الدفتر
ودي كانت أغلى نصيحة من ست مصرية أصيلة عرفت تربي وتصون.. لما يضحكوا سيبيهم، وفي الآخر.. الحق هو اللي بيضحك.
مرت الشهور، وفعلاً نفذت اللي وعدت بيه. القصر اللي كان أبويا بيتباهى بيه وبظلمه فيه، اتحول ل دار ستي، وبقى مليان ضحكات أطفال أيتام ومحتاجين، وصوت القرآن والذكر مالي المكان بعد ما كان ماليًا بالوجع.
أبويا بدأ يتعافى تدريجيًا، بس فضل عايش في البيت القديم وسط حارة ستي. كان في الأول صعبان عليه نفسه، بس مع الوقت، بدأ ينزل المسجد اللي جنب البيت، ويقعد مع الناس البسيطة، وبدأ يحس براحة عمره ما ذاقها وهو عايش في الفلل والقصور.
في يوم، رحت أزوره، لقيته قاعد في الصالة الصغيرة وماسك سبحة ستي في إيده. أول ما شافني، قام وقف وباس راسي وقال لي
يا أسماء، أنا كنت عايش في عمى، والدفتر اللي كنت فاكره حتة جلدة، هو اللي نجدني من النار قبل ما أموت. أنا دلوقتي بس عرفت ليه أمي كانت بتعاملك إنتِ بالذات كأنك كنزها الوحيد.
أما سلوى وحسين، فالحياة أدبتهم بطريقتها. سلوى ما استحملتش العيشة البسيطة وطلبت الطلاق وسابت كل حاجة، وحسين اشتغل في المصنع اللي كنت بملكه، بس اشتغل عامل زي أي حد، عشان يتعلم إن القرش ما بيجيش بالسخرية من الناس، بيجي بالعرق والجهد.
وفي ليلة جمعة، كنت واقفة قدام قبر ستي، وبقرأ لها الفاتحة. المطر كان بينزل خفيف، بس المرة دي كان ريحته مسك. حسيت كأني سامعة صوتها بيطمني.
طلعت دفتر التوفير من شنطتي، وبصيت له لآخر مرة. الدفتر ده ما كانش فيه أرقام وبس، ده كان فيه خريطة طريق لكرامتي.
رجعت بيتي، وفتحت الصندوق الحديد اللي كان تحت البلاطة، وحطيت فيه الدفتر وقفلت عليه. مش عشان أخبي فلوس، عشان يفضل ذكرى لأي حد من ولادي في المستقبل، يعرفوا إن الحق مهما اترمى عليه تراب، بيجي يوم والمطر بيمسح التراب ده، ويبان الذهب اللي تحته.
القصة بدأت بجنازة ودموع، وانتهت ب حياة وجبر خاطر. وزي ما ستي كانت بتقول يا بنتي، اللي معاه ربنا، الدنيا كلها بتبقى في جيبه، بس المهم ما يخليهاش تدخل قلبه.
تمت.