الدفتر
قفلت السكة وبصيت للدفتر الأزرق الصغير وبوسته.. ستي ما ماتتش، ستي سابت لي عمر جديد.
عدى أسبوع واحد، وكان حالهم اتشقلب.
كنت قاعدة في مكتب المحامي، الأستاذ حسن، وهو بيراجع الورق والابتسامة مش مفارقة وشه. قطع الصمت ده صوت خبط ورزع على الباب، ودخل أبويا ومن وراه حسين، شكلهم كان يقطع القلب؛ الهدوم اللي كانت بتلمع في الجنازة دبلت، وعينيهم فيها كسرة أول مرة أشوفها.
أبويا قرب من المكتب وحط إيده عليه وهو بيترعش أسماء.. إحنا جالنا إخطار بالإخلاء.. إنتِ بجد هترمي أبوكي في الشارع يا بنتي؟ فين صلة الرحم؟ فين الدين؟
بصيت له بمنتهى الهدوء وقلت له الدين اللي بتفتكره دلوقتي هو نفسه اللي كان بيقول فأما اليتيم فلا تقهر.. وأنا يتيمة الأم وإنت قهرتني. هو نفسه اللي بيقول وآتوا النساء صدقاتهن، وإنت أكلت حق أمي وستي. صلة الرحم دي كانت فين لما كنت بترميني لمراته تهين فيا ليل نهار؟
حسين حاول يتدخل بصوت واطي يا أسماء، أنا أخوكي.. ماليش ذنب في اللي فات، أنا كنت صغير ومش فاهم.
ضحكت بصوت عالي صغير وإنت بتمسكني من دراعي في المدافن وبتقولي روحي هاتي ساندوتش؟ لا يا حسين، إنت كبرت فجأة لما عرفت إن معاك قرشين، ودلوقتي صغرت تاني لما الفلوس طارت.
المحامي قطع الكلام وقال بلهجة رسمية يا أستاذ منصور، الآنسة أسماء مش بس استردت الأملاك، دي اشترت الديون اللي عليك للبنك كمان. يعني بكلمة منها، مش بس الفيلا اللي تتاخد، ده ممكن ترفع قضية حجر وتحجز على كل مليم فاضل معاك.
أبويا انهار وقعد على الكرسي وبدأ يعيط سامحيني يا بنتي.. أنا غلطت.. ستي كانت شايفة اللي أنا مش شايفه.
قمت وقفت، لبست نضارتي السوداء وخدت شنطتي، وقربت منه وهمست في ودنه ستي سابت لي الدفتر عشان تفتح عيني، مش عشان تقسي قلبي.. أنا مش هرميكم في الشارع، أنا هسيبكم تعيشوا في بيت العيلة القديم اللي في الحارة.. البيت اللي إنت كنت مكسوف منه وعايز تبيعه. هتعيشوا هناك، وتصرفوا من معاشك بس، عشان تعرفوا إن القيمة في البركة مش في المنظرة الكدابة.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إني طايرة. المطر كان لبط، والشمس بدأت تطلع. ركبت عربيتي وبصيت للسما وقلت ارتاحي يا ست الكل.. حقك رجع، وحقي رجع، والدرس اتعلموه بالغالى.
فتحت الدفتر الأزرق لآخر مرة، لقيت في آخر صفحة بخط إيدها الضعيف مكتوب يا بنتي، الفلوس سند، بس النفس العفيفة هي اللي بتصونها.. عيشي بالحلال وافتكري إن ربك ما بيضيعش حق حد.