الدولاب القديم
اشتريت دولاب مستعمل من مزاد، لقيت درج سري مستخبي جواه واللي كان جوه الدرج خلاني أبلغ الشرطة.
اسمي نجلاء.
عندي 34 سنة.
وبشتغل ممرضة في مستشفى خاص في القاهرة.
ومن زمان وأنا بحب أشتري الأثاث القديم وأجدده بنفسي.
بحس إن كل قطعة قديمة وراها حكاية.
بس عمري ما تخيلت إن حكاية واحدة منهم هتخليني أقعد قدام ضابط مباحث لحد الفجر.
الحكاية بدأت يوم مزاد كبير اتعمل على محتويات فيلا قديمة بعد ۏفاة صاحبها.
الناس كانت بتجري على التحف والنجف والسجاد.
أما أنا
فعيني وقعت على دولاب خشب قديم.
ضخم.
وشكله فخم جدًا رغم إن الزمن باين عليه.
الغريب إن محدش كان مهتم بيه.
فاشتريته بسعر قليل جدًا.
لدرجة إني حسيت إني كسبت صفقة العمر.
بعد يومين وصلوه شقتي.
وقضيت يوم كامل أنضفه وأصلح الخدوش اللي فيه.
ولما فتحت الأدراج علشان أمسحها من جوه
لاحظت حاجة غريبة.
واحد من الأدراج كان أقصر من الباقي.
في الأول ما اهتمتش.
لكن كل ما أبصله أحس إن فيه حاجة غلط.
بالليل وبعد ما خلصت شغلي
جبت كشاف صغير وبدأت أفحص الدولاب.
وفجأة
إيدي لمست نتوء صغير مستخبي تحت الخشب.
ضغطت عليه.
وسمعت صوت خفيف.
تك.
وفي ثانية
ظهر درج تاني.
درج سري.
عمري ما كنت هلاحظه لو ما دققتش.
اتجمدت مكاني.
وبدأت أسحب الدرج ببطء.
جواه كان فيه صندوق معدني صغير.
قديم.
ومترب.
فتحته وأنا قلبي بيدق پعنف.
في الأول لقيت مجموعة صور.
صور ناس مختلفين.
رجالة وستات.
وأطفال كمان.
وتحت كل صورة تاريخ.
وعنوان.
وملاحظات مكتوبة بخط اليد.
افتكرت إنها صور عائلية.
لكن لما قلبت أول صورة
لقيت مكتوب وراها
آخر ظهور.
قلبي وقع.
قلبت التانية.
ونفس الجملة.
والتالتة.
والرابعة.
كلهم مكتوب وراهم نفس الكلام.
وفي آخر الصندوق
كان فيه دفتر أسود صغير.
فتحت أول صفحة.
ولقيت قائمة طويلة من الأسماء.
وبجانب كل اسم علامة صح.
أو علامة X.
الغريب إن بعض الأسماء كانت مألوفة.
كأني سمعتها قبل كده في الأخبار.
قلبت كام صفحة.
وفجأة لقيت قصاصة جريدة قديمة.
عنوانها كان عن اختفاء شاب من 8 سنين.
رجعت للاسم في الدفتر.
لقيته موجود.
وعليه علامة صح.
في اللحظة دي بدأت أتوتر بجد.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
في جيب صغير جوه الدرج السري
لقيت فلاشة.
وصلتها باللاب توب.
وأول ما فتحتها
حسيت الډم بيتجمد في عروقي.
لأنها كانت مليانة فيديوهات مصورة من كاميرات مراقبة.
ناس ماشية في الشارع.
ناس خارجة من بيوتها.
أطفال راجعين من المدرسة.
وكل ملف عليه اسم وتاريخ.
وفجأة
وقعت عيني على ملف بتاريخ قريب جدًا.
من شهر واحد بس.
فتحته.
واتسمرت مكاني.
لأن الشخص اللي كان ظاهر في الفيديو
كان أنا.
واقفة قدام المستشفى اللي بشتغل فيها.
واللي صوّر الفيديو كان متابعني من بعيد.
وفي آخر المقطع
الكاميرا قربت على وشي.
وظهر سطر مكتوب على الشاشة
الدور عليها قريب.
ساعتها مسكت الموبايل فورًا.
وكلمت الشرطة.
لكن أول ما الضابط شاف الفلاشة والدفتر
وشه اتغير.
وبصلي وقال
إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟
حكيتله كل حاجة.
فسكت شوية.
وبعدين فتح آخر صفحة في الدفتر.
ولما شافها
وقف مرة واحدة.
وقال
لازم تيجي معانا حالًا.
سألته پخوف
ليه؟
ناولني الصفحة.
ولما بصيت عليها
حسيت رجلي مش شايلاني.
لأن آخر اسم مضاف للقائمة
ماكانش اسمي.
كان اسم شخص أعرفه كويس جدًا.
شخص كنت شايفاه كل يوم تقريبًا
ومن غير ما أحس.
كان قاعد وقتها في شقتي
مستني أرجع من المزاد.
اتجمدت وأنا ببص
للاسم.
إيدي كانت بترتعش.
لأن الاسم المكتوب في آخر الصفحة كان
عم سعيد.
البواب بتاع العمارة.
الراجل اللي بشوفه كل يوم وأنا داخلة وخارجة.
اللي ساعات كان بيطلعلي طلبات السوبر ماركت.
واللي كان أول واحد ساعد العمال وهم بينزلوا الدولاب من العربية يوم ما وصل.
بصيت للضابط بعدم تصديق.
وقلت
أكيد في حاجة غلط.
لكن الضابط ما ردش.
كان مركز في الدفتر.
وبعدين قال
إحنا بندور على صاحب الدفتر ده بقالنا سنين.
سألته
مين هو؟
رد بهدوء
صاحب الفيلا اللي اتباع محتواها في المزاد.
اټصدمت.
قلت
بس الراجل ماټ.
هز راسه وقال
آه… ماټ من شهرين. لكن واضح إن في حد كان شغال معاه.
في اللحظة دي رن موبايل واحد من الظباط.
رد بسرعة.
وبعدين بص لرئيسه وقال
الشقة فاضية.
قلبي وقع.
إزاي فاضية؟
قال
بعتنا قوة عند بيتك. البواب اختفى.
حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله.
لأن آخر مرة شفته كانت قبل ما أنزل القسم بساعة تقريبًا.
وقتها كان واقف تحت العمارة.
وبيبتسم ابتسامته العادية.
كأنه شخص طبيعي جدًا.
بدأ التحقيق رسمي.
واكتشفوا إن الصور الموجودة في الصندوق لأشخاص اختفوا أو اتعرضوا لمحاولات ابتزاز وملاحقة على مدار سنين.
لكن الغريب…
إن مفيش أي دليل مباشر يثبت إن صاحب الفيلا كان مچرم.
كل الأدلة كانت ناقصة.
كأن حد كان متعمد يخلي الحقيقة مدفونة.
أما الفلاشة…
فكانت كنز حقيقي للمباحث.
فيها آلاف الساعات من التسجيلات.
وأسماء.
وعناوين.
وملاحظات.
وحاجات كتير ماكانش حد يعرف عنها حاجة.
عدت أيام وأنا تحت حماية الشرطة.
رجعت شقتي مؤقتًا بعد ما فتشوها بالكامل.
لكن النوم بقى مستحيل.
كل صوت كان بيفزعني.
كل خبط على الباب كان بيخليني أقفز من مكاني.
وفي ليلة
—
متأخرة…
سمعت صوت خبط خفيف.
تك.
تك.
تك.
بصيت من العين السحرية.
وماكانش فيه حد.
لكن أول ما فتحت الباب…
لقيت ظرف أبيض على الأرض.
من غير اسم.
ومن غير عنوان.
دخلت وقفلت الباب بسرعة.
وفتحت الظرف.
جواه صورة.
صورتي أنا.
مأخوذة من شباك شقتي.
ومكتوب تحتها
كان المفروض ما تفتحيش الدرج.
صړخت فورًا.
وكلمت الضابط المسؤول.
وخلال نص ساعة كانت قوة كاملة عندي.
أخدوا الصورة.
وبدأوا يدوروا على أي بصمات.
لكن ماكانش فيه حاجة.
ولا بصمة واحدة.
بعدها بأسبوعين…
وصلت الشرطة لخيط مهم.
واحد من الأشخاص اللي كانت صورته موجودة في الصندوق كان لسه عايش.
راجل كبير اسمه محمود.
وكان مختفي عن الأنظار من سنين.
لما جابوه للتحقيق…
قال حاجة قلبت القض..ية كلها.
قال إن صاحب الفيلا كان بيسجل كل حاجة.
كل حاجة حرفيًا.
وكان مهووس بمراقبة الناس.
لكن فيه مجموعة تانية كانت بتستغل المعلومات دي في الابتزاز والټهديد.
وإن واحد من أفراد المجموعة دي…
كان شخص قريب جدًا من الضحايا.
شخص محدش يشك فيه.
المباحث بدأت تربط الخيوط.
وفجأة ظهر اسم عم سعيد من جديد.
المرة دي من خلال كاميرات محطة أتوبيس في محافظة بعيدة.
قدروا يحددوا مكانه.
واتحركت قوة للقبض عليه.
لكن لما وصلوا…
كان هرب قبلها بساعات.
وسايب وراه شنطة.
جواها مستندات كتير.
وأجهزة تخزين.
وصور أحدث بكتير من اللي كانت موجودة في الدولاب.
القض..ية كبرت.
وبقت حديث صحف وبرامج.
واتكشف إن شبكة كاملة كانت بتجمع معلومات عن الناس وتستخدمها للضغط عليهم وابتزاز بعضهم.
ومع كل كشف جديد…
كنت بحمد ربنا إني ما تجاهلتش اللي لقيته.
لأن مجرد إني قلت
أكيد دي أوراق قديمة مالهاش لازمة.
كان ممكن يخلي كل الأسرار دي
تفضل مدفونة.
بعد ست شهور تقريبًا…
رجعت حياتي تهدأ شوية.
ورجعت لشغلي في المستشفى.
وحاولت أنسى اللي حصل.
وفي يوم…
وأنا راجعة من الشغل.
لقيت عربية شرطة واقفة تحت البيت.
قلبي دق پعنف.
افتكرت إن في مصېبة جديدة.
لكن الضابط نزل وهو مبتسم.
وقال
عندي خبر ليكي.
سألته بقلق
خير؟
قال
لقينا عم سعيد.
سكت ثانية.
وأضاف
اتقبض عليه.
حسيت كأني أخدت أول نفس طبيعي من شهور.
بعد المحاكمة بفترة طويلة…
اتحكم عليه وعلى باقي المتورطين بأحكام كبيرة.
واتقفلت القض..ية رسميًا.
لكن بالنسبة ليا…
الحكاية عمرها ما انتهت بالكامل.
لأن في كل مرة أبص للدولاب القديم الموجود لحد النهارده في ركن الصالون…
أفتكر إن ضغطة صغيرة على نتوء مستخبي تحت قطعة خشب…
كانت كفاية تغيّر حياة ناس كتير.
وأفتكر الليلة اللي اشتريت فيها أرخص قطعة في المزاد…
واكتشفت إنها كانت أغلى سر مخبي في المكان كله.
ومن يومها بقيت كل ما أشتري قطعة أثاث قديمة وأبدأ أنضفها…
أبتسم وأقول لنفسي
يا رب المرة دي ألاقي صور عيلة قديمة أو شوية خطابات حب محترمة… مش قض..ية جنائية كاملة!
لكن الحقيقة…
إن عمري ما بقيت أبص لأي درج أو صندوق قديم بنفس الطريقة تاني.