ورثت

​ورثت ثروة تعادل 35 مليون دولار من أبويا الله يرحمه، بس قبل ما ألحق أشم نفسي وأفرح، المحامية خبطتني جملة خلت الدم يجمّد في عروقي: «يا مدام نادية، الأوراق الرسمية بتقول إنك مطلقة بقالك شهرين…»
​— مطلقة؟ إنتي بتقولي إيه يا أستاذة ماجدة؟ ده أنا لسه متعشية مع جوزي إمبارح!
​فضلت باصة لها ومصدومة، مش قادرة أنطق. من ورا إزاز مكتب المحاماة في وسط البلد، كان المطر نازل بغزارة، كأن السما بتغسل المدينة من وسخها. كنت لابسة فستان أسود بسيط، وفي إيدي نضارتي، وفي شنطتي كنت شايلة “طرحة” قديمة لماما، وفنجان قهوة صغير بتاع أبويا.. الحاج “عادل الشامي”، الراجل اللي بنى إمبراطورية في مجال الشحن واللوجستيات من الصفر، ومات قبل ما أشبع منه أو أودعه الوداع اللي يستحقه.
​كنت فاكرة إنها جلسة إجراءات عادية، توقيعات، ورق، وشوية روتين، عشان أرجع بعدها على مكتبي في شركة “نيكسا-داتا”، الستارت-أب اللي أسستها أنا وجوزي “سامر” بعرقنا.
​لكن الأستاذة ماجدة، اللي ماسكة قضايا العيلة من سنين، قلبت لي الشاشة.
​— يا بنتي، ده طلاق موثق عند المأذون، اتفاق مُمضى من الطرفين، وحكم المحكمة بقى ساري بقاله شهرين بالظبط.
​الهوا اتحبس في صدري. نفس اليوم الصبح، سامر كان باعت لي رسالة: «ما تنسيش الشمسية، الجو بيمطر، بحبك يا روحي». الراجل اللي بيبعت لي رسائل حب هو نفسه اللي شاطبني قانونياً من حياته؟
​ماجدة طبعت الورق. كل حاجة موجودة؛ طلب الطلاق، التنازل عن النفقة، تقسيم الأملاك. وكل الأوراق متبعتة لمقر شركتنا “نيكسا-داتا”. وفي آخر صفحة، تحت خالص… إمضتي.
​مش تزوير. ده خطي. دي إيدي.
​افتكرت فوراً اليوم اللي كنت فيه في المستشفى، وأبويا في العناية المركزة، وروحي بتنسحب مني. كنت قاعدة على كراسي المستشفى بقالي 4 ساعات، عيني على الأوضة اللي الدكاترة جواها بيتحركوا بتوتر. سامر جالي ومعاه ملف جلد تقيل.
​— دي أوراق مستعجلة عشان جولة التمويل والصفقات الجديدة، قال لي بصوت حنين ومطمن، مضّي هنا يا نادية، دي مجرد إجراءات روتينية، لو ما اتبعتتش النهاردة البنك هيوقف كل حاجة والصفقة هتضيع.
​— لازم أقرا كل ده يا سامر؟ أنا مش فايقة.
​باسني في راسي وقال:
— إنتِ لسه شاكة فيا؟ إنتِ فاكرة بجد إني ممكن أأذيكي؟
​ومضيت. من التعب. من الوجع. من الثقة العمياء. في الوقت اللي كان أبويا بيموت فيه ورا الحيطة، كان جوزي بيسرق حياتي.
​ماجدة قفلت الملف بالراحة، وقالت بنبرة حازمة:
— اسمعيني يا نادية، أبويا سابلك ورث يوصل لـ 35 مليون دولار: سيولة، أسهم، عقارات، وحصص في شركات. بس الوصية فيها بند واضح كالشمس: كل ده يروح لك إنتِ لوحدك، بعيد تماماً عن أي ذمة مالية تخص الزوج.
​بصيت لإيديها المرتجفة:
— يعني عشان مطلقة؟
​— بالظبط، قالت ماجدة. سامر ما يقدرش يلمس قرش واحد من الورث ده.
​أبويا، حتى وهو في كفنه، كان حاسس بكل حاجة وحامي ظهري. ما صرختش، ما عيطتش، ولا حتى اتصلت بسامر أواجهه. لميت الورق في شنطتي وخرجت تحت المطر، وكأني واحدة تانية خالص.
​في الجراج، اتصلت بـ “مراد”، ظابط أمن سابق وصاحب أبويا القديم.
— محتاجك تفتش ورا سامر يا مراد، قلت بصوت ناشف.
​— بعمق قد إيه يا نادية؟
​بصيت على ورقة الطلاق اللي أنا مضيتها بإيدي، وقلت:
— لحد العضم.
​تاني يوم، الساعة 3:12، مراد بعت لي صورة واحدة بس. في الصورة، سامر طالع من مكتب محامي تقيل ومعاه “دينا”، مديرة الحسابات عندنا في الشركة. كانت ماسكة ملف عليه لوجو “نيكسا-داتا”، وفي إيديها… خاتم جوازي اللي كنت سيباه في البيت يوم ما أبويا مات.
​زومت على الصورة، وراهم كان باين الموثق وهو خارج، وفي إيده ورق مكتوب عليه عنوان بخط عريض: «نقل حصة الشريك المؤسس».

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *