صدنة ف المستشفي حصري لصفحة روايات رولا

البنت دي ما ينفعش تموت هنا يا سيدي، عشان وقتها الكل هيسأل البنت دي بنت مين!”
​الجملة دي طلعت من بق “أم سعد”، الشغالة الكبيرة في البيت، في نفس اللحظة اللي دخلت فيها “مريم” بتجري في ممر الخدمين وهي شايلة بنتها “فريدة” بين إيديها. البنت اللي عندها 3 سنين كانت شفايفها زرقا، وعينيها شبه مقفولة، وصدرها بيترج لفوق وتحت بصعوبة، كأن كل نفس بيطلع منها بياخد حتة من روحها.
​مريم ما ردتش، ما كانش فيها حيل حتى تعيط. كل اللي عملته إنها حظنت بنتها جامد وبقت تصرخ:
— الحقوني أرجوكم! بنتي هتموت مش قادرة تتنفس!
​قصر “سليم الشافعي” في التجمع الخامس كان دايماً شبه المتحف: رخام بارد، لوحات غالية، ورد متنقي ع الفرازة، والشغالين بيمشوا على طراطيف صوابعهم عشان ما يزعجوش البيه. سليم كان صاحب سلاسل فنادق، شركات مقاولات، ومطاعم. عنده 39 سنة، ثروة ما تتعدش، وسمعة أكبر إنه راجل ناشف، ملوش في العواطف، وما بتهزوش دموع حد.
​مريم كانت شغال مقيمة بقالها 5 شهور. وافقت تعيش في أوضة ضيقة جنب المغسلة عشان ما كانش عندها مكان تسيب فيه فريدة. عمرها ما طلبت زيادة، ولا علّت صوتها، ولا حكت حكايتها لحد. كانت بتشتغل من قبل الفجر لحد نص الليل، ومخبية في قلبها خوف قديم محدش فاهمه.
​في الصباح ده، سليم كان نازل على السلم بيتكلم في التليفون مع شريك ليه من الإسكندرية لما سمع الصرخة. وقف مكانه. الصوت ده لمس حاجة جواه، ما كانش صوت شغالة خايفة، ده كان صراخ أم بتودع الحكاية الوحيدة الحلوة في حياتها.
​لما وصل للممر، شاف مريم على الأرض، شعرها متبهدل، وبترتعش، وفريدة غايبة عن الوعي في حظنها.
— في إيه؟ إيه اللي حصل؟ — سأل سليم ووشه خطفه اللون.
— مش عارفة… كانت كويسة وفجأة وقعت… مش قادرة تتنفس… يا بيه أرجوك ما تسيبهاش تموت.
​سليم ما طلبش السواق ولا استنى يفهم. أخد فريدة بحنية مفيش حد في البيت ده يتخيل إنها عنده، وطلع يجري على عربيتة الـ SUV.
— اركبي ورا! — زعق فيها.
​مريم ترددت ثانية واحدة، وبعدين رمت نفسها في الكنبة اللي ورا وهي ماسكة إيد بنتها الصغيرة، وسليم سايق في شوارع القاهرة كأن البلد فضيت له. في كل إشارة كان بيدوس كلاكسات، وفي كل محور كان بيضغط على سنانه من التوتر، وعينه مش بتفارق البنت في المراية، وهو مش فاهم القلق والرعب اللي في قلبه ده سببه إيه.
​في طوارئ مستشفى دار الفؤاد، سليم دخل وهو شايل فريدة.
— عايز دكتور أطفال فوراً! — صرخ بصوته كله.
​اسم عيلة “الشافعي” فتح أبواب مريم عمرها ما كانت تحلم تعدي من جنبها. ممرضات، دكاترة، ترولي، وأكسجين. كل حاجة مشيت بسرعة الصاروخ، بسرعة تخض أم ملحقتش غير إنها تقف برة، إيديها فاضية وعينيها ضايعة.
​— أنا مش هقدر أدفع مصاريف المكان ده — همست مريم وهي مكسورة — أنا هوديها مستشفى الدمرداش لما تبدأ تتنفس، والله العظيم.
سليم بص لها بجدية غريبة:
— النهاردة مش عايزك تنطقي كلمة فلوس دي خالص.
مريم وطت راسها، وكأن المساعدة دي جرحتها أكتر من الإهانة.
​الدكتورة طلعت بعد ساعة تقريباً، وقالت إن فريدة حالتها استقرت، وإنهم لحقوها في آخر لحظة، لأن الأزمة التنفسية دي كانت ممكن تقلب بكارثة. مريم حطت إيدها على بقها عشان ما تصرخش من الفرحة، وسليم اتنفس الصعداء كأنه هو اللي كان هيموت.
​بعدها الدكتورة طلبت البيانات عشان تفتح الملف الطبي:
— اسم الأم؟
— مريم عبد العزيز حسنين.
— اسم الطفلة؟
— فريدة.
— اسم الأب؟
​مريم اتسمرت في مكانها وهمست:
— سيبيه فاضي يا دكتورة.
الدكتورة بصلت للشاشة وقالت:
— بس في السيستم طالع لي سجل قديم للبنت من مستشفى خاص، ولازم أطابق البيانات.
​سليم لف راسه براحة وبص لمريم.
الدكتورة قرت الجملة وهي مش متخيلة القنبلة اللي بترميا:
— الأب: سليم الشافعي عبد الرحمن.
​رجل الأعمال حس إن الأرض بتلف بيه والمستشفى بيقع. مريم قفلت عينيها والدموع نزلت من غير إذن.
— مريم… قولي لي إن ده غلط، إن في لخبطة في الأسامي — سألها وصوته بيترعش.
بالعافية طلعت النفس وقالت:
— ما كانش نفسي تعرف الحقيقة بالطريقة دي يا سليم.
​سليم بص ناحية الأوضة اللي فيها بنته موصلة بخراطيم الأكسجين، ولأول مرة في حياته، ما بقاش عارف يعمل إيه بكل فلوسه، ونفوذه، وكبريائه…
​💬 تفتكروا سليم هيعمل إيه بعد الصدمة دي؟ والجزء التاني فيه مواجهة تكسر العضم مع والدته “الهانم”..
الجزء الثاني: المواجهة وكشف المستور في جاردن سيتي
​سليم ما زعقش في الأول، وده كان أوحش جزء في الموضوع. فضل واقف قدام مريم وعينيه بتطق شرار، بس صوته كان واطي ومكتوم، كأن حد انتزع حتة من روحه.
— فريدة بنتي؟
مريم مسحت دموعها بكم الجلابية الرمادي وقالت:
— آه.
​الكلمة نزلت وسطهم أتقل من جبل. سليم رجع خطوة لورا، وبص للست اللي بقالها شهور بتعمله القهوة وتجيبها له من غير ما تنطق بحرف. تفتكرها وهي ماشية في البيت وراسها في الأرض، وبتستأذن عشان بس تاخد بنتها الجنينة. وفجأة كل حاجة بقت شكلها مرعب ومخيف.
​— عيشتي معايا في بيت واحد مع بنتي ومقولتيليش حاجة؟!
مريم رفعت راسها، وما بقتش باينة إنها شغالة، كانت باينة ست جابت أخرها من كتمان الحقيقة.
— أنا ما خبيتهاش عنك يا سليم، أنا دورت عليك.
أنكر على طول وقال:
— ده مش حقيقي.
— جيت لك مكتبك في القرية الذكية وأنا حامل، تلات مرات. أول مرة الأمن ما رضيش يخليني أطلع، وتاني مرة طردوني برة المبنى، وتالت مرة سبت لك جواب فيه صورة السونار.
​سليم قفل إيديه جامد:
— أنا عمري ما استلمت الجواب ده!
مريم ضحكت ضحكة مريرة من غير أي فرحة:
— طبعاً.. لأن بياتريس هانم والدتك هي اللي استلمته.
​اسم “بياتريس هانم” خلى سليم يتسمر مكانه. أمه الهانم الكبيرة، اللي عايشة معاهم في نفس القصر، وبتترأس السفرة كل يوم حد، وبتتحكم في كل الكبيرة والصغيرة بحجة حماية اسم عيلة “الشافعي”.
— أمي ما تعملش كدة — قال سليم بس صوته كان مهزوز.
— والدتك قابلتني في كافيه في الزمالك — ردت مريم — وعرضت عليا فلوس عشان أسافر وأرجع بلدنا في المنصورة. وقالت لي إني مجرد بنت شغالة في فندق وعايزة أدبسك في عيل. وقالت لي إنك خطبت بنت من مستواك، وإن بنتي هتبقى نقطة سودا في حياتك.
​سليم حط إيده على بقه وتفتكر الأيام دي. تفتكر مريم لما كانت شغال في ريسبشن فندق من فنادقه في شرم الشيخ. تفتكر الليالي اللي اتكلموا فيها وكأن مفيش حد في الدنيا غيرهم. وتفتكر لما اختفت وفجأة أمه قالت له إن مريم أخدت قرشين ومشيت مع راجل تاني. هو صدق وقتها، وقفل على كبريائه وحول الوجع ده لدرع حامي بيه نفسه.
​— أنا افتكرتك استغلتيني — تمتم سليم.
— وأنا افتكرتك بعت بنتك واختارت ما تعرفهاش.
​سليم كان عايز يرد بس مالقاش كلام. الدكتورة سمحت لهم يدخلوا دقايق. فريدة كانت نايمة وحاطة ماسك الأكسجين الصغير، وجنبها دبدوب بينك، وإيدها فيها كانيولا المحلول. سليم قرب بالراحة، ولمح حسنة صغيرة جداً تحت حاجبها الشمال، شبه اللي كانت عنده وهو صغير بالظبط. في اللحظة دي، ملامحه اتكسرت ودموعه نزلت.
— فريدة… سامحيني.
​مريم كانت بتبص عليه من عند الباب، وكان واجعها تشوفه بيعيط، لأن حتة منها لسه فاكرة سليم القديم، الراجل اللي كان بيضحكها في تراس الفندق قبل ما اسم الشافعي يقف بينهم زي السد.
​في نفس الليلة، سليم رجع القصر ودخل مكتب أمه من غير ما يخبط. بياتريس هانم كانت بتشرب الشاي بأناقة كالعادة، كأن مفيش حاجة في الدنيا تقدر تلطخ ليفيل الرقي بتاعها.
— كنتِ تعرفي إن فريدة بنتي؟ — سأل سليم.
الفنجان اتهز في إيد الهانم حاجة بسيطة، وقالت:
— بلاش دراما يا سليم.
دم سليم نشف في عروقه:
— ردي عليا!
حطت الفنجان وقالت ببرود:
— عملت اللي لازم يتعمل عشان أحميك وأحمي اسمنا.
نفسه اتقطع وقال:
— فين الجواب؟
​ما ردتش. بس “أم سعد” الشغالة الكبيرة ظهرت عند الباب وعينيها حمرا وفي إيدها دوسيه قديم:
— سامحني يا سليم بيه.. أنا مش هقدر أسكت أكتر من كدة.
​سليم أخد الدوسيه، وكان جواه صورة السونار، وجواب مريم، وإيصالات تحويلات فلوس عمرها ما وصلت لمريم. بس الصدمة الكبيرة كانت ورقة تانية بيمضي محامي العائلة، بياتريس هانم كانت مخلية المحامي يكتب بند إن الطفلة دي “خطر على التركة والميراث” حتى من قبل ما تتولد!
​سليم رفع عينه لأمه، وفهم إن اللعبة أكبر بكتير من اللي يتخيله.. ولسه في سر تالت هيقلب الترابيزة على الكل.
​💬
الجزء الثالث والأخير: الحقيقة اللي قلبت الترابيزة في مستشفى دار الفؤاد
​سليم ما استناش يسمع أي أعذار تانية من أمه. أخد الدوسيه في إيده، وخرج من القصر والدموع حرقاله وشه، وطلع جري على المستشفى. هناك، كانت مريم قاعدة جنب سرير فريدة، بتمسح على شعرها الصغير بحنية.
​قعد سليم على الناحية الثانية من السرير، وبص لمريم بعيون مليانة ندم ودموع، بس بصوت فيه قرار حاسم:
— أنا عرفت كل حاجة.. عرفت المصيبة اللي أمي عملتها. وبحلف لك بأغلى ما عندي إني ما كنتش أعرف حاجة ولا عمري كنت شريك في الجريمة دي. من النهاردة، فريدة بنتي قدام ربنا والقانون والدنيا كلها، وأنتِ مستحيل هتبقي شغالة في البيت ده تاني أبداً.
مريم انفجرت في العياط، بس المرة دي كانت دموع راحة وفرحة.
​لكن المفاجأة الأكبر ما كانتش في الدوسيه ده خالص.. المفاجأة ظهرت تاني يوم الصبح لما دخل محامي العيلة، الأستاذ “أحمد بيه فوزي”، أوضة المستشفى والارتباك باين على وشه. بص لسليم وبعدين لمريم، وتنهد تنهيدة ثقيلة وقال:
— سليم بيه.. في حاجة تانية لازم تعرفها.. سر دفنته والدتك عنك وعن مريم سوا من سنين.
​أخرج المحامي وثيقة صفراء قديمة من شنطته وتابع:
— والد مريم الله يرحمه ما كانش مجرد عامل بسيط زي ما أمك فهمتك. الراجل ده من عشرين سنة كان شريك أساسي مع والدك في أول شركة مقاولات اتبنت عليها ثروة عيلة الشافعي كلها! بياتريس هانم زورت العقود والورق بعد وفاة والد مريم عشان تاخد كل حاجة وتطرد أهلها في الشارع.
​مريم عينيها اتسعت من الصدمة، وسليم حس بدوخة. المحامي كمل وقال:
— والدتك ما طردتش مريم وهي حامل عشان تحمي اسم العيلة وبس.. دي طردتها لأنها أول ما قرت اسم “مريم عبد العزيز حسنين”، عرفت فوراً إن البنت اللي أنت حبتها هي الوريثة الشرعية لنص الفنادق والشركات اللي أنت بتديرها دلوقتي! لو كنت عرفت الحقيقة وقتها، كنت هتدور ورا الاسم وتكشف تزوير والدتك!
​الأوضة اتطفت في صمت تام.. مريم، اللي كانت بتنام في أوضة ضيقة وبردانة جنب الغسيل وبتاخد مرتب ملوش قيمة، كانت في الحقيقة صاحبة نص القصر والشركات اللي سليم عايش فيها.
​الخاتمة
​سليم ما ترددش ثانية واحدة. صلح كل العكاك اللي حصل؛ رجع لمريم كل مليم وكل حق قانوني ومالي من غير قضايا ولا محاكم. أما بياتريس هانم، فاتنقلت تعيش في شقة صغيرة بعيدة في أطراف أكتوبر، عشان تدوق طعم الوحدة والندم بعيد عن العز والقصر اللي سرقته.
​بعد سنة.. القصر ما بقاش متحف بارد. بقى كله ضحك وصوت لفريدة سليم الشافعي وهي بتجري في الجنينة، وسليم ومريم واقفين بيبصوا عليها سوا.. مش كصاحب عمل وشغالة، بل كشريكين في الحياة والشغل، بعد ما الحقيقة هدّت كل حيطة بنيت بالأكاذيب.
​🙌📖 تمت الحكاية.. حكايتنا خلصت هنا، يا رب تكون العمارة المصرية والأجواء عجبتكم! لو حابين قصص تانية من النوع ده سيبوا لي رأيكم! ✨💬

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *