انتي ملكي حصري لصفحة روايات رولا

​أول جرس إنذار كان مستخبي تحت أكمام حرير شيك.. أما آخر إنذار، فكان يستحيل حد يتجاهله.
​عند الكوشة، شريف الشافعي عصر إيدي جامد لدرجة إن خاتم السوليتير غرز في صوابعي وأوجعني. الكاميرات كانت بتمطر فلاشات، وابتسامته الجذابة المطبوعة على وشه ما اتغيرتش ولا لحظة.
​قرب من ودني وهمس بنبرة حادة:
— «من النهار ده إنتِ ملكي.. اعرفي مقامك وحجمك كويس.»
​القسيس كان بيواصل كلمات الإكليل، وفي أول بنك، كانت أمه “هوانم هانم” قاعدة تبصلي بنظرة تشفي وفخر، كأنها ملكة بتتفرج على أحدث انتصارات عيلتها.
​أنا ابتسمت بثبات، وقربت منه ورديت بنفس الهمس:
— «عايز تتجوزني؟ يبقى اتعرف الأول على الشاهدة اللي هتشهد عليك!»
​على مدار 11 شهر، شريف قدر يقنع الكل إني مجرد واحدة “ضعيفة وناعمة”. كان بيختارلي لبسي، بيراقب مكالماتي، يحدد مين أكلمه ومين بلاش، وبيرمي تحت رجلي هدايا بأرقام خيالية بعد كل نوبة غضب. وكل ما يفقد أعصابه ويضربني، كان يرمي الشماعة على الضغط، ولما حبسني ليلة كاملة في بدروم الفيلا، سمى ده “تربية وإعادة تأهيل”.
— «إنتِ اللي بتخليني أتحول لكده!».. كان دايماً يقولها.
​وأمه هوانم كانت أقنع منه كمان، لما شافت العلامات الزرقا على دراعي:
— «الراجل الناجح محتاج واحدة تطيع في البيت.. إياكي تفضحينا ولا تصغري العيلة!»
​هم كانوا فاكرين إني مستحملة ومكملة عشان خايفة.. بس الحقيقة كانت أبعد من كده بكثير.
​أنا قعدت واستحملت لأن إمبراطورية “الشافعي” متأسسة ورا أبواب مقفولة، وكان يلزمني وقت عشان ألاقي الرقم السري الخزنة.
​قبل ما أعرفه، كنت شغالة مراجعة حسابات شرعية وجنائية في مكتب استشارات مالية كبير بيشتغل مع جهات رقابية. شريف كان بيحب يقدم للناس ويقول: “مريم.. محاسبة بسيطة على قدها”. عمره ما كلف نفسه يسأل أنا براجع إيه، ولا إيه برامج التحليل المالي اللي بعجنها بـ إيديا، ولا ليه أقدر أفكك الميزانيات الوهمية ولعب الشركات الفاسدة أسرع من أي حد بيقرا جريدة الصباح!
​بعد 3 شهور بس من خطوبتنا، اكتشفت إمضائي مزور على إقرار ضمان بقرض ملايين من البنك.. أنا عمري ما وافقت عليه!
وبعدها بأسبوع، لقيت 6 أوراق تانية بنفس الإمضاء!
​في نفس الليلة، شريف قفشني وأنا براجع كشف حساب لشركته. ضحك وباس دماغي، وأخد الورق بالراحة من إيدي وهو بيطبطب عليا:
— «الأرقام دي مش عالمك يا مريم.. شغلانتك الوحيدة إنك تقفي جنبي وتطلعي حلوة وزي القمر.»
​وطيت عيني للرصيف عشان ما يشوفش في عيني الحقيقة اللي غروره عمته عنها: إن كلامه ده أداني اليقين اللي كنت مستنياه.
​شريف كان بياخد قروض بضمان مجموعة “الشافعي للإنشاءات” عن طريق شركات باسمي أنا! خطته كانت بسيطة وسافلة: يتجوزني، يدمج أملاكي وأملاكه، ولو الدنيا فرقعت ورجال الرقابة الماليين وصلوا.. أكون أنا الكبش اللي يشيل الشيلة والقضايا لوحدي!
​عشان كده، بدأت أجمع أدلتي في السر:
​تحويلات بنكية.
​تسجيلات صوتية في البيت والعربية.
​تقارير طبية بشرعية وموثقة.
​صور وتوثيقات للإصابات.
​نسخ الفواتير والإمضاءات المزوّرة.
​وأجندة سوداء سريّة شريف كان شايلها ورا تابلوه خشب مستخبي في مكتبه في فيلا التجمع.
​ده غير ملف أخير.. قنبلة الموعد!
الملف اللي بيثبت إن ثروة عيلة الشافعي كلها مش بس قائمة على النصب والكذب.. دي ثروة مسروقة بالكامل من أول يوم!
​عند الكوشة، والقسيس بيسأل الحضور: “هل يعترض أحد على هذا الزواج؟”
السكوت غمر الكنيسة كلها.
​شريف عصر إيدي أكتر وهمس بثقة:
— «شاطرة.. يا قطة.»
​بصيت ناحية الأبواب الجانبية للكنيسة..
الأبواب اتفتحت ببطء.
​الأول دخلت المحامية بتاعتي “أستاذة فريدة”..
ووراها اتنين ظباط مباحث، ومعاهم مفتش من النيابة الأموال العامة..
ومعاهم ست، شريف بقاله 10 سنين بيقنع كل الناس إنها ماتت وشبعت موت!
​الجزء الثاني
​الست وقفت في نص الممر..
شريف وشه اتخطف وبقى شبه الجث\\ة، وأمه “هوانم” وقفت على حيلها ومسكت قلبها:
— «مين اللي دخل دي هنا؟!»
​الست دي كانت “نورهان الشافعي”.. أخت شريف الكبيرة، والمالكة الشرعية والوحيدة لأصول وعقارات عيلة الشافعي!
​من 10 سنين، نورهان تعرضت لحادثة عربية غريبة على طريق الساحل. شريف أقنع المستثمرين والإعلام إنها اتوفت، وأمه عملت عزاء مفيش فيه جث\\ة. وبورقة وراثة مزورة، تحولت أسهم نورهان كلها لشريف!
​بس الحقيقة كانت أظلم بكثير..
نورهان عاشت بعد الحادثة بإصابة شديدة في المخ، وقضت سنتين بتتعالج تحت اسم مستعار. ولما بدأت تفوق وتسأل، محامين شريف هددوا برميها في مستشفى الأمراض العقلية، وأمه دفعت رشوة لدكتور عشان يكتب تقرير إنها فاقدة الأهلية. نورهان هربت برة مصر عشان تحمي نفسها.
​أنا وصلت لنورهان بسبب غلطة غبية عملها شريف:
كل شهر، كانت فيه شركة من شركاته الوهمية بتحول 9 آلاف يورو لعيادة خاصة في لشبونة تحت بند “استشارات”. تتبعت الخيط، وصلت لنورهان، ووريتها كشوفات الحسابات المزوّرة.
​نورهان بصت لشريف والدموع في عينيها:
— «دفنتني وأنا حية يا أخويا!»
​الهمس والوشوشة انتشروا في الكنيسة زي النار في القش.
شريف حاول يستجمع نفسه بسرعة وشرور العالم في عينه:
— «الكلام ده جنون! مريم اتجننت وبتمسرح علينا، وهي تحت ضغط عصبي شديد!»
​وأمه صرخت وهي بتشاور عليا:
— «دي واحدة طمعانة في فلوسنا! طمعانة مش أكتر!»
​شريف بَص للمعازيم وفتح إيديه بمسكنة:
— «يا جماعة، خطيبتي بتعمل شو وفضيحة مالهاش معنى يوم فرحنا!»
​بعدها قرب مني وهمس من بين سنانه:
— «انهي القرف ده فوراً، وإلا هرميكي برة ومش هتالقي تأكلي!»
​رجعت خطوتين لورا..
بنات أفكاري وصاحباتي قربوا وفكوا الكاب والفستان الخارجي الثقيل.. وتحته كنت لابسة فستان بسيط جداً وبدون أكمام..
وهنا ظهر المستخبي:
كدمات متدرجة الألوان على ضلوعي، علامات صوابع معلمة بإزراق على دراعاتي، وجرح لسة بيلتئم جنب كتفي.
​الكنيسة سكتت خالص.. مفيش صرخة نفس واحدة طالعة!
​مسكت الميكروفون ورفعت صوتي:
— «الإصابات دي مثبتة بتقارير طبية شرعية من 3 دكاترة على مدار 7 شهور.. والتوارخ بتاعتها متطابقة مع التسجيلات الصوتية اللي متسجلة في عربية وفيلا شريف الشافعي.»
​المحامية بتاعتي رفعت الـ “تابلت” ووصلته بسماعات الكنيسة..
صوت شريف المظبوط بالثانية طلع يرن في الصالة:
“ما حدش هيصدقك يا مريم.. أنتِ حتة محاسبة مفيش ليكي قيمة!”
​وبعدها طلع صوت أمه هوانم:
“داري العلامات دي بميك أب كويس قبل الحفلة بتاعة بكرة، بلاش قلة ذوق وصغران قدام الناس!”
​واحدة من المعازيم في الصف التاني حطت إيدها على بقها وبدأت تعيط.
شريف أخد خطوة وسخة عشان يخطف التابلت، بس الظابط وقف في وشه ومنعه.
​شريف صرخ:
— «انت مش عارف انت بتكلم مين؟ أنا شريف الشافعي!»
​مفتش النيابة رد عليه ببرود:
— «عارفين كويس جداً.. وعشان كده إحنا هنا.»
​بعض المعازيم بدأوا ينزلوا موبايلاتهم من الصدمة، وناس تانية رفعتها أكتر عشان تسجل الفضيحة! الشاهد بتاع شريف انسحب بالراحة ورجع لورا كأن القذارة معدية.
​هوانم أمه كبريائها انكسر تماماً وصوتها بدأ يترعش:
— «اتصرف يا شريف! اعمل حاجة!»
​بصلي شريف، ولأول مرة أشوف في عينه خوف حقيقي مش غضب.
بس رغم كده، كان فاكر إن نفوذه وفلوسه هينقذوه.. ما كانش يعرف إن أنا ونورهان أخدنا قرار محكمة مستعجل بالتحفظ والتحفظ التحفظي على كل أصول وشركات العيلة، وإن مدير البنك بتاعه بيبصم معانا في النيابة، وإن جهات التحقيق معاها نسخ من كل أوانطه.
​وأجمل حاجة.. إن شريف بنفسه هو اللي عمل المسرح ده!
عزم كل أعضاء مجلس الإدارة، المستثمرين، رجال الأعمال، الشخصيات العامة، الصحفيين.. عزم كل الناس اللي كان عايز يتباهى قدامهم.. فجمع بنفسه كل الشهود على لحظة انكساره وسقوطه!
​الجزء الثالث
​شاورت براسي ناحية شاشة العرض الكبيرة اللي ورا الكوشة.
ظهرت وثيقة رسمية: “طلب إدماج وتحويل أصول”.
وفي آخر الصفحة كان فيه إمضائي المزور.
​— «شريف كان ناوي يقدم الورقة دي بكرة للبنك».. قولت بصوت ثابت.. «الورقة دي كانت هتشيلني ديون وقروض بأكثر من 300 مليون جنيه على شركات وهمية باسمي.»
​شريف صرخ:
— «دي أسرار شركات ومستندات خاصة! دي سرقة!»
​ردت المحامية فريدة:
— «لا يا أستاذ شريف.. دي أدلة جنائية.»
​الشاشة اتغيرت وعرضت تحويلات بنكية رايحة لشركات وهمية، ورشاوى لموظفين، وحسابات أوفشور في بناما.
وبعدها ظهر التعديل الأصلي لعقد التأسيس اللي بيثبت إن نورهان هي المالكة الوحيدة، وإن شريف ممنوع يدير أي حاجة بعد سن التلاتين إلا بإذن كتابي منها.. إذن هي عمرها ما كتبته!
​يعني كل قرار مجلس إدارة أخدوا.. باطل!
كل أصل رهنه للبنك.. باطل!
وكل مستثمر نصب عليه.. ليه الحق يوديه في داهية!
​نورهان بصت للحضور وقالت بثبات:
— «هو مابناش ثروة الشافعي.. هو سرقها.»
​الكنيسة اتقلبت سوق وسيرك!
رجال الأعمال بيصرخوا في التليفونات، المستثمرين بيهربوا للمخارج، والصحفيين بدأوا يعملوا بث مباشر من جوة القاعة!
​شريف هجم عليا ومسك معصمي بغل، والماسك بتاعه وقع تماماً:
— « يا طفيلية يا جائعة! أنا اللي عملتك!»
​بصيت لإيده على دراعي وقولت ببرود:
— «شيل إيدك.»
​ضغط أكتر، فالظابط زق إيده وكتفها ورا ظهره وحط الكلبشات في إيده!
​أمه هوانم صرخت وهي بتتشنج:
— «إحنا عيلة الشافعي! إحنا بنشتري القضاة!»
​مفتش النيابة بص لها وكتب في أجنته:
— «الجملة دي هتنزل نصاً في محضر الضبط والتلبس.»
​الظباط قربوا منها، فصرخت:
— «أنا ما عملتش حاجة!»
​نورهان قربت منها وقالت بصوت هادي:
— «اتهمتيني بالجنون، سرقتي اسمي، ودلستي عشان تخفيني عن العالم.»
​هوانم بصلت حواليها تترجى حد ينقذها.. ما حدش حتى بص في عينها. القسيس وسّع للظباط وهما بيحطوا الكلبشات في إيدها.
​شريف كان بيعافر زي المجنون وهو بيتسحب لبرة:
— «يا مريم! انتِ ولا حاجة من غيري! ولا حاجة!»
​خلعت خاتم الخطوبة السوليتير، ورميته على الأرض الرخام:
— «لا يا شريف.. أنا كنت بختفي وأتمحي بسببك أنت.»
​الظباط أخدوهم لبرة وسط ذهول المعازيم وورد الفرح اللي كان مفروش على الأرض.
​قبل ما الشمس تغرب، كان مجلس إدارة الشركة أقال شريف.
وقبل نص الليل، البنوك كانت جمدت كل الحسابات.
​في خلال أسابيع، النيابة وجهت لشريف تهم: ضرب وإحداث عاهة، تزوير، سرقة هوية، غسيل أموال، وابتزاز. وأمه هوانم واجهت تهم التزوير، شهادة الزور، وحبس حرية مواطن.
​محامينهم حاولوا يقولوا إني ينتقم.. بس التسجيلات والأوراق كانت بتتكلم عن نفسها.
بعد ما مدير البنك و3 من الموظفين شهدوا ضده، شريف اعترف بكل حاجة عشان يقلل العقوبة. لبس 14 سنة سجن مشدد، وأمه أخدت 9 سنين.
​نورهان رجعت لها أصولها وثروتها، صفّت الشركات الفاسدة، سددت ديون المستثمرين، وعملت مؤسسة حقوقية وقانونية لدعم الستات اللي بيتعرضوا للاستغلال والعنف الأسري من أصحاب النفوذ..
وطلبت مني أمسك إدارة المؤسسة دي.
​بعد سنة كاملة..
كنت واقفة في مكتبي في برج ناطحة سحاب بيطل على النيل في الزمالك.
مفيش أبواب مقفولة..
مفيش حد بيراقب مكالماتي..
وعلى الحيطة كانت متعلّقة صورة من يوم الفرح.. مش صورتي مع شريف، بس صورة نورهان وهي داخلة من باب الكنيسة وراسي مرفوعة.
​المحامية فريدة سألتني مرة: “هو انتِ ندمانة إنك حولتي يوم فرحك لـ مسرح جري\\مّة؟”
رديت عليها وابتسمت: “ده عمره ما كان فرحي.”
​برة، النيل كان بيلمع تحت الشمس.
قفلت آخر ملف لقض\\ية شريف، حطيته في الأرشيف، وقفلته بالمفتاح..
​المرة دي.. أنا بس اللي كنت ماسكة المفتاح!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *