تمن الخيانة
حصري الكانبة رولا
قصة: ثمن الخيانة.. والّلي يفرّط في حقّه يستاهل!
رجعت من الشغل بدري عشان أقفش جوزي وهو بينقل مراته التانية وعيالهم اللي جابهم منها في صالة بيتي! الحرباية كانت بتشيل صورة أمي الله يرحمها عشان تعلق مكانها شاشة تلفزيون. جوزي بـكل بجاحة ضحك تريقة وقالّي: “خلاص، همّ هيعيشوا هنا، اتأقلمي بقى.. إحنا محتاجين مكان”. كان فاكرني هعيط وأبوس رجله، بس على مين؟ بـكل برود حطيت مفاتيحي على التربيزة، وطلعت موبايلي، وكلمت الشخص الوحيد اللي قادر يمحيه من على وش الأرض.
طول عمر ريحة بيت أمي الله يرحمها في “مابلوود” معمورة بريحة كتب قديمة، وخشب ماهوجني متلمع، ونفحة لافندر خفيفة. كانت ريحة الأمان، ريحة العز. بس أول ما فتحت الباب الخشب التقيل في بعد ظهر يوم تلات ساقع—عشان في مؤتمر إداري اتلغى فـركبت القطر بدري—الريحة دي كانت اتبخرت.
دخلت لقيت ريحة مناديل أطفال مبللة، ورائحة قذرة من قلة الأصل والـبجاحة.
وقفت في الطرقة، وصوت عربيتي وهي بتهدى بره لسه في ودني، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. جوزي، “بن”، كان واقف في نص الصالة، ومش لوحده، ولا واقف إيد ورا وإيد قدام.. ده كان ماسك في إيده عتلة حديد!
وجنبه واقفة “مايا”، بنت خالي! اللي كانت في فرحي بتبوسني وتقولي “يا رب دايماً مستقرة وقوية”. الحرباية كانت بترمى كتب أمي الأثرية المتجلدة جلد طبيعي في كرتونة بـكل لؤم. وعلى فوتيه الشامواه المفضل بتاعي، كان فيه عيل يادوب شهور نايم في بطانية بينك، وعيل صغير قاعد على السجادة التبريزي، بيخبط مكعب بلاستيك في الأرض الباركيه بـكل غشم.
بس الحيطة اللي فوق الدفاية هي اللي خلت الدم يتجمد في عروقي.. صورة أمي، اللي متعلقة بقالها تلاتين سنة، كانت مخلوعة ومترمية جنب باسكيت الزبالة! ومكانها، “بن” كان بيدق مسمار عشان يعلق تابلوه رخيص مكتوب عليه: “البيت هو مطرح ما عيلتنا بتكبر”.
”بن” كان بيتكلم في التليفون ومديني ضهره، بـنبرة الشركات المتعالية بتاعته وهو بيخلص صفقات: “لازم تتأكد إن النجار ييجي قبل الساعة خمسة. أيوه، يغير كالون الباب الأمامي، وباب الجنينة، وباسورد الجراج. مراتي مش هتيجي قبل يوم الجمعة، فعايز الأقفال الجديدة تتربب قبل ما ترجع.. أصلها هتعمل نمرة غلاسة في الأول”.
قفل السكة، ورمى تليفونه على رف كتب أمي اللي بهدله، والتفت أخيراً.
الدم هرب من وشه في ثانية لدرجة إنه بقى شبه الأموات من الصدمة. “مايا” شهقت، ووقعت رواية “مرتفعات ويدرينغ” من إيدها، وحطت إيدها على بوقها.
لا صرخت، ولا وقعت شنطتي الجلد. أنا بس وقفت وبصيت للراجل اللي شاركته السرير خمس سنين، وأنا شايف تروس عقله بتلف بجنون عشان يلحق يغطي على مصيبته اللي اتكشفت.
”بن” نفخ صدره وحاول يتباجح عشان يديرى رُعبه: “من النهارده، مايا والعيال هيعيشوا هنا. فـ لو عندك مشكلة في ده، يبقى خبطي دماغك في أجدع حيط يا كيت”.
بقى ليه عين يرمي اسمي في وشي كأنه شتيمة، وفي بيتي أنا!
سألته: “إيه قلة الأدب دي؟” صوتي متهزش، كان هادي لدرجة تخوف، سحب الأكسجين من المكان.
”مايا” استخبت ورا ضهره ومش قادرة تحط عينها في عيني. “بن” نفخ بـ تمثيل، وفرك راسه كأن جيتي البدري دي هي اللي غلطانة وعطلته.
زعق وقال وهو بيشاور على الواد الصغير: “يعني مبقتش مستخبي ورا الحقيقة خلاص! دول عيالي، ومايا ملهاش حتة تروحها. هنحل الموضوع ده كبار وعاقلين. أنا عارف إنك هتيجي لك حالة هيستيريا، بس مش هرمي عيلتي في الشارع عشانك”.
البرنس كان محضر البقين دول وممرن نفسه عليهم! كان باني لنفسه فيلم إنه الأب الشهم اللي بيعمل الصح، وإني أنا الست العاقر الشريره اللي واقفة في طريق الحب. كان عايزني أعيط، أو ألطم، أو أضربه بالقلم عشان يطلبلي الشرطة ويقول “مراتي بتعتدي عليا”.
بدل ده، عديت من جنبه بـكل برود، وصوت كعبي بيرن على الخشب. دخلت أوضة النوم الرئيسية، سحبت شنطة سفري التقيلة، وبدأت أرمي هدوم الشغل والبدل بتاعتي جوه.
مشى ورايا، وثقته في نفسه كبرت لأنه فهم صمتي غلط وافتكره استسلام. سخر وهو ساند على الباب: “بلاش شغل العيال ده يا كيت، الموضوع مش مستاهل.. البيت ده بيتي زي ما هو بيتك، ولازم تتعلمي تشاركي غيرك”.
وقفت وأنا ماسكة بلوزة حرير، والتفت ببطء وعيني في عينه: “أنت مصدق نفسك إن البيت ده بيتك؟”
بربش بعينه، وفكه اتهز هزة خفيفة. من كتر غباءه وغروره، نسي تمامًا عقد الملكية الحديدي اللي متشال في الخزنة السحرية ورا السرير.. العقد اللي فيه اسم واحد بس: اسمي أنا.
قفلت سستة الشنطة، ورجعت الصالة، وفتحت درج الكونسول الماهوجني. طلعت ميدالية المفاتيح التقيلة اللي فيها مفاتيح البيت الاحتياطية، وريموت البوابة، والمفتاح النحاس الصغير بتاع الخزنة، ورزعتهم على التربيزة الإزاز. الرزعة خلت “مايا” تتنفض.
وقلت وصوتي نزل طبقة تخوف: “قدامك لحد بكره الصبح، تشيل كل قشاية تخصك وتخصها من ملكيتي”.
”بن” ضحك ضحكة صفرا ومقطوعة النفس: “وهتعملي إيه يعني لو قولتلك مش خارج؟”
رديت: “يبقى على بعد الظهر يا بن، هتعرف بالطريقة الناشفة الفرق بين إنك تغير كالون باب، وإنك تغير عقد ملكية مسجل”.
خرجت وقفتلت الباب ورايا وسيبته يضرب دماغه في الحيط. ركبت عربيتي، وإيدي كانت قفشة في الدريكسيون لحد ما صوابعي ابيضت. كنت سايبه بيتي، بس كنت عارفة إني ولعت حرب هو م حيلتوش لبة عشان يخوضها.
مشيت تلات شوارع وتليفوني اتهز بـ غباوة في حامل الكوبايات. كان تنبيه عاجل من تطبيق البنك بتاعي:
عاجل: تم طلب استعلام ائتماني على حسابك. الحالة: تمت الموافقة. ميعاد صرف قرض بـ ضمان العقار بمبلغ 550,000 دولار بكره الساعة 9:00 الصبح.
نفسي اتقطع. دوست فرامل ووقفت على جنب. الوطي مش بس بينقل عشيقته، ده رهن بيت أهلي وناسي! والفلوس هتتحول بكره الصبح.
منمتش الليلة دي. رحت قصر عمتي “فيفيان” في “ريفرديل”، وقعدت في مكتب الضيوف. الساعة كانت 11:30 بالليل. كان قدامي تسع ساعات ونص بس قبل ما “بن” يشفط نص مليون دولار من شقى أمي ويهربهم في حسابات أونلاين.
تليفوني مكانش بيبطل رن ورسايل من “بن” بيحاول يلوى دراعي:
”لازم تفكري في العيال قبل ما تعملي أي حوار وتتهوري.”
”مايا عندها اكتئاب ما بعد الولادة، ارحميها بقى.”
”عديها يا كيت، ما إنتي مش أول ولا آخر واحدة جوزها يخونها.. هنعيش مع بعض عادي”.
عملتله صامت. مكنتش فاضية للألاعيب النفسية بتاعته، كنت عايزة أتتبع خطواته الرقمية.
بحكم شغلي كمراجعة عقود ومحققة في شركة عقارات كبيرة، حياتي كلها عبارة عن إني أطلع الثغرات المستخبية وسط السطور. و”بن”، المستشار المالي الفاشل اللي فاكر نفسه أذكى واحد في الدنيا، كان بيسيب وراه بلاوي.
فتحت اللاب توب ودخلت على حساب التخزين السحابي المشترك. كان مغير الباسورد، بس استخدم اسم كلب طفولته اللي قالهولي وهو سكران في تاني ديت لينا.. وبقيت جوه الحساب!
اللي لقيته في الفولدرات المستخبية خلاني عايزة أرجع من القرف. مكانش مجرد طلب قرض، ده كان عقد رهن عقاري متقفل وممضي مع بنك غير معروف بره الولاية. وتوقيعي كان منقول بالمسطرة في آخر الورقة؛ الحرامي استخدم برنامج استنساخ ديجيتال عشان يسرق إمضتي من الإقرارات الضريبية المشتركة.
بس الرعب الحقيقي كان في أمر الصرف؛ الـ 550,000 دولار مش هتدخل حسابنا المشترك، دي هتتحول لـ شركة وهمية مسجلة في ولاية ديلاوير باسم “بن”، الساعة 9:00 الصبح بالدقيقة.
لو التحويل ده تم، الفلوس هتتغسل في حسابات وهمية ومش هتعرفلها طريق قبل وقت الغدا، وهبقى أنا مديونة بنص مليون والبيت يترهن، وهو يتقلب بطل وثري هربان.
الساعة 2:15 بالليل، كلمت “ميريام”. محامية شرسة ودماغها سم، وكانت صاحبة أمي الروح بالروح.
”ميريام” ردت وصوتها كله نوم: “كيت، لازم يكون حد مات عشان تكلميني في الوقت ده”.
قلتيلها وأنا ببعت الملفات في إيميل مشفر: “لسه مماتش، بس بن بيحاول يغتال مستقبلي المالي. زور إمضتي ورهن بيت مابلوود بنصف مليون دولار. الفلوس هتحول الساعة تسعة الصبح”.
الخط سكت تلات ثواني، وبعدها سمعت صوت فتح اللاب توب: “أنا هعمل قهوة. تصبحي في مكتبي الساعة ستة الصبح.. هنربيه ماليًا وقانونيًا ونعلم عليه”.
السما كانت لسه كحلي لما دخلت مكتب “ميريام” وسط البلد. وتلات ساعات اشتغلنا زي جراحي الطوارئ؛ “ميريام” صاغت أمر قضائي عاجل، ومحضر تزوير، وإشعار رسمي بوقف الصرف للمقرض، وشغلت علاقتها عشان تظبط الروتين.
الساعة 8:54 الصبح، قعدنا في صمت بنبص على التليفون اللي على مكتبها الضخم. الساعة 8:58، التليفون رن. كان مدير الامتثال في البنك: “يا سادة، استلمنا الأمر القضائي العاجل. التحويل اتوقف واتجمد لحد ما نتحقق من التزوير. الفلوس مش هتخرج لبنيامين”.
رميت نفسي على الكرسي الجلد، وطلعت نفس حسيت إني كتماه من امبارح. القنبلة اتفككت، وبيتي في أمان.
همست والدموع نازلة من عيني من كتر الارتياح: “شكرًا ليكي”.
ميريام وعينها على الشاشة بتراجع الحسابات قالت: “متشكرنيش دلوقتي يا كيت.. بصي كدا”.
انحنيت على المكتب، وهي شاورت بقلمها: “الشركة الوهمية دي مرتبطة بحساب دولي. وبصي على الفواتير اللي مقدمها عشان يبرر القرض السريع.. البيه اشتري عقار بره”.
سألتها بقلب مقبوض: “شقة ليه ولمايا؟”
ميريام قالت بهدوء: “لأ، شقة على البحر في بليز (Belize). وتذكرتين طيران درجة أولى ذهاب بس من ميامي لبكره بالليل. واحدة باسم بنيامين سيرلينج”.
”والتانية؟”
ميريام كبرت الصورة: “اسم الراكب: كلوي فانس”.
كلوي فانس! السكرتيرة الشابة اللي عندها 23 سنة في شركته، البنت اللي ضحكتها رنانة واللي كانت بتقولي جزمتك حلوة أوي في حفلة رأس السنة.
الندل مكانش بينقل مايا لبيتي عشان يعمل عيلة، ده كان جايبها عشان يشغلني بيها، ويفتح حوار وخناقة بيت تشتتني لحد ما الفلوس تتحول. كان ناوي ياخد القرشين، ويرمي عيلته وعشيقته، ويهرب على أمريكا الوسطى مع عيلة تصغره بعشر سنين!
تليفوني اتهز؛ رسالة من مايا:
”كيت، لقيت حاجة في جيب بالطه. هو ناوي يخلع ويسبنا إحنا الاتنين. لو ممشفتنيش دلوقتي، إحنا الاتنين هنروح في داهية”.
قابلت مايا في كافيه معفن جنب محطة القطر. اخترت المكان ده بالذات عشان أقشطها من أي برستيج.
كانت قاعدة في الزاوية وشبه الوش الصفر؛ الست المتفرعنة اللي كانت بترص الحفاضات على تربيزتي بالأمس اختفت، وبقت عيلة مرعوبة وتحت عينها سواد، بتهز الواد الصغير والتاني نايم في عربة متبهدلة.
قعدت قدامها ومطلبتش حاجة، وسيبت الصمت يكتم نفسها.
همست وهي مش قادرة تبص في عيني: “هو قالي إنك عارفة، وإنكم مطلقين أصلاً، وإن البيت بيته قانوناً بس إنتي قاعدة عشان المنظر قدام الناس.. وقالي إنك بتكرهي الأطفال”.
قلت بـنبرة ناشفة مفيهاش أي حنية: “وإنتي، يا بنت خالي وقريبتي، صدقتي الهجص ده؟”
مايا بلعت ريقها والدموع نازلة: “أنا… كنت عارفة إنه ممكن يكون بيكدب، بس كنت عايزة أصدقه عشان أهرب من فكرة إني خطافة رجالة. ولما حملت تاني حاول يخلع مني، بس رجع بالخطة دي؛ قال إن وجودنا في البيت هيخليكي تطلبي الطلاق وتسيبي البيت فـ يبقى معاه ورق يضغط بيكِ”.
تابعت: “ووافقتي تساعديه تسرقي بيتي”.
عيطت وقالت: “كنت مزنوقة ومليش مأوى يا كيت! بس امبارح بالليل بعد ما مشيتي، كنت بروق بدله ولقيت فواتير تذاكر بليز له وللمقـصوفة كلوي”.
مدت إيدها في الشنطة وطلعت فلاشة (USB) وحطتها على التربيزة.
وقالت بصوت مخنوق: “الواد الكبير ابنه، بس الرضيع… مش ابنه. بن أجبرني أكدب على كله وأقول إنهم عياله عشان المنظر يبقى حنين قدام القاضي، وهددني لو نطقت هيشغل محامين تقال وياخد ابني الكبير مني ومأشوفوش تاني”.
بصيت للفلاشة، وسألتها: “فيها إيه دي؟”
مايا قالت: “كل حاجة؛ تسجيلات صوت لتهديداته ليا، وورق نسب مزور دفع لعيادة عشان تعمله، وإيميلاته مع كلوي وهم بيخططوا للهروب. كان هيسيب البنك ياخد البيت منكِ، ويسبني أنا في قض..ية وضع يد، ويخلع هو ويسيبنا نغرق”.
جالي غثيان وقرف مش طبيعي؛ الحوار مبقاش مجرد راجل خان مراته، بن مكانش بني أدم غلط، ده كان مريض ونصاب بيشوف الناس كروت بيلعب بيها ل مصلحته.
أخدت الفلاشة وحطيتها في الشنط، وقلت وأنا بقوم: “مش هسامحك يا مايا، إنتي اللي عملتي العملة دي بإيدك في صالتي، بس وحياة أمي هخلي البيه ميعرفش يلمس ابنك”.
وأنا خارجة في الهواء رن تليفوني؛ ميريام قالت والضحكة مالية وشها: “كيت، البيه لسه باعت إيميل لشركائه ولوالدي مايا”.
”بيقول إيه؟”
”فاكر إن الفلوس هتتحول الساعة سبعة بالليل عشان تأخير من البنك. وعشان يثبت رجله في البيت ويحتفل بـ نصره، عامل عزومة عشاء مفاجئة في بيتكِ في مابلوود دلوقتي للاحتفال بـ ‘البدايات الجديدة’، وجايب شركة بوفيه!”.
ضحكت ضحكة شريرة؛ الندل بيحتفل بـ سرقة حياتي وهو مش داري إن البنك قفل الحنفية، وجوازه اتوقف، وأنا اللي معايا زرار التفجير.
قلت لميريام: “كلمي المباحث الأموال العامة، قوليلهم الحرامي في المصيدة ومعانا الدليل والشهود في صالة بيتي.. إحنا رايحين الحفلة”.
الشارع خارج بيتي كان زحمة عربيات مرسيدس وبي إم، والنور منور بره، ومزيّكة الجاز مسموعة في الشارع الكاحل.
ركنت عربيتي بعيد، وبعدها وقفت عربية بوكس سرية ورايا. نزلت المحققة هاريس، ست ناشفة، ومعاها أمناء شرطة وميريام بـ شنطتها.
قالت المحققة: “اتأكدنا من البنك، تهمة تزوير رهن عقاري وسرقة هوية بـ تودي في داهية، البيه لابس من 10 لـ 15 سنة سجن. جاهزة يا مدام سيرلينج؟”
قلتيلها بـ حسم: “اسمي كيت، وعمري ما كنت جاهزة لحاجة في حياتي قد دي”.
مشينا في الممر، ومن الشباك الكبير شوفت بن واقف في نص الصالة بـ بدلة كحلي شيك، وماسك كاس من مشروب أبويا الله يرحمه الغالي، وحواليه أصحاب الشركة وأهل مايا اللي باين عليهم الذهول، وهو شغال ضحك وهزار. ومايا ملهاش أثر.
مخبطتش، أنا لسه معايا مفتاحي.
فتحت الباب، والباب الخشب رزع في الحيطة عمل صوت سمّع وسط المزيّكة. الضحك اتقطع في ثانية، والـ 30 بني أدم بصوا للباب.
ضحكة بن اتجمدت، والكاس وقف في إيده وبقى شبه الغزال اللي طالع في كشاف نقل سريع، بس بـجاحته اشتغلت تاني، وعمل ضحكة متعالية وقال بصوت عالي: “كيت، مجيتيش في وقتك خالص. قولتلك اتأقلمي، والمنظر اللي بتعمليه ده عيب في حقي وحقك”.
قلت بـ تريقة وأنا بدخل في النور: “حقك وحق حفلـتك؟” وميريام والشرطة دخلوا ورايا وقفلوا المخرج.
شهقة الناس في الصالة كانت ترد الروح، وشركاء شركته رجعوا خطوة لورا وسابوه لوحده.
تابعت بـ صوت واضح ومسموع في الصمت الرهيب: “بن، أنا مش جاية أعمل نمرة، أنا جاية أسترد بيتي. بس مستغربة إنك بتشرب من خير أبويا عشان تحتفل بـ رهن عقاري بـ نص مليون دولار أخدته على بيتي الصبح بـ إمضة مزورة ليا”.
الكاس وقع من إيده واتشظى على الأرض ميت حتة، والمشروب اتدلق في كل مكان.
صاح السيد فانس—شريك كبير في الشركة، ووالد كلوي السكرتيرة اللي كان بن هيهرب معاها—وقال: “إيه الخرا اللي بتقوله ده يا بن؟”
بن زعق وصوته طلع مسرسع من الخوف: “دي مجنونة! بتكدب! ده حوار عائلي! يا حضرة الضابط خرجوها من بيتي!”.
المحققة هاريس طلعت شارتها الذهبية: “في الحقيقة يا سيد بن، إحنا لسه جايين من البنك؛ والتحويل اتجمد في حساب شركتك الوهمية الساعة 8:58 الصبح. ومعانا فلاشة فيها تسجيلات تهديداتك وابتزازك، اللي قدمتها شريكتك مايا بـ رضاها”.
ركب بن خبطت في بعضها واتهز، وسند على الفوتيه الشامواه، وبص حواليه برعب لما لقى كل المخارج مقفولة، وكل كدبه اتكشف، وكل اللي كان بيتنطط قدامهم بقوا شهود على فضيحته وسقوطه.
وقلت وأنا باخد خطوة عشان أخلص الحوار: “وآه، يا بن؟ كلوي مش مسافرة معاك بليز، أنا خليت ميريام تبعت تذاكر الطيران وتفاصيل الهروب لأبوها المحترم هنا من ثلث ساعة”.
وش السيد فانس بقى طماطم من الغل والـعصبية، وصاح: “يا واد الـ… كنت عايز تسرق بنتي وتخلع بيها بفلوس مسروقة؟!”.
بن بدأ يتأتا ويرفع إيده للاستلام والشرطة بتقرب تقيد إيده: “لأ! لأ، استنوا، هفهمكم!”.
المحققة هاريس قالت بـ حسم: “بنيامين سيرلينج، أنت مقبوض عليك بتهمة الاحتيال البنكي، وسرقة الهوية، والتزوير الجنائي. حط إيدك ورا ظهرك”.
لفوه وكلبشوه، وصوت الكلبش الحديد وهو بيقفل كان أحلى نغمة سمعتها في دنيتي!
سحبوه للباب وهو عريان من منظره وفلوسه الكدب وحريته، وبصلي بـ عين مدمعة ومكسورة وقال: “كيت، أرجوكي، أنا حبيتك، والله حبيتك، متخليهمش يعملوا فيا كده”.
بصيتله وأنا مش حاسة بـ أي حاجة غير براحة تامة، كأنه ميكروب وخرج من جسمي، وهمستله: “تروح وتيجي بالسلامة يا بن”.
سحبوه لـ عربية البوكس والأضواء الحمراء والزرقاء شغالة بره. ووقفت في صالتي أبص على الإزاز المكسور والعربية بتبعد في الضلمة. وميريام بتطبطب على كتفي وبتباركلي، دخلت المحققة هاريس تاني وهي ماسكة مفتاح نحاس صغير وتقيل.
وقالت ومكشرة: “كيت، فتحنا الخزنة اللي ورا السرير عشان نحرز العقد الأصلي كدليل… بس مش موجود؛ الخزنة فاضية، وفيه حد مسح تسجيلات الكاميرات قبل ما توصلي بـ عشر دقائق”.
بس اختفاء العقد منقذش بنيامين. الصبح، العقد وصل بـ البريد المسجل لمكتب ميريام، ومعاه جواب من مايا؛ تبين إنها لطشته من الخزنة وسط زحمة تحضير الحفلة خوفاً من إن بن يلاقيه ويحرقه قبل ما الشرطة تيجي، وقدمته كـ علامة حسن نية قبل ما تركب الأتوبيس مع عيالها وترجع لبيت أختها الضيق في أوهايو، وتخرج من حياتي وللأبد.
سقوط بن مكانش بالراحة، ده كان جرسة علني فضيحة. اترفض خروجه بكفالة عشان تذاكر بليز بتثبت إنه هربان، وشركته مش بس طردته، دي فتحت دفاتر قديمة طلعت منها بلاوي واختلاسات، ورمته في قضايا مدنية تضمن إنه مش هيشم شغلانة في بنك أو شركة تاني. ولما اعترف بالذنب عشان يقصر المحاكمة، لبس 7 سنين سجن فيديرالي.
محضرتش جلسة الحكم، كان ورايا حاجات أهم.
أول حاجة عملتها جبت عمال يرموا الفوتيه الشامواه والسجادة التبريزي والتربيزة الإزاز في الزبالة على الرصيف؛ مكنتش طايقة أشوف حاجة شربت ريحة خيانته وقرفه. ودهنت الصالة كلها أبيض شاهق، ونظفتها من أي ضل رماه على بيت أمي.
ورجعت علقت صورة أمي فوق الدفاية، وثبتها بـ مسامير حديد جامدة. ولـ أسابيع، سبت الشبابيك مفتوحة عشان ريح “مابلوود” تنظف الطُرَق وتسحب الهواء المكمكم، لحد ما رجعت ريحة البيت لافندر وكتب قديمة.
الأيام دي بتعلمك إن الخيانة مش دايماً بتهد البيت، ساعات بتبقى كشاف قوي بيوريك السوس والفساد في الأرضية اللي كنت فاكرها ناشفة. بن كان فاكرني هقع وألطم وأفاصل في كرامتي عشان افتكر صبري عمى وضعف.
أنا مخسرتش جوازة في يوم التلات ده، أنا نظفت جسمي من طفيلي؛ واسترديت اسمي وعزي واستقلالي اللي سيبته شوية عشان وهم الشراكة. واتعلمت إنه لما حد يحاول يسرق قوتك، متصرخيش في وشه يرجعهالك، ببساطة فكريه إنه أصلاً مكانش معاه المفاتيح من الأول.
وأنا قاعدة الليلة دي بـشرب حاجتي وبص لـ جنينتي الهادية، مش حاسة بحاجة غير بـ إمتنان كبير للروقان والسلام ده.