اللحظة اللي غيرت كل حاجة حصري لصفحة روايات رولا
:
بعد ساعتين من الولادة.. اللحظة اللي غيرت كل حاجة
بعد ساعتين بالظبط من ولادة بنتي، جوزي “باسم” كان واقف جنب شباك أوضة المستشفى في التجمع الخامس، بيبص على العربيات والشوارع بره.
كان لابس بدلة رمادي شيك جداً، وفي إيده الساعة السويسرية الغالية اللي كنت مديها له هدية في عيد جوازنا الخامس. كان شكله هادي، رايق، ومش باين عليه أي أثر لليوم الطويل أو لكون حياتنا اتغيرت رسميّاً.
أنا كنت هلكانة، جسمي كله بيوجعني، ومشاعري ملخبطة. بنتي كانت نايمة على صدري، ملفوفة في بطانية بيضا فيها نجوم صغيرة موف. كانت واخدة شعري الأسود الناعم، ونفس الغمازة الصغيرة اللي عند باسم في دقنه.
فضلت باصة لها وهي بتتنفس في هدوء لدقائق، وبعدين بصيت لباسم وقلت له بصوت تعبان:
— “باسم.. مش عايز تشيلها؟”
متحركش من مكانه ولا بص لي. افتكرته مسمعنيش، فقلت تاني براحة:
— “دي مستنياك من بدري عشان تشوفها.”
أخد نفس طويل وتنهد، وأخيرًا لف وشه ليا. مكنش فيه أي فرحة في ملامحه، ولا حتى ابتسامة متوترة.. مكنش فيه غير برود واستعجال.
— “يارا، أنا محتاج أقولك حاجة قبل ما حد يدخل بأوراق تانية.”
قلبي انقبض وحضنت البنت أكتر:
— “أوراق إيه؟”
— “أوراق المستشفى.. بلاغات الولادة، وكل الحاجات اللي مستنييني أمضي عليها كأب.”
فضلت باصة له ومستنية يفهمّني، فقرب خطوتين من السرير ووقف بعيد، كأن القرب مننا حمل تقيل عليه، وقال الجملة اللي قسمت حياتي لـ “قبل” و”بعد”:
— “أنا عندي ولد من واحدة تانية.. ومش هامضي على أي ورق يخص الطفلة دي.”
الحكاية اللي كان فاكرني هابلعها
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الدنيا اسودت في عيني ومبقتش عارفة أنطق. الأجهزة حواليا بتزمر بصوت واطي، والممرضات بره في الممر صوتهن طالع وهما بيضحكوا.. العالم كله ماشي عادي، وإنا عالمي أنا انهار في ثانية.
— “أنت بتقول إيه؟”
باسم اتنرفز عشان بكرر السؤال: “أنتِ سمعتيني كويس.”
— “عندك طفل تاني؟”
— “آه، ولد.”
قال كلمة “ولد” بفخر وعزة نفس مظهرتش خالص وهو بيتكلم عن بنتنا اللي في حضني.
— “عنده قد إيه؟”
باسم عدل كم قميصه وقال ببرود: “داخل في سنتين.”
البنت اتلمضت في حضني وعملت صوت صغنن. بصيت لها ودموعي هربت مني.. سنتين! يعني الموضوع مش غلطة ليلة عابرة، ده سر مكمل معاه وسط أعيادنا، خروجاتنا، عزومات العيلة، وسفريات الشغل.. وكل كلمة حب وكل خطوة كنا بنرتبها عشان نكبر عيلتنا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
باسم قعد على الكرسي وبدأ يتكلم كأنه بيعرض مشروع في شركة، مش بيشرح خيانة وعيلة تانية!
البنت اسمها “هند”، عرفها في حفلة تبع الشغل من 3 سنين، شغالة في العلاقات العامة وعايشة في شقة في المهندسين. قال إن علاقتهم كانت “معقدة” وبيبعدوا ويقربوا، بس لما عرف إنها حامل، أجر لها الشقة واتكفل بمصاريفها.. وكان بيروح يزور ابنه في نفس الشهور اللي كنا بنشتري فيها أوضة نوم بنتنا!
كل ما كان بيقول عندي “اجتماع مع مستثمرين”، “مؤتمر في الإسكندرية”، أو “رايح أشوف أمي في أكتوبر”.. كان بيبقى معاهم.
أنا سمعت كل ده ومقاطعتوش، وده قلقه.. كان متوقع صريخ، عياط، أو إني أبوس إيده عشان ميمشيش. كان عايز مشاعري تبينه هو في موقف القوي.. بس أنا فضلت ساكتة.
— “أهلك عارفين؟”
تردده جاوب قبل لسانه: “أمي عارفة الخطوط العريضة.”
حماتي.. اللي كانت نازلة معايا الرويعي ومصر الجديدة ننقي الستائر والفرش لبنتي، وبتمسك الهدوم وتختار الأسامي وهي عارفة إن ابنها مخبي واد على بعد كام كيلو!
— “وأبوك؟”
— “عارف إن في موضوع وبحله.”
”موضوع وبحله”.. ده وصفهم لطفل، وأم، وسنين من الكدب!
باسم قرب وقال: “أنا مش قاسي يا يارا، أنا بتكلم عملي. ابني جه الأول وليه حق عليا.”
بصيت لبنتي: “والبنت دي مالهاش حق؟”
وشه اتشنج: “عشان كده مش هامضي على حاجة قبل ما أرجع للمحامي بتاعي.”
ضحكت بوجع: “يعني محتاج محامي عشان تشيل بنتك؟”
— “بلاش دراما وتقلبيها نكد.”
الجملة دي طيرت أي شك من دماغي.. الراجل ده مش مغيب ولا خايف، ده مرتب ومخطط، واختار يواجهني وأنا في عز تعبي وسخونية الولادة عشان يكسرني ويخليني أوافق على شروطه.
الممرضة اللي شافت كل حاجة
دخلت ممرضة اسمها “ميرفت”، ست خمسينية وشها بشوش وكلامها يطمن.. حست بالكهرباء اللي في الأوضة علطول.
— “أخبار قمرنا الصغنن إيه؟”
بصيت لباسم، وباسم بص للباب.
— “زي الفل يا طنط ميرفت،” أنا اللي رديت.
ميرفت كشفت على البنت وطمنتنا، وبعدين لفت لباسم: “يلا يا بابا عشان تشيلها؟”
متحركش: “لا.. عندي اجتماع.”
ملامح ميرفت اتغيرت بس فضلت محترفة: “تمام يا فندم.”
باسم أخد جاكت البدلة وقبل ما يمشي بص لي بنظرة تهديد: “هنتكلم في موضوع الشقة والفلوس لما تخرجي بالسلامة.”
— “الشقة؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— “أكيد في تغييرات هتحصل.”
الشقة دي بتاعة جدي الله يرحمه في الزمالك، ومكتوبة باسمي في “صندوق العيلة والأصول” اللي شايلاه أمي من يوم ما أبويا توفى. باسم عارف ده.. أو فاكر نفسه عارف كل حاجة.
— “اتفضل روح اجتماعك،” قلتها بهدوء.
بص لي بنظرة غريبة، ومشي من غير ما يبص للبنت بصة أخيرة.
ميرفت قفلت الباب وقعدت جنبي: “في حد من أهلك تثقي فيه يقدر يجيلك دلوقتي؟”
هزيت راسي: “خالي.”
— “كلميه فورا.. جوزك فاكر إن مالكيش ضهر.”
دموعي نزلت وأنا باصة لبنتي: “النهاردة هيعرف إن ليا ضهر ويشيل بلد.”
المكالمة اللي قلبت الترابيزة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
خالي “خالد” رد من أول رنة. خالي محامي العيلة والمسؤول عن كل ممتلكاتنا من أكتر من 20 سنة. سمعني للآخر ومقاطعنيش.. وبعد سكوت طويل سألني: “باسم هددك أو هدد البنت؟”
— “لا، بيقول هيتكلم في الشقة والمصاريف لما أخرج.”
خالي اتنهد: “متمضيش على ورقة واحدة، ومتديهوش أي باسورودات أو توكيلات، ومتمشيش معاه من المستشفى.”
— “حاضر.”
— “ساعة ونص وأكون عندك.”
وفعلا، في أقل من ساعة ونص كان عندي بالبدلة الكحلي بتاعة المحكمة والاجتماعات الكبيرة، وفي إيده شنطة جلد. باس دماغي وبص للبنت، وملامحه الحمشة لانت فجأة: “شبه مامتك الله يرحمها.”
هنا بس انفجرت في العياط.. مش عشان باسم مشي، أنا عيطت عشان في حد بص لبنتي وشافها “عيلة وحتة من قلبه” مش “حمل وموضوع وعايز يتحل”.
خالي فضل جنبي لحد ما هديت، وبعدين حط الملف على الترابيزة: “يارا، في حاجات لازم نعرفها، وهتبقى صعبة شوية.”
— “باسم ليه علاقة بفلوس العيلة؟”
— “مبقاش ليه.”
بصيت له باستغراب، ففتح الملف وشرح لي: باسم من شهور بيحاول يحول مبالغ كبيرة من شركة المقاولات والتطوير العقاري بتاعة عيلتنا لـ “شركة استثمار خاص” مجهولة، وكان بيقول إنها فرصة هتكسبنا ملايين. مجلس الإدارة عطل الموضوع عشان الورق ناقص..
ومن أسبوعين بس، خالي خالد اكتشف إن الشركة المجهولة دي باسم “هند حسن” (اللي هي أم ابنه)! باسم مكنش بس مخبي عيلة، ده كان بيسرق فلوس عيلتي عشان يصرف عليها وعلى ابنه ويأمن مستقبلهم!
المواجهة الكبيرة في المستشفى
خالي وراني كشوفات البنوك، التحويلات، وصولات أثاث الشقة في المهندسين، ومصاريف حضانة لغات دافعها من حسابات فرعية للشركة.. كل ليلة كان بيجي فيها متأخر ويقول “الشغل ضاغطني وأنتم مش مقدرين” كان هناك.. كان بيخليني أشك في نفسي وفي تقصيري وهو اللي خاين!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— “عارف من إمتى يا خالي؟”
خالي خالد اتوجع: “شكيت في اللعب المالي من شهرين، بس موضوع الابن ده عرفته الأسبوع اللي فات.. كنتِ على وش ولادة ومكنتش عايز أعملك صدمة تضيعك وتضيع الطفلة لحد ما نجمع كل الأدلة.”
خالي طلع ورقة أخيرة: “دي إقالة باسم من كل مناصبه وسحب صلاحياته المبادلات المالية، وكروته اتوقفت من الساعة 9 الصبح.. الاجتماع اللي رايحه ده مكنش مع مستثمرين، ده اجتماع مجلس الإدارة اللي هيتحقق معاه فيه!”
تاني يوم، “هند” كلمتني فيديو كول.. خالي كان قاعد جنبي. الست كانت باينة تعبانة، ووراها طفل صغير بيلعب بمكعبات وعنده نفس عيون باسم..
قالت لي بنبرة كسرة: “أنا آسفة.. أنا عارفة إنه متجوز، بس قال لي إنكم منفصلين وعايشين في بيت واحد صوريّاً عشان الشغل والشركة الكبيرة، ووعدني يعلن الطلاق أول ما تولدي.. وقال لي إن الشقة بتاعة الزمالك هتبقى بتاعته لإن هو اللي كبّر الشغل.”
خالي سألها: “مضاكي على ورق؟”
طلعت ورقة وصورتها بالكاميرا.. باسم كان مخليها “مديرة” الشركة الوهمية عشان لو الحكاية اتكشفت، تلبس هي القض..ية ويفضل هو بعيد!
قلت لها: “الشركة دي مش بتاعته.. دي شركة أهلي، وأنتِ كدة في خطر.”
الست وشها جاب ألوان: “أنا هعمل إيه؟”
بصيت للطفل البريء وقلت لها: “تقولي الحقيقة وبس.”
يوم الخروج.. الانهيار العظيم
يوم خروجي من المستشفى، باسم جه الأوضة.. كان بهدوم مبهدلة، عينه حمرا من قلة النوم، والغرور اللي كان فيه اتمسح.
قفل الباب وبص لخالي ولميرفت الممرضة اللي واقفة جنب السرير: “عايز مراتي لوحدنا.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
قلت له بقوة: “لا.”
زعق: “يارا دي أسرار بيوت!”
رديت: “البيوت مبتقاش أسرار لما تسرق فلوس شركتي وتدخل بيوت تانية.”
بص لخالي: “أنت فتش ورايا؟”
خالي رد ببرود: “حسابات الشركة مش ممتلكاتك الخاصة يا باسم بيه.”
باسم لف لي وحاول يستعطفني: “هند فهمت الموضوع غلط.. أنا غلطت بس ممكن نصلح كل حاجة.. فكري في بنتنا!”
ضحكت بسخرية.. دلوقتي بقيت بتفكر في البنت اللي رفضت تشيلها؟!
— “أنا بفكر فيها فعلاً، وعشان كدة مش هربيها على إن الحب معناه قبول الكدب والسرقة.. أنت مخترتش غلطة، أنت بنيت حياة كاملة من الكدب.”
باسم بص للسرير الصغير لأول مرة.. قرب وبص للبنت، وبلع ريقه: “زي القمر.. أنا ممكن أمضي ورق الولادة دلوقتي، أنا بس كنت مضغوط.”
خالي رد: “المستشفى هتبعت الأوراق بالطرق القانونية ومفيش إمضاءات هنا.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
باسم بدأ يتوتر وبان أصله: “طب والمنصب بتاعي؟ الشغل؟”
هنا الحقيقة ظهرت.. لا فارق معاه مراته، ولا بنته، ولا حتى ابنه.. فارق معاه “البرستيج” والفلوس!
قلت له وأنا بأقفل شنطتي: “مجلس الإدارة هو اللي هيقرر.. أنت اللي مشيت نفسك لما اعتبرت الأمانة فلوس فكة في جيبك.”
البداية الجديدة
وأنا خارجة، خالي شايل الشنط، وميرفت ماشية جنبي بتسندني، وأنا حاضنة بنتي “فريدة”. الجو بره كان هوا أكتوبر الجميل والشمس دافية.
باسم كان واقف جنب عربيته شكله صغير ومكسور.. نده عليا: “يارا.. هاجي البيت بليل عشان نتفاهم؟ ده بيتي برضه.”
خالي فتح لي باب العربية، وبصيت لباسم لآخر مرة: “كان بيت لما كنا عيلة.. أنت تعاملت معاه كأنه أصل مستني تورثه.. أنت كان قدامك ساعتين تختارنا، بس أنت اخترت تبيع كل حاجة.” وركبت وقفلنا الباب.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بعد 3 شهور، التحقيقات خلصت.. باسم اترفد رسميّاً، واتطرد من الشركة، ومضى على وصولات برد كل المبالغ اللي سحبها عشان ميتسجنش. هند تعاونت مع المحامين بالكامل، وسابت المهندسين ورجعت عاشت جنب أهلها في طنطا وبدأت حياتها من جديد مع ابنها.. مفيناش غل من بعض، إحنا ضحايا لنفس البني آدم اللي استخدمنا عشان يملى هوسه بنفسه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الطلاق تم بهدوء، والشقة فضلت بتاعتي بقوة القانون. بنتي “فريدة” كبرت وبقت مالية عليا الدنيا، بضحكتها وشقاوتها.. وباسم بقى يشوفها بحدود وقواعد صارمة وبإشراف خالي. عمر سنين عمري اللي ضاعت معاه ما هترجع، وفلوس العيلة مش هي اللي داوت قلبي.. اللي أنقذني بجد هو اللحظة اللي بطلت أسال فيها “ليه عمل كدة؟” وبدأت أقول “أنا وبنتي نستاهل حياة أنظف وأحسن”.