الدفتر

في الجنازة، ستي سابت لي دفتر التوفير بتاعها. أبويا رماه فوق القبر وقال بمنتهى القسوة مالوش لازمة.. خليه يتدفن معاها. أنا مديت إيدي وأخدته ورحت بيه على البنك. الموظف أول ما شافه وشه جاب ألوان وقال بصوت مرعوش اطلبوا الشرطة.. الآنسة دي ما تخرجش من هنا!

أبويا رمى دفتر توفير ستي في القبر المفتوح كأنه ورقة مالهاش قيمة.

ده حتة جلده مالهاش عازة، قالها وهو بينفض التراب من على جوانتي الأسود، سيبيه يتردم عليه.

المدافن كلها سكتت، وما بقاش فيه صوت غير صوت الهوا.

المطر كان نازل على وشي، أو يمكن دي كانت دموعي.. مش عارفة. كان عندي ستة وعشرين سنة، لابسة الفستان الأسود الوحيد اللي عندي، وواقفة وسط قرايبي اللي قضوا الجنازة كلها وشوشة إن ستي ضيعت آخر أيامها في تربيتي ومصاريفي.

أبويا، منصور، بص لي بنفس الضحكة الباردة اللي ضحكها وأنا عندي اتناشر سنة لما كنت بتبوس على إيده ما يبعش بيت ستي.

قال لي بسخرية سمعتي المحامي قال إيه؟ سابت لك الدفتر ده.. لا سابت فلوس ولا أرض ولا عقار. شوية ورق.. شغل ستات كبار خرفوا.

مراته، سلوى، ضحكت ضحكة مكتومة من ورا الطرحة السوداء.

أخويا من أبويا، حسين، مال عليا وقال تلقي فيه قرشين صاغ، روحي هاتي بيهم ساندوتش.

شوفت ولاد عمي وهما بيكتموا ضحكتهم.

أنا ما اتحركتش من مكاني.

الشيخ اللي كان بيدعي في الجنازة سكت وبص في الأرض بإحراج. المحامي، الأستاذ حسن، كان وشه مخطوف وما نطقش بكلمة، هو لسه قاري الوصية تحت تندة الجنازة والمطر بيغرقنا ستي سابت دفتر التوفير ده وكل اللي يخصه ليا أنا، حفيدتها أسماء.

أبويا ما أخدش مليم.

وده كان السبب اللي خلى ملامح وشه تتقلب ويبقى عايز يهد المعبد على اللي فيه.

ستي هي اللي ربتني بعد ما أمي ماتت. علمتني إزاي أخيط زرار قميصي، وإزاي أدير ميزانية البيت بالقرش، وإزاي أقف قدام الديابة وما أبينش خوفي أبدًا. في أسبوعها الأخير، وهي نايمة في المستشفى، وشوشت لي وقالت لما يضحكوا عليكي سيبيهم يضحكوا.. وبعدها روحي البنك.

خطيت خطوة لقدام.

أبويا مسك دراعي وقال سيبيه مكانه.

بصيت في عينه وقولت لأ.

عينه برقت وقال بتهديد ما تفضحيش نفسك يا أسماء.

رديت ببرود أنت قمت بالواجب وزيادة.

الكل اتصدم من ردي.

نزلت بالراحة، وجزمتي بتغرز في الطين، ومديت إيدي وأخدت دفتر التوفير الأزرق الصغير من فوق نعش ستي. كان متغطي بالتراب.. إيدي كانت بتترعش، بس صوتي كان زي الحديد.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *