمسية واحدة هادئة أتظاهر فيها بأنني مجرد أب طبيعي.
​في منتصف الطريق عبر الممر المؤدي للمنزل، لاحظتُ الباب الأمامي.
​كان مفتوحاً.
​ليس بالكامل. كان موارباً بنحو بوصة واحدة، كأن أحدهم نسي إغلاقه جيداً. غريزة الأب في داخلي أرادت أن تنادي وتضحك قائلة: «هل من أحد هنا؟». لكن غريزة الجندي تحركت أولاً، قبل أن تنطق شفتي بكلمة.
​تلاشت ابتسامتي.
​من خلفي، استمر الشارع في التظاهر بأن كل شيء طبيعي. رشاش مياه يدور في حديقة السيد “لوسون”. وفي مكان قريب، نبح كلب مرتين ثم سكت. وشاحنة توصيل تبتعد مسرعة عند المنعطف.
​صعدتُ إلى الشرفة ودفعتُ الباب بإصبعين فقط.
​«هاربر؟»
​دوى صوتي بنبرة عميقة للغاية في ردهة المنزل.
​لا رد.
​كانت رائحة المنزل غريبة. ليست رائحة دخان، ولا طعام فاسد. كانت رائحة معدنية، رطبة، وحادة. عرفتُ تلك الرائحة تماماً قبل أن يجرؤ عقلي على نطق الكلمة.
​إنها رائحة الدم.
​تحركتُ عبر غرفة المعيشة أولاً. كانت وسائد الأريكة مرتبة. جهاز التحكم عن بعد موضوع على طاولة القهوة. كوب نصف ممتلئ من عصير الليمون تتكثف عليه قطرات الماء بجوار دفتر رياضيات “فايوليت”. لا أدراج معلقة أو مفتوحة. لا مصابيح مكسورة. لا توجد أي علامة على حدوث سرقة.
​ثم نظرتُ باتجاه الممر الداخلي.
​كانت ابنتي مستلقية على الأرض.
​لثانية واحدة، رفض عقلي استيعاب المشهد. لم أرَ سوى شكلٍ مبهم، حزام حقيبة ظهر، وجورب انزلق حتى منتصف كعبها. ثم تحول ذلك الشكل إلى “فايوليت”، وشعرتُ وكأن العالم بأسره ينهار من تحت قدمي.
​«لا.. لا يا صغيرتي».
​ارتميتُ بجانبها بقوة لدرجة أن ركبتيَّ ارتطمتا بالأرضية الخشبية. كان وجهها متورماً، ومكسواً بالكدمات، لدرجة أنه لم يعد يشبه وجهها تقريباً. لطخ الدم شعرها بالقرب من صدغها. كانت أصابعها منكمشة نحو صدرها، وكأنها كانت لا تزال تحاول الدفاع عن نفسها حتى بعد أن سقطت أرضاً.
​ضغطتُ بأصابعي على عنقها.
​لا شيء.
​ثم شعرتُ به.
​نبض.
​ضعيف. واهن. لكنه يقاوم.
​اتصلتُ برقم الطوارئ 911 بيد واحدة، وأبقيتُ اليد الأخرى على رقبتها، لأنني كنتُ مرعوباً من أنني إذا توقفتُ عن الإحساس بالنبض، فسينتهي ويختفي.
​«فتاة في السادسة عشرة من عمرها. صدمة شديدة في الرأس. لا تزال تتنفس. أرسلوا سيارة إسعاف الآن».
​طرح موظف الطوارئ أسئلة، وأجبته كآلة صماء. العنوان. الحالة. اعتداء محتمل. لا، لا أعرف من هاجمها. نعم، قد يكون الموقع لا يزال غير آمن. لا، لن أتركها.
​بدأت أصوات سيارات الإسعاف تقترب.
​أمسكتُ بيد “فايوليت” وهمستُ بأشياء لم أستطع تذكرها لاحقاً. كان جلدها بارداً. وكان هناك دم تحت أظافرها. لقد قاومت. ابنتي الصغيرة قاومت وحوشاً بالغين في الممر ذاته الذي علمتها فيه يوماً كيف تربط حذاءها.
​في المستشفى، هرعوا بها إلى الداخل تحت الأضواء البيضاء الساطعة.
​وصلت “هاربر” بعد عشرين دقيقة، كان شعرها منسدلاً مبعثراً، والكحل يسيل على وجهها، وقميصها مجعداً كأنها ارتدته وهي تركض. ارتمت في حضني بقوة جعلتني أشد من أزري لأمنعها من السقوط.
​«ميسون، أين هي؟ هل هي على قيد الحياة؟»
​قلتُ لها: «إنها في العمليات، يحاولون تخفيف الضغط عن الدماغ».
​أصدرت صوتاً، أنيناً مرعباً لم أسمعه منها طوال حياتي.
​دخل المحقق “غرانت” بعد ساعة، مرتدياً سترة بنية تفوح منها رائحة سجائر ومطر خفيفة. لم يكلف نفسه عناء النظر إلى قميصي الملطخ بالدماء، ولم ينظر إلى وجهي على الإطلاق.
​وقال: «يبدو أنه حادث سطو واقتحام».
​حدقتُ فيه قائلاً: «سطو واقتحام؟»
​«لقد شهدنا عدة سرقات في هذه المنطقة مؤخراً. تواجدت في المكان الخاطئ والوقت الخاطئ. يبدو أن ابنتك فاجأتهم بالداخل».
​«لقد كانت داخل منزلها!»
​«أعلم أنك غاضب ومستاء».
​كانت تلك هي اللحظة الأولى التي أدركتُ فيها أن هذا الرجل عديم الفائدة تماماً.
​تكملة القصة (الجزء الثاني):
​كانت تلك هي اللحظة الأولى التي أدركتُ فيها أن هذا الرجل عديم الفائدة تماماً. ثم توقفت “هاربر” عن البكاء.. ليس ببطء، بل فجأة. تحركت عيناها متجاوزةً المحقق “غرانت”، ونظرت نحو الممر المؤدي إلى جناح العمليات، واشتدت قبضتها على كم قميصي. كانت هناك ممرضة تقف ممسكةً بحقيبة ظهر “فايوليت” الملطخة بالدماء داخل كيس بلاستيكي شفاف. وفي داخل الحقيبة، كان هناك شيء يستمر في الاهتزاز والطنين دون توقف. تحرك المحقق “غرانت” ليمسك بالحقيبة أولاً، لكنني خطوتُ خطوة للأمام ووقفتُ حائلاً بينه وبينها. عندها همست “هاربر” بصوت مرتجف: «ميسون… أرجوك لا تفتحها».
​الجزء الثاني: ما وراء الكواليس
​تسمّرتُ في مكاني. نظرات “هاربر” لم تكن نظرات خوف من المجهول، بل كانت نظرات رعبٍ من شيءٍ تعرفه جيداً. الخوف العادي يجعلك تبكي، أما الرعب الحقيقي فيجمد الدم في عروقك.
​مددتُ يدي وانتزعتُ الكيس البلاستيكي من الممرضة قبل أن تصل إليه يد المحقق “غرانت”. نظر إليّ بغضبٍ طفيف، لكنه عندما رأى الاتساع في حدقتي عينيّ، والتصلّب في كتفيّ، تراجع خطوة إلى الوراء. سئمتُ من غبائه، وسئمتُ من فرضية “السطو” الفاشلة التي يحاول إطعامها لي.
​فتحتُ السحاب بحذر.
​كان هاتف “فايوليت” داخل الجيب الأمامي، شاشته مهشمة ومغطاة ببقعة دم جافة، لكنه كان يرتجف ويهتز بقوة. لم تكن مكالمة. كان تنبيهاً متواصلاً من تطبيق نظام أمان المنزل الذكي الخاص بنا.
​نظرتُ إلى الشاشة عبر الزجاج المحطم. كان التنبيه يعرض سجل الأحداث:
[الساعة 3:45 مساءً: تم إيقاف تشغيل إنذار الحريق والسرقة]
[الساعة 3:46 مساءً: تم فتح الباب الأمامي باستخدام الرمز السري الرئيسي]
​لم يكن هناك كسر أو خلع. الرمز السري الرئيسي لا يملكه سوى ثلاثة أشخاص في هذا العالم: أنا، وهاربر، وفايوليت.
​التفتُّ نحو “هاربر”. كانت قد تراجعت إلى الحائط، وجهها شاحب كالأموات، ويدها ترتعش فوق فمها. كأنها كانت تحاول منع سرٍّ خطير من الخروج.
​«هاربر»، قلتُ بصوتٍ منخفض، كفحيح الأفعى، صوتٍ تعلم تماماً أنه لا يبشر بالخير. «من الذي يملك الرمز غيرنا؟»
​«ميسون… أرجوك»، همست، والدموع تجتاح عينيها مجدداً. «ليس هنا… ليس أمام الشرطة».
​فهمتُ كل شيء في تلك اللحظة. المحقق “غرانت” وقف يراقبنا، يدوّن شيئاً في دفتره الصغير، غافلاً تماماً عن الحقيقة التي بدأت تتكشف أمامي. تذكرتُ ما تعلمته في القوات الخاصة: العدو الأشد خطورة ليس الذي يواجهك في ساحة المعركة، بل الذي يطعنك في ظهرك وأنت نائم.
​الجزء الثالث: غريزة الصياد
​عدتُ إلى المنزل في منتصف الليل. تركتُ “هاربر” في المستشفى بجانب “فايوليت” التي كانت لا تزال غائبة عن الوعي في غرفة العناية المركزة.
​أغلقتُ الباب الأمامي خلفي. كانت رائحة الدم لا تزال عالقة في الممر، لكن عقلي لم يعد يرى منزلاً؛ كان يرى مسرح جر*يمة. تحولت عيناي من عيني أبٍ مكلوم إلى عيني قناصٍ يتعقب فريسته.
​مشيتُ خطوة بخطوة في الممر. لا توجد آثار أقدام طينية، لا توجد فوضى. الوحوش الذين دخلوا هنا كانوا يعلمون تماماً أين يتجهون. توجهتُ إلى لوحة التحكم الخاصة بنظام الأمان المعلقة بجوار المطبخ. ضغطتُ على الأزرار واستدعيتُ سجل الكاميرات المخفية التي قمتُ بتركيبها بنفسي دون أن يعلم بها أحد—حتى هاربر.
​على الشاشة الصغيرة، ظهر تسجيل الساعة 3:42 مساءً.
​ظهرت “فايوليت” وهي تدخل بملابس المدرسة، تضع حقيبتها على الأرض. بعد دقيقتين فقط، اقتربت سيارة سوداء من الممر. لم ينزل منها شخص غريب ملثم.
​نزل منها شخص أعرفه جيداً.
​إنه “جاك”، شقيق هاربر الأصغر. مدمن القمار الذي طردتُه من منزلي قبل ستة أشهر بعد أن ضبطتُه يسرق من خزنتي الشخصية. كان يرافقه رجلان ضخما البنية، يرتديان ملابس سوداء، وأحدهما يحمل في يده قضيباً حديدياً.
​رأيتُ “جاك” يقترب من اللوحة الخارجية، يضغط الرمز السري بكل ثقة، ثم يفتح الباب. رأيتُ ابنتي وهي تلتفت بابتسامة ظنت فيها أن خالها جاء لزيارتها، قبل أن تتحول الابتسامة إلى رعب مطلق عندما دفعها أحد الرجلين وبدأ بضربها بلا رحمة لأنها حاولت منعهم من الوصول إلى غرفتي. كانوا يبحثون عن المال، وعندما لم يجدوا شيئاً، تركوها تنزف ورحلوا.
​أغلقتُ الشاشة.
​شعرتُ ببرودة تسري في جسدي، برودة مألوفة جداً. إنها البرودة التي تسبق عاصفة الرصاص في غابات أفغانستان. لم أعد “ميسون الأب اللطيف”. لقد أيقظوا الوحش الذي قضيتُ سنوات في محاولة ترويضه.
​الجزء الأخير: الحساب
​لم أتصل بالمحقق “غرانت”. القانون بطيء، والقانون يتعامل بالأوراق، أما أنا فأتوجّه بالرصاص.
​فتحتُ الخزنة المخفية تحت لوح الأرضية في قبو المنزل. أخرجتُ س*لاحي المفضل: مس/دس “سيغ Sauer” عيار 9 ملم، مجهّز بكاتم صوت، وعدة سكاكين قتالية من طراز التير-1. قمتُ بتلقيم السل*اح، وصوت حركة الأجزاء المعدنية كان النوتة الموسيقية الوحيدة في المنزل المظلم.
​أخرجتُ هاتفي وأرسلتُ رسالة نصية قصيرة إلى رقم “جاك”.
“أعلم أين أنت. وأعلم ما فعلته بـ فايوليت. أمامك ساعة واحدة لتوديع أصدقائك.”
​تتبعتُ إشارة هاتفه عبر تطبيق تعقب كنتُ قد زرعته في هاتفه منذ أشهر تحسباً لخياناته المستمرة. الإشارة كانت مستقرة في مستودع مهجور على أطراف المدينة، وهو المكان الذي يتجمع فيه حثالة القمار والمخدرات.
​قدتُ سيارتي في الظلام بلا أضواء، كشبح يمر عبر الشوارع الساكنة.
​عندما وصلتُ إلى المستودع، تسللتُ عبر النافذة الخلفية. كان هناك ثلاثة رجال يجلسون حول طاولة خشبية، يضحكون ويتقاسمون بعض المال القليل. كان “جاك” من بينهم، يرتجف، وهاتفه في يده.
​«قلتُ لكم إنه سيعرف!» كان جاك يصرخ بخوف. «صهرِ ميسون ليس بشراً، إنه صياد!»
​ضحك الرجل الضخم الذي كان يحمل القضيب الحديدي في الفيديو وقال: «ليكن من يكون، نحن ثلاثة وهو…»
​لم يكمل جملته.
​اخترقت رصاصة صامتة جبهته من الظلام، ليسقط جسده الضخم على الطاولة متسبباً في تناثر الدماء وأوراق اللعب.
​صرخ الرجل الثاني وحاول سحب مس/دسه، لكنني كنتُ أسرع. خطوتُ من بين الظلال، وأطلقتُ رصاصتين في صدره، فسقط بجانب صاحبه.
​بقي “جاك” وحده. سقط على ركبتيه، يتبول في سرواله من الرعب، ويرفع يديه المرتعشتين.
​«ميسون! أرجوك! أنا شقيق زوجتك! هاربر لن تغفر لك هذا!»
​اقتربتُ منه ببطء، وخطوات جزماتي العسكرية تصدر صوتاً منتظماً ومرعباً على الأرضية الخرسانية. وضعتُ فوهة المس/دس الباردة مباشرة بين عينيه.
​«هاربر لن تعرف أبداً أين اختفيت يا جاك»، همستُ له وعيناي خاويتان من أي رحمة. «وفايوليت… فايوليت ستحصل على هدية عيد ميلادها السادس عشر: تطهير العالم من حشرة مثلك».
​توسل، وبكى، واعتذر… لكن في عالمي، الخيانة عقابها واحد.
​طاخ.
​عدتُ إلى المستشفى قبل شروق الشمس. غسلتُ يديّ جيداً في حمام المشفى، ثم دخلتُ إلى غرفة العناية المركزة. كانت “هاربر” نائمة على الكرسي بجانب السرير.
​جلستُ بجانب “فايوليت”، وأمسكتُ بفتات الصغيرة. فتحت عينيها المتورمتين ببطء شديد، ونظرت إليّ.
​«أبي؟» همست بصوت واهن. «هل عدت؟»
​ابتسمتُ لها، ابتسامه حقيقية ودافئة، وقبلتُ جبينها.
​«نعم يا صغيرتي، لقد عدت. والمنزل آمن الآن… إلى الأبد».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *