اترجيت جوزي نستضيف امي

حصري لصفحة روايات رولا

ترجت جوزي إننا نستضيف أميالجزء الأخير
​فتحت الظرف تاني يوم الصبح، ومعايا فنجان قهوة وإيديا بتترعش.
​«يا بنتي: أنا عارفة إنك بتعملي المستحيل عشان تخدميني. شايفة إيدياكي التعبانة، وجريكي من المدرسة على بيتي، والضحكات اللي بتصنعيها عشان مقلقش. ما تشيليش هم قرارات غيرك. أنا عارفة إنك بتحبيني. وكل أمنيتي إنك في يوم تطبطبي على نفسك زي ما بتطبطبي عليا».
​دمعة نزلت على الورق. وكملت قراية.
​«لو حسيتِ في يوم إنك لوحدك، افتكري إنك قبل ما تكوني زوجة وأم، كنتِ بنتي الشجاعة. مفيش حب حقيقي يطلب منك تختفي عشان كل اللي حواليك يرتاحوا».
​ولأول مرة عيطت من غير ما أقول «معليش».
​سلمى لقتني بعيط فحطت إيديها حواليا وحضنتني.
​—تيتا كانت دايما بتقول إنك أقوى واحدة فينا —همست.
​—أنا كنت فاكرة إن القوة هي إني استحمل وخلاص.
​—لسه ليكي الحق تختاري حياة تانية يا ماما.
​في الأسبوع ده، روحت استشرت محامية. راجعت عقود بابا والممتلكات المشتركة. مـِـنتش واعدة إن الموضوع هيكون سهل، بس فكرتني إني مش لازم أخد قرار وأنا تحت ضغط. طلعت من عندها حاسة إني قادرة أتحرك من غير ما أستذن حد.
​أشرف كان قاعد مع الحاجة زينات. في الأول كان بيقول إن الدنيا تمام، وبعدين بدأ يرن عليا.
​—أمي عايزة حد يجيب لها الدواء، بس عندي ميعاد شغل مهم.
​—كلم نعمة أو إخواتك —رديت عليه.
​—بيقولوا مشغولين.
​—وأنا كمان كنت مشغولة لما أمي تعبت.
​بقيت بقولها بكل بساطة ومن غير خوف.
​بعد أسبوعين، ابننا كريم حكى إن أبوه بينام ساعات قليلة: الحاجة زينات بتصحى بالليل ومش بترضى بحد غريب يخدمها. وإخواته بيدفعوا فلوس، بس مفيش حد راضي يقعد يبات معاها.
​—بابا بيقول إنه مكنش عارف إن الموضوع صعب كده —حكى كريم.
​بصيت له وأنا مذهولة.
​—هو كان عارف. شافني راجعة مهدودة من شقة تيتا. اللي مكنش عارفه هو وزن الشيلة لما جت عليه هو.
​كريم غسل الأطباق وعرض يروح معايا للمحامية. فهم إن المساعدة الحقيقية مش معناها إني أجي على نفسي عشان أريح غيري.
​بعد تلات أسابيع، أشرف جه ووشه أصفر وماسك في إيده كيكة من الفرن. وقعدنا نتكلم في الصالة.
​—قررنا ندور على دار إقامة فيها رعاية طبية لأمي —قال. —وإخواتي هيساهموا في المصاريف.
​—كويس إنكم اتنظموا وقعدتوا مع بعض.
​—مش عارف إحنا إزاي أخدنا وقت طويل عقبال ما عملنا كده.
​بص لصورة أمي.
​—يا حنان، أنا دلوقتي فاهم حاجة. وقت ما أمك كانت تعبانة، أنا كنت عارف أنها محتاجة صحبة. كنت عارف. ومع ذلك قلت لك لأ، عشان مكنش عايز أواجه أمي أنا.
​كانت أول مرة يعترف من غير أعذار ولا لف ودوران.
​—أنا كنت فاكر إن بفلوسي ولما أسيبك تزوري أمك كده ببقى عملت اللي عليا —كمل كلامي. —عمر ما جات في بالي إني سايبك لوحدك في أثقل وأوجع لحظة.
​—حكيت لك ده ليالي طويلة يا أشرف. مكنش سر محتاج تخمينه.
​نزل راسه في الأرض.
​—عندك حق. كنت جبان.
​ركع قدام الكرسي وخد إيديا الاتنين بين إيديه.
​—سامحيني. أمي هتبقى في مكان بيراعيها صح، وأنا راجع البيت ونبدأ صفحة جديدة. نقدر نسافر، نستريح، ونعمل كل اللي أجلناه.
​طول عمري كنت بحلم بالكلمتين دول. بس دلوقتي عرفت إنهم ميكفوش.
​—وكنت هتعمل إيه لو كنت وافقت أجيبها؟ —سألت. —كنت هتحس بالوجع اللي تسببت لي فيه؟
​سكت وما ردش.
​—جيت تتكلم وتعتذر عشان تعبت في تلات أسابيع من اللي أنا عملته لوحدي سنين طويلة. وعشان بقيت عارف إن أمك ممكن تعيش مخدومة من غير ما أنا أتنازل عن عمري.
​—ده إحنا ست وثلاثين سنة مع بعض يا حنان.
​—عارفة. وعارفة كمان كم سنة فيهم ضيعتهم وأنا مستنية في يوم تقف في ضهري.
​سحب إيده وساب إيديا.
​—أنا عايز أطلق —قلت له. —مش عشان بكره أمك. بس لأني مبقتش عايزة أفضل متجوزة راجل محتاج يدوق مرار العجز عشان يحس بوجعي.
​عيطنا من غير صوت. ومابقاش فيه كلام تاني يتقال.
​بعدها بشهرين مضينا على الطلاق، واتفقنا رسمياً على تقسيم الممتلكات. أنا فضلت قاعدة في البيت اللي أهلي جابوهولي. وأشرف وإخواته اتعاقدوا مع شركة تمريض ورعاية خاصة للحاجة زينات. مفرحتش في تعب حد ولا حسيت بذنب: كل اللي كنت بتمناه إنها تكون كويسة من غير ما ده ييجي على حساب روحي وحريتي.
​في يوم، الحاجة زينات اتصلت بيا. كنت مستنية تهزيق، بس صوتها كان هادي وضعيف.
​—أشرف بيقول إنكم هتتطلقوا بجد. هو إنتِ للدرجادي بتكرهيني؟
​بصيت لصورة أمي المعلقة.
​—أنا مش بكره حضرتك. بس حضرتك كان معاكي أربعة قدروا يقعدوا ويلاقوا حلول سوا. وأمي مكنش ليها غيري، وأنا قضيت آخر شهورها وأنا بحاول أقنع الكل إنها تستاهل إنسان يقعد جنبها.
​الناحية التانية مكنش فيه أي صوت.
​—يارب تكون مرتاحة ومتشالة كويس —كملت كلامي. —وبقولها من قلبي. بس أنا مستحيل أرجع للحياة اللي عشتها زمان.
​قفلت السكوت من غير ما أستنى أسمع منها عذر.
​أول يوم حد بعد الطلاق، سلمى وكريم جُوا عشان نتغدى سوا. عملت شوربة لسان عصفور زي اللي كانت بتعملها أمينة، وحطيت صورتها على السترابيزة. ومبقتش صورة تأنبني، بقت حضور بيطمنّي.
​—أنتِ كويسة يا ماما؟ —سألني كريم.
​الشمس كانت منورة البيت كله. وأنا في التسع وخمسين، حياتي مكنتش خلصت.
​—أنا بتعلم —رديت عليه. —أوقات بوحشني اللي كنت فاكرة إننا عليه. بس مبقتش أشتاق للست اللي كانت بتضطر تسكت عشان كل اللي حواليها يبقوا راضيين.
​بروازت جواب أمينة وعلقته. مكنتش أقدر أرجع الأحد عشر شهر دول، بس كنت أقدر أحمي السنين اللي باقية لي.
​والليل جه، قفلت باب بيتي، نورت نور الصالة، وقعدت أقرأ من غير ما أستنى حد يجي يقولي أعمل إيه. ولأول مرة، السكوت مكنش عقاب. السكوت كان ملكي أنا لوحدي. وهي لسه خارجة من عملية؛ رفض عشان ميضايقش أمه. ودلوقتي، وهي عندها 85 سنة، حماتي بتطالب تعيش معايا… ورديت رد محدش كان يتوقعه.

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *