بعد ماربيت ابن جوزي حصري لصفحة روايات رولا

أنا ربيت ابن جوزي اللي جابه من برا، وكأنه حتة مني.. وفي يوم شبكته، قالي ما تجيش وجاب الست اللي رمتْه وهي لحمة حمرا!
​— “ماتجيش بكرة قراية الفاتحة يا ميرفت.. أمي الحقيقية هي اللي هتقعد مع أهل عروستي.”
​بهاء قالها لي في التليفون بكل برود، وكأن 30 سنة من تغيير حفاضات وسهر مع السخونية وتعب العمر كله اتمسحوا في جملة واحدة!
​كنت واقفة في المطبخ وعندي 63 سنة، لابسة المريلة وبقلب حلة المحشي والبط اللي بيغلي على النار عشان عزومة العيلة.. المعلقة وقعت من إيدي على الأرض.
— “أنت بتقول إيه يا بهاء؟”
— “ما تصعبيش الأمور بقى.. أنتِ اللي ربتيني آه، بس أمي هي رضا، وهي اللي هتيجر بكرة.. مش عايز لغبطة قدام الناس.”
​ما عيطتش في وقتها.. جالي ذهول، وفضلت واقفة مبرقة وبسمع صوت نفسه السريع والمستعجل على الناحية التانية من الخط. الولد اللي شيلته على إيدي وهو لسه لحمة حمرا ونضفت وراه، لسه حالا ناداني باسمي حاف!
​أنا أصلي من قرية صغيرة في سوهاج، بنت ناس مزارعين غلابة. لما تميت 17 سنة سافرت المحلة الكبرى عشان أشتغل في مصنع غزل ونسيج. وهناك اتعرفت على شريف علام، شاب من عيلة مرتاحة ومبسوطة، عاملني بحنية عمري ما شفتها. أبوه كان صاحب ورشة خراطة وتشكيل معادن كبيرة، وأمه من عيلة عندها أطيان وأراضي. كنت هيموتني الخوف إنهم يرفضوني عشان فقيرة، بس حماتي وحمايا طلعوا رزق من ربنا ونعمة.
حماتي، الحجة مرزوقة، كانت دايماً تقول:
— “البنت دي بمليون راجل، وعندها كرامة وعزة نفس تغطي على بنات ذوات كتير.”
​عشنا في الأول في الدور التاني فوق بيت العيلة في طنطا. ولما خلفت بناتي، أسماء وبسمة، حمايا وحماتي كانوا بيشيلوني من على الأرض شيل، كأني بنتهم اللي ما خلفوهاش. وفي أيام الأعياد والمواسم ما كانوش يخلوني أقوم من النجمة.
حمايا، الحاج جلال، كان يقعد يخرط البصل في المطبخ بالراحة ومن غير صوت عشان ما يصحينيش ويقولي:
— “ارتاحي يا ميرفت.. أنتِ طول الليل سهرانه مع البنات.”
كنت بقول لنفسي إن ربنا عوضني عن كل فقر وشقا طفولتي بالعيلة دي.
​لحد ما جت ليلة، بعد 6 سنين جواز، ولقينا ست داخلة علينا الصالة.. كان اسمها رضا. كانت شغالة في كافيه شريف كان بيروحه مع زباين الشغل. دخلت ببطنها المنفوخة وضحكة صفراء على وشها:
— “أنا حامل من شريف.. ولو عايزينني أسكت ومفضحهوش، عايزة قرشين حلوين.”
الدنيا اسودت في عيني والبيت اتهد فوق دماغي.
​حماتي وحمايا بكوا من الخسية والكسوف، وشريف ركع تحت رجلي. كنت عايزة أخد بناتي وأمشي، بس ما كانش معايا لا سكن ولا مليم ولا عارفة هروح فين. رضا رجعت كذا مرة وتهدد بالفضايح في المنطقة، وبعد الولادة، رمت الواد في حضن الحجة مرزوقة ومشت.
وقالت ببرود:
— “أنا مش بتاعة قرف وتغيير حفاضات.. كويس إنكم ناس مريشين وعندكم فلوس تربوه.”
​سيبت البيت وسافرت أسبوعين عند قرايب ليا في مرسى مطروح عشان ما تجننش. شريف قلب عليا مصر كلها لحد ما لقاني.
قالي وهو بيبكي:
— “ما تسامحينيش لو مش قادرة.. بس ارجعي عشان البنات، والواد ده لو قعد، أنا راضي بأي قرار هتاخديه.”
​رجعت عشان بناتي، بس خدت قرار لسه لحد النهاردة واجعني ومقويني في نفس الوقت: أنا هربي بهاء كأنه ابني. مش عشان خاطر شريف.. عشان خاطر الحتة اللحمة دي اللي ملوش ذنب في قرف الكبار.
أرضعته صناعي، وعالجت تسلخاته، ووديته الحضانة، وكنت بزغرد في أول خطوة يمشيها. بناتي كانوا بيموتوا فيه. وشريف اتغير 180 درجة؛ قطع السهر والمقاهي وبقى يشتغل ليل نهار كأنه بيحاول يدفع تمن الغلطة اللي غلطها في حقي كل يوم. وحمايا وحماتي ماتوا بعد سنين وهم بيطلبوا مني السماح وبيشكروني.
​بهاء كبر وكان شقي، بس كان حنين في الأول. لحد ما تم 15 سنة، ورضا ظهرت تاني في حياته.. وقفتله قدام المدرسة وحكتله كل حاجة.
ومن يومها، وبهاء لما يحب يوجع قلبي يقولي “يا طنط” أو “يا مدام”.
كان يقولي:
— “أنتِ مش أمي.”
كنت أبلع ريقي وأكتم دمعتي وأقوله:
— “ما بطنتش فيك يا بهاء.. بس أنا اللي ربيتك ولحم كتافك من خيري.”
​مرت الأيام، ودخل كلية تجارة وبدأ يشتغل في شركة أبوه. وهنا بدأت مشكلة تانية؛ جوز بنتي أسماء الكبيرة، اسمه طارق، كان شغال معانا في الشركة، وكان راجل دغري وشاطر ومحبوب من كل العمال والموظفين. بهاء كان هيموت من الغيرة منه.
كان يرمي كلام وسط الأكل ويقول:
— “ما تنسوش إن ابن صاحب الحلال هو أنا.. والباقي ضيوف.”
​وفي ليلة رأس السنة، كان شارب وحصلت مشادة وضرب طارق بالبوكس في وشه بسبب غيرته من نجاحه في الشغل. شريف أبوه قام واداله قلم على وشه سمع البيت كله:
— “احترم أمك واحترم عيلتك يا ولد!”
بهاء رد وهو بيصرخ:
— “أمي؟ أمي مين؟ أمي الحقيقية مش قاعدة هنا وسطكم!”
اليوم ده، في حاجة جوايا انطفت وماتت ناحيته.
​بعدها بفترة قصيرة، شريف تعب وجاله سرطان في القولون. وفي عز ما كنا بنجري بيه في الكيماوي والمستشفيات، بهاء أعلن إنه هيخطب ميادة.. بنت كده مغلوانية وبتاعة مظاهر، من أول يوم دخلت بيتنا وهي بتتكلم كأنها بقت صاحبة الملك والمكان.
قالت قدامي في أول قاعدة:
— “لما بهاء يمسك الشركة كلها، أنا بقى هقعد في البيت وأتفرغ عشان أدعمه وأبقى سيدة مجتمع.”
قلبي انقبض منها، بس سكتت ومردتش.
​وجت الليلة اللي قبل قراية الفاتحة، وبهاء كلمني يقولي الملعوب بتاعه وإني ماجيش..
لما قفلت السكة، شريف كان قاعد في الصالة وسامع كل كلمة.. ساند على عكازه وقام وقف بكل طوله وعينه بتطق شرار، وقال بنبرة تزلزل الأرض:
— “البسي يا ميرفت.. بكرة هنروح أنا وأنتِ، والفرجة هتبقى بفلوس.”
​ما نمتش ليلتها.. بناتي أسماء وبسمة كانوا قيدومين وعايزين يهدوا الدنيا، يروحوا يبهدلوا بهاء، يطردوه من الشركة، ويمسحوا اسمه من حياتنا خالص. بس أنا طلبت منهم يهدوا، مع إن من جوايا كنت حاسة إن قلبي بيتقطع حتت.
أسماء قالت لي وهي مقهورة:
— “يا أمي ما تدافعيش عنه تاني.. بهاء مابقاش عيل صغير.”
— “عارفة يا بنتي.”
— “امشي وراه لحد ما يشرب من الكاس اللي سقاهولنا، وسيبيه يحصد اللي زرعه.”
​الصبح قمت لبست فستان كحلي غامق، شريف كان دايماً يقولي إنه بيبقى شيك عليا أوي. هو كان تعبان وهزلان، وشه أصفر من الكيماوي وجلسات العلاج، بس صمم يلبس البدلة الكاملة بتاعته.
وقال بنبرة ناشفة:
— “لو دي آخر حاجة قوية هعملها كأب في دنيتي، هعملها صح.”
​وصلنا المطعم اللي بهاء حجز فيه في التجمع الخامس عشان يقابل أهل ميادة. من بره كنت سامعة صوت الضحك والمنظرة ورن الكبايات.. رجلي كانت بتترعش.
أسماء فتحت باب القاعة الخاصة بكل ثقة وقالت بصوت عالي:
— “أصحاب البيت الحقيقيين وصلوا.. أه أومال، والد ووالدة العريس!”
​كل اللي قاعدين لفوا وشهم وبصوا علينا.
بهاء قام وقف، وشه جاب مية لون وعينه بتطق شرار:
— “أنتم إيه اللي جابكم هنا؟”
​رضا كانت قاعدة جنبه، حاطة مكياج صارخ ولبسه فستان أحمر ضيق وفي إيدها الكباية. شريف دير عكازه على الأرض وخبط بيه جامد وقال:
— “أنا جاي أعرّف الناس على مراتي.. الحاجة ميرفت علام. الست اللي ربت الولد ده من يوم ما أمه الحقيقية رمت هولنا زي الشنطة المستعملة في صالة بيتنا ومشت.”
​أهل ميادة اتصدموا ومحدش نطق.. ميادة برقت عينها وبصت لبهاء:
— “بهاء! أنت مش قلت لي إن مامتك كانت مسافرة بره بسبب ظروف عائلية؟”
رديت أنا عليها وبكل هدوء ومن غير ما أعلي صوتي:
— “أه كانت مسافرة.. مسافرة وبعيدة عن الحفاضات والمدارس والسخونية وأعياد الميلاد.”
​رضا ضحكت بقلة ذوق وقالت:
— “إيه يا ست ميرفت؟ ما تعمليش فيها شهيدة بقى.. أنتِ عيشتي في العز والبيت الكبير ده بفضل ابني اللي أنا جيبته لشريف!”
​شريف ضرب الترابيزة بكف إيده ضربة هزت القاعة:
— “اخرسي! الواد ده كان غلطتي أنا ومش هديتك خالص.. ومراتي دفعت تمن غلطتي دي من صحتها وأعصابها تمن محدش فيكم يتخيله.”
​بهاء قرب من أبوه وهو بيوشوشه:
— “يا بابا عشان خاطري بلاش فضايح، دي قراية فاتحتي!”
— “أنت اللي بدأت الفضيحة دي لما قلت لأمك ما تجيش.”
بهاء زعق وقال:
— “هي مش أمي!”
​الكلمة نزلت على قلبي زي الدبش.
شريف غمض عينه، ولما فتحها، الحزن اللي فيها اتقلب لغضب وحكم بالإعدام:
— “طب اسمعني بقى والناس دي كلها شاهدة.. من دقيقة وجاي، لو عايز أم، رضا هي اللي مسؤولة عنك. ولو عايز عيلة، روح دور عليها في المكان اللي اخترته.”
— “يعني إيه الكلام ده؟”
— “يعني مالكش عيش في شركتي من النجمة.. بره.”
​بهاء وشه اتقلب أزرق:
— “مش هتقدر تعمل كده.”
— “لأ هقدر، وهعمل أكتر من كده كمان.. يوم الإثنين الصبح هعلن في الشركة إن طارق (جوز أسماء) هو المدير العام والوريث الشرعي لإدارة الشغل كله.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ميادة وقفت مفروسة:
— “طارق مين؟ بهاء قالي إن الشركة كلها هتبقى باسمه هو!”
أسماء ردت عليها بضحكة استهزاء:
— “بهاء بيقول كلام كتير.. ومعظمه كلام أونطة وميستاهلوش.”
​أم ميادة بصت لرضا من فوق لتحت بقرف وقالت:
— “أنتِ بجد سيبتي ابنك ورميتيه وهو لحمة حمرا؟”
رضا مسكت كبايتها ولفت وشها:
— “كنت لسه عيلة صغيرة.. وعملت اللي أقدر عليه.”
رديت عليها:
— “لأ.. أنتِ عملتي اللي على مزاجك.”
​القاعة اتقلبت لمحكمة.. أبو ميادة بدأ يزعق ويطلب تفسير، وبهاء بقى يتلعثم ومش عارف يجمع جملة على بعضها. ورضا بدأت تصرخ وتقول إني أنا اللي خططت لكل ده ووزيت أبوه عليه وسرقت منه مكانه.
في اللحظة دي، بسمة بنتي الصغيرة طلعت دوسيه من شنطتها ورمته على الترابيزة:
— “اتفضلوا.. دي وصولات الأمانة والمبالغ اللي أبويا كان بيبعتها لرضا طول السنين دي عشان ما تجيش ناحية بهاء، ودي سكرين شوت برسايلها وهي بتساومه على فلوس تانية عشان ‘ترجع لابنها الحنين’!”
​بهاء بص للدوسيه ولرضا كأنه شايف ست أول مرة يشوفها في حياته:
— “أنتِ كنتِ بتاخدي فلوس عشان ما تشوفينيش؟”
رضا حاولت تلمس دراعه:
— “يا ابني ما هو كلنا عايزين نعيش!”
​شريف مسك إيدي وقالي:
— “يلا بينا يا ميرفت.. اللي لينا شوق فيه قلناه.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​وأنا خارجة من باب القاعة، سمعت صوت ميادة وهي بتصرخ في بهاء وبتشيل دبلتها:
— “أنت كنت عايز تدبسني وتجوزني لواحد عاطل مالوش لزمة؟!”
​ما لفتش وشي وراه..
​لو عايزين تعرفوا بهاء حصله إيه بعد ما خسر الشركة والعروسة والعيلة اللي ربت بجد.. قولولي في الكومنتات!
يوم الإثنين، شريف نفذ كلمته بالحرف. جمع كل مديري الإدارات ورؤساء الأقسام في قاعة الاجتماعات الكبيرة في الشركة. أنا رحت معاه عشان ما بقاش يقدر يمشي كتير من غير ما يتعب. بهاء وصل متأخر، عينه منفخة ومنظر وشه باين إنه كان شارب طول الليل.. يمكن كان فاكر إن أبوه هيرجع في كلامه أو قلبه هيريحن.
​بس شريف اتكلم على بلاطة وبكل حسم:
— “من النهاردة، طارق هيستلم منصب المدير العام للشركة. وبهاء بيتنحى عن منصبه تماماً بسبب فقدان الثقة، وتصرفات لا تليق بقيم ومبادئ المكان ده.”
​الناس بدأت تهمس.. ما كانوش متفاجئين أوي، بالعكس، كأنهم كانوا مستنيين ده يحصل. العمال والموظفين شافوا كتير من قلة أدب بهاء وتكبره، وفي نفس الوقت شافوا سنين من شقا طارق وشغله في صمت.
​بهاء ضرب الترابيزة بإيده وزعق:
— “أنا ابنك!”
شريف ما علاش صوته ونطق ببرود:
— “الابن اللي ما يعرفش قيمة الست اللي عاشت تديله من عمرها وصحتها 30 سنة، ما يأتمنش على شركة بتاكل منها عيش 80 عيلة.”
— “أنت بتعاقبني عشان بحب أمي الحقيقية؟!”
— “لأ.. أنا بسيبك مع الأم اللي أنت اخترتها بنفسك.”
​بهاء خرج ورزع الباب وراه بكل غل.. ومحدش قام وراه ولا جرى وراء خطوته.
​بعدها بـ 3 أيام، ميادة لغت الفرح وفسخت الخطوبة. أهلها رفضوا ينسبوا راجل مخبي وراه قصة بالبشاعة دي. ورضا هي كمان قناعها ما طيرش كتير؛ في الأول استقبلت بهاء في شقتها وفرحت إن ابنها “أخيراً” بقى جنبها، بس بعد كام يوم بدأت تطلب منه فلوس. وبعدها بقت تجيب أصحابها بتوع القهاوي والغُرز البيت.. سهر وزعيق وديون وخناقات كل يوم.
بهاء اكتشف متأخر أوي إن صلة الدم مش دايماً هي اللي بتحن وتصون.
​شريف حالته تدهورت بسرعة، والمرض نهش فيه. وقبل ما يموت، طلب يشوف بناتي طارق وبسمة وجوزها.. وناداني أنا كمان. ما طلبش يشوف بهاء. جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
قالي بصوت ضعيف:
— “مش عشان كارهه يا ميرفت.. بس أنا قولتله كل اللي عندي خلاص.”
آخر كلامه ليا كان طلب سماح:
— “يا ميرفت، أنتِ اديتيني أكتر بكثير من اللي أستاهله. ربيتي عيالي التلاتة، حتى الواد اللي جه من أكبر غلطة في حياتي.. لو فيا حاجة واحدة عدلة، فده عشان أنتِ اللي سندتيني.”
مسكت إيده وقولتله:
— “خلاص يا شريف، ما تتكلمش في ديون.. روح وأنت مرتاح ومسامحاك.”
ومات في الفجرية، وشوشته كانت رايقة وراضية.
​بهاء ما جاش العزا.. بعت رسالة لأسماء على الواتساب بيسألها: “هو أنتم هتبلغوني بموضوع الوصية ولا إيه؟”.. دي كانت كلمته الأخيرة لينا.
قانوناً، هو أخد نصيبه الشرعي اللي ما كناش نقدر نمنعه عنه.. استلم فلوسه وبس. الشركة بقت تحت إيد طارق وبناتي في مجلس الإدارة، والبيت الكبير فضل باسمي أعيش فيه طول عمري.. شريف كان مأمن كل حاجة قبل ما يقابل وجه كريم.
​بعد كام شهر، بهاء بدأ يتصل.. كلم بسمة الأول، وبعدها كلم أسماء.. ما كانش بيسترجي يتصل بيا أنا.
قالي لأسماء في التليفون وهو بيعيط:
— “قولي لأمي إني عايز أشوفها.”
أسماء ردت عليه بكسرة عين:
— “ما تقولش ‘أمي’ دلوقتي وأنت مفيش سقف يداريك.”
​كان بيبكي ويقول إن رضا بتدخل رجالة الشقة، وبتسكر وتلطش له، وبتعايره وتقوله إنه مديون لها بفلوس عشان هي اللي جابته الدنيا، وإنه مابقاش معاه لا شغل ولا خطيبة ولا مليم.
قالها:
— “البيت وحشني أوي يا أسماء.”
​لما أسماء حكت لي، حسيت بوجع غريب في قلبي.. ما كانش شوق إني أجري عليه وألحقه، كان زعل على العيل الصغير اللي أنا حببته وأكلته بإيدي، والعيل ده خلاص مابقاش موجود.
بسمة سألتني:
— “عايزة تشوفيه يا ماما؟”
بصيت لإيديا.. الإيدين دي هي اللي حمته، وعملت له لقمة شوربة دافية لما كان بيعيا، وخيطت له لبس المدرسة، ومسحت دمه لما ركبته بتتجرح وهو بيلعب كورة.. الإيدين دي برضه هي اللي اترعشت يوم ما طردني من قراية فاتحته.
قولت لها:
— “لأ يا بنتي.. خلاص.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​بناتي قعدوا جنبي يومها، ما شمتناش في مصيبته، عملنا فنجانين قهوة وقعدنا.. السكوت ساعات بيبقى فيه كرامة، والباب اللي بيتقفل بالراحة مابيتفتحش تاني.
​بهاء حاول يروح الشركة مرة واحدة، طارق خرج له لحد البوابة بره، اتكلم معاه بكل أدب بس بنبرة ناشفة:
— “هنا مالكش دخول من غير ميعاد يا بهاء.”
— “أنت أخدت مكاني!”
— “لأ.. أنت اللي رميته من إيدك.”
بهاء وطى رأسه ومشى.
​مع الوقت، أخبار قطعت.. عرفت إنه اشتغل مندوب مبيعات بالعمولة، وغرق في الديون، واتخانق مع رضا وسابها، وحاول يرجع لميادة بس هي عملت له بلوك ومبردتش عليه. ما بقيتش أسأل.. في حكايات لازم تقطع عنها المية والنور عشان تموت جواك وترتاح.
​قعدت في بيتنا الكبير سنتين، وبعدين قررت أبيعه.. مش عشان الفلوس، بس عشان كل ركن وكل ممر فيه كان مليان أصوات وذكريات بتعبني. اشتريت بيت صغير هادي في العجمي، في جنينة صغيرة قدامه ومطبخ منور بتدخله الشمس. أمي، اللي ربنا يطول في عمرها وقربت على ال90، بقت تقعد معايا شهور. وبناتي وأزواجهم بيجوا لي كل جمعة، وعيادهم بيجروا ويلعبوا في الحوش.
​في يوم، حفيدتي الصغيرة سألتني:
— “يا تيتة، أنتِ خلفتي كام ولد وبنت؟”
سكت ثواني وقولتلها:
— “شيلت على إيدي تلاتة يا حبيبتي.. بس بنتين بس هما اللي فضلوا جوه قلبي بالطريقة الصح.”
ما قولتهاش بغل.. قولتها بحق ربنا.
​اتعلمت متأخر إنك لما تربي بضمير وبحب، مش شرط الحب ده يرجعلك.. بس ده ما يقللش من طيبة أصلك والخير اللي عملتيه. أنا مش ندمانة إني أكلت وكبرت وحميت بهاء، كنت هندم لو قسيت على حتة لحمة مالهاش ذنب.. أنا عملت بأصلي.
بس اتعلمت برضه إن الحب الكتير مش معناه إننا نرضى بالإهانة وندوس على كرامتنا. الأمومة، حتى اللي بنختارها بإرادتنا، مش لازم تبقى حبل مشنقة حوالين رقبتنا.. الواحد من حقه يقول: “أنا حبيت، وعملت بأصلي، وربيت.. ودلوقتي أنا بشتري راحتي وبالي.”
​النهاردة أنا عايشة في مَلكوت تاني.. بتمشى الصبح، بشرب القهوة مع بناتي، بَسقي زرعي، وبكلم شريف في سري.. ساعات بقوله: “كان نفسي كل حاجة تمشي بشكل أحسن من كده.” جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بس لما ببص لأسماء وبسمة وولادهم، والعيلة اللي اختارت بجد تقف جنبي وتصونني، بعرف إن مفيش حاجة ضاعت عند ربنا.
​لو في يوم ربيتم حد وطلع مش أصيل وأنكر فضلكم، إوعوا تخلوا قلة أصله تنسيكم إنكم ناس نضاف من جوة. في قلوب ما بتعرفش تشكر، بس في قلوب تانية شايلة الجمايل في عيونها ليوم الدين.
​أنتم بقى.. لو كنتم مكان “ميرفت”، كنتم هتعملوا إيه؟ كنتم هتفتحوا الباب لبهاء لما رجع ندمان ومكسور، ولا كنتم هتقفلوا الباب وتختاروا تشرتوا راحتكم وعمركم اللي باقي؟
_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *