امي واخي
أمي وأخويا سقعوا ضحكة عالية أول ما دخلت قاعة المحكمة. “بص عليها”، أمي تريقت وهي بتوشوشه: “لما المهزلة دي تخلص، مش هيبقالها ملعقة في بيت أبوها”. بس هما ما كانوش يعرفوا إن المستشار رئيس المحكمة هيعرفني قبل ما يلحقوا يدمروني. “اضحكوا براحتكم.. بس النهارده خسارتكم مش هتبقى فلوس وبس”.
ده اللي دار في عقلي أول ما خطيت عتبة القاعة وشوفت أمي وأخويا وهما بينهبوا فيا بنظراتهم وكأني عيلة تايهة.
أمي، الحاجة كريمة، كانت قاعدة حاطة رجل على رجل، شنطتها الماركة الغالية فوق ركبها، ولابسة وش الست الشريفة الوقورة اللي بتصدره للناس. وجنبها كان قاعد رمزي، أخويا الكبير، ببدلته الكحلي المكووية على الشعرة، وساعته اللي بتبرق، وضحكته الصفرا اللئيمة. أول ما لمحني، مال عليها وفك الشفرة بضحكة مكتومة: “بصي يا ماما.. جاية لوحدها. من غير محامي، من غير راجل، من غير أي حد يشد ضهرها”. أمي حتى ما كلفتش نفسها تداري شماتتها وقالت بصوت عالي عشان يسمعني: “يا عيني عليكي يا مريم.. طول عمرها خايبة ومكسورة الجناح. النهارده هناخد منها الجمل بما حمل، عشان تعرف بعد كده إن اللي يقف وش عيلته بيتداس”.
أنا كنت كبشة في إيدي الدوسيه الأسود وضاماه لصدري. السنين اللي فاتت دي كلها هما فهموا سكوتي غلط.. افتكروه خوف. افتكروا بعدي عنهم فشل، وصبري غباء. بس الصبح ده، في محكمة أسرة مصر الجديدة، ما كنتش البنت اللي بتستخبى في الحمام تعيط عشان محدش يسمعها، ولا الأخت الصغيرة اللي كانت بتاخد إذن عشان تتنفس. أنا كنت الست اللي جاية تقفل الصفحة دي وللأبد.
”القض**ية رقم 482 لسنة 2024.. كريمة ضد مريم”، صوت حاجب المحكمة هز القاعة.
أمي قامت الأول، عدلت الجاكيت البيج بتاعها بكل ثقة وكأنها صاحبة المكان، ورمزي عدى من جنبي وهو بيبصلي من فوق لتحت ويوشوشني: “عيشي الشويتين دول وافرحي بكرامتك المزيفة.. مفيش خمس دقايق وهتخرجي من هنا على قفاكي”. ما ردتش عليه. مشيت لغاية المنصة بخطوات تقيلة وراس مرفوعة. سيادة المستشار، راجل وقور شعره شايب، كان بيقلب في أوراق القض*ية وعينيه فيها نظرة حد شاف ياما عائلات بتمزق بعضها عشان القرش.
وفجأة رفع عينه.
الدنيا لفت في ثانية.
المستشار بحلق فيا، عقد حواجبه، وعينيه وسعت من الصدمة: “مريم عبد العزيز؟” سأل وهو بيسيب القلم من إيده، “إنتي مريم؟” حسيت الهواء اتجمد ورايا. أمي ضحكتها اختفت، ورمزي بربش بعينيه وهو مش فاهم حاجة. “أيوه يا فندم، أنا”، رديت بنبرة هادية وثابتة. المستشار عدل نضارته وفضل يبصلي وكأنه بيستوعب إنه شايف شخص مكنش يتخيل يقابله في المكان ده أبدًا: “أنا فاكرك كويس.. من كام سنة كنتِ واقفة قدامي في لجنة تقييم منحة “مستقبلنا” للشباب، وقدمتي مشروع عبقري عن التمويل المتناهي الصغر للستات المعيلات”.
همهمة وهمس ملو القاعة. أمي ريقها نشف وبلعت عافيتها، ورمزي طلع منه ضحكة ماسخة: “هي دي؟ منحة إيه يا سيادة المستشار! دي يدوب جابت المقبول بالعافية في الكلية”. المستشار لفله ببطء ونظرة حادة زي الموس: “يا أستاذ رمزي، كلمة تانية وهعملك ازدراء محكمة وهتطلع بره”. رمزي اتكتم واتغطس في كرسيه، وأمي كانت بتبصلي وكأنها أول مرة تشوفني في حياتها ومش عارفة أنا مين.
المستشار كمل وهو بيبتسملي: “أنا فاكر عرضك للمشروع كأنه النهارده.. إنتي كنتِ صاحبة أعلى تقييم في الدفعة دي كلها”. قلبي كان بيدق زي الطبل، بس ملامحي فضلت زي الصخر. السنين اللي فاتت دي كلها، أهلي كانوا مألفين قصة تانية خالص.. كانوا بيقولوا للناس إن رفضي للمنحة كان كسل وصياعة، وإن ضيعت عمري في شغلانة تافهة في محل، وإني عايشة عالة عليهم عشان مبعرفش أعمل حاجة لوحدي. اللي ماكنوش يعرفوه إن المنحة دي أنا أخدتها فعلاً، واللي عمرهم ما اتخيلوه إني بنيت حياتي وشغلي في الساكت ومن وراهم.
”سيادة القاضي”، أمي قامت وقفت فجأة وصوتها مرعوش، “إحنا مش جايين هنا نفتكر أيام الجامعة.. إحنا هنا عشان البنت دي سرقت فلوس ورث أبوها والوديعة المقفولة باسم العيلة”. كلمة “سرقت” رنت في القاعة وزلزلت المكان، والناس بدأت تتوشوش تاني.
أنا فتحت الدوسيه الأسود بكل برود: “أنا ممدتش إيدي على مليم مش بتاعي.. بس النهارده هثبتلكوا مين الحرامي الحقيقي فينا”. أمي وشها جاب ألوان وخطف دمها. طلعت الورقة الأولى: شهادة التخرج الرسمية والمنحة، وبعدها كشف حساب بنكي معتمد ومختوم لشركتي الخاصة، وفي الآخر، حطيت قدام القاضي ببطء صورة من المستند اللي هما قدموه للمحكمة.. التنازل الرسمي اللي بيقولوا إني مضيت عليه وبسببه اتنازلت عن حقي في الوديعة.
الإمضاء في آخر الورقة كان مكتوب فيه اسمي. بس ده مكنش خطي.
المستشار مسك الورقة، قارنها بإمضائي القديم على ورق المنحة، وملامح وشة اتقلبت لغضب مكتوم. بص لأمي بزجر وقال بصوت جهوري هز الحيطان: “يا مدام كريمة.. أنا محتاج تفسير حالا”. أمي اتسمرت في مكانها ومبقتش قادرة تنطق، ورمزي كز على سنانه وقبض إيده وهو حاسس بالدربكة اللي هتحصل. المستشار رفع الورقة في الهوا قدام الكل وزعق: “الإمضاء بتاع بنتك على التنازل ده.. ليه واضح وضوح الشمس إنه تزوير عيني عينك؟”
وش أمي اتخرع، وفي اللحظة دي عرفت إن السحر انقلب على الساحر، وإن اللي جاي مش هيقدروا يوقفوه ولا هيرحمهم..