يوسف حصري لصفحة روايات رولا
جوز بنتي يوسف مكنش يعرف إني صاحب مجموعة الشركات اللي لسه متعين فيها رئيس تنفيذي (CEO)، وفاكرني راجل غلبان عايش على قد حاله، لحد ما عزمني هو وأهله في مطعم فخم بالزمالك ودسوا لي ظرف فلوس عشان أبعد عن حياة ابنهم.. بس الحقيقة صدمتهم في دقيقتين.
إليك القصة كاملة بالعامية المصرية والأجواء القاهرية:
الحكاية من أولها: نظرة “يوسف” ليا
أنا كنت عارف من سنين إن “يوسف” من نوعية الناس اللي بتقيس البني آدم بفلوسه وهدومه قبل ما تفهم هو مين. حكمه عليّ دايماً كان بيبان في النظرات؛ يجي يزورنا في بيتنا القديم في حي “مصر الجديدة”، يبص للسلم الخشب المركون، ولعربيتي الـ “شاهين” القديمة اللي واقفة تحت البيت، ويفتكر إن دي كل ثروتي في الدنيا.
لما اتجوز بنتي “منة”، أنا سكت مكنتش عايز أخرب عليها. هي كانت بتحبه، وهو كمان كان بيحبها، بس بطريقة الرجالة الطموحين زيادة عن اللزوم؛ عينه دايماً على المظاهر وكلام الناس.
يوسف لسه متعين رئيس تنفيذي لشركة مقاولات واستثمارات ضخمة. طبعاً الجواب جاله يوم الخميس الصبح، بس اللي ميعرفوش إني أنا اللي ماضي على قرار تعيينه من مكتبي الرئيسي في التجمع الخامس قبلها بيومين. يوسف شاطر وذكي ويستاهل المنصب كشغل، بس الكرسي بيغير النفوس.. يا بيكبر المتواضع، يا بيخلي المغرور يشوف نفسه زيادة.
عزومة الزمالك.. الفخ الشيك
يوم الجمعة، منة بنتي كلمتني وهي مترددة:
”بابا.. أهل يوسف عايزين يعزمونا على العشا بكرة السبت في مطعم فخم أوي على النيل في الزمالك.”
نزلت وراحت العزومة. لبست قميص وبنطلون جينز نضاف، وجاكت كحلي بسيط. ركنت عربيتي الشاهين بعيد شوية عشان مقفلش الشارع، ودخلت. المكان كان هادي، والجدية مغطية على الترابيزة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف بيه (والد يوسف): راجل بيتكلم بنبرة متعالية، وطلب المشروبات من غير ما يبص في المنيو حتى.
طنط فريدة (والدة يوسف): أول ما شافتني بصت للجاكت بتاعي نفس النظرة القديمة، وقالت لي: “يا رب تكون عرفت تركن يا حاج محمود؟”
بدأ الكلام.. شريف بيه بيتكلم عن المجتمعات الراقية والكمبوندات اللي يوسف المفروض ينقل فيها بعد المنصب الجديد. وطنط فريدة تبص لمنة وتقول لها: “أهو يوسف كده بقى في مكانة تانية خالص، لازم حياتكم كلها تتغير.” يوسف كان قاعد بيهز رأسه بفخر، ومكنش بيبص في عيني خالص.
فجأة، شريف بيه بصل لي وقال: “يا حاج محمود.. إحنا عارفين إنك راجل طيب وبتحب بنتك.. بس يوسف دلوقتي بقيت ليه مسؤليات تانية ومستوى تاني.”
الظرف الكريمي.. دقيقة تحول
في اللحظة دي، شريف بيه حط إيده في جيب الجاكت بتاعه، وطلع ظرف كريمي سميك ومقفول. وِش منة اتقلب، ويوسف غمض عينه نص ثانية.. وعرفت إن يوسف كان عارف باللي هيحصل، أو على الأقل متوقعه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
شريف بيه زق الظرف على الترابيزة بالراحة وقال:
”ده مبلغ بسيط.. اعتبره تأمين لمستقبلك عشان تريح نفسك ومتحتاجش تطلب حاجة من يوسف ومنة، وعشان تسيبهم يركزوا في مستواهم الجديد ومن غير أي ضغوط عائلية مالهاش لزمة.”
لحظة الحقيقة: قلب الترابيزة
السكوت ساد على الترابيزة، منة كانت بتعيط من الكسوف. أنا مسكت الظرف، وابتسمت بهدوء، ومفتحتوش حتى. طلعت تليفوني من جيبي، وطلبت رقم.
”أهلاً يا متر.. كلم لي يوسف Warren (اللي قاعد قصادي) وبلغه إن شراكته ومكانه كرئيس تنفيذي في المجموعة اتلغت من دقيقة واحدة.. وقول له إن صاحب المال مش عاجبه طريقة إدارته للأمور الشخصية.”
يوسف تليفونه رن في نفس اللحظة.. وبص للشاشة ووشه بقى أصفر زي الليمونة لما شاف اسم “المستشار القانوني للمجموعة”. بص لي وهو مش قادر ينطق: “حـ.. حاج محمود؟ أنت؟”
قمت وقفت، حطيت الظرف في جيب شريف بيه تاني، وقولت له:
”الفلوس دي خليها معاك يا شريف بيه، عشان ابنك من بكرة الصبح هيحتاج يدور على شغل جديد.. الشاهين القديمة اللي مش عاجباكم دي، هي اللي اشترت الشركة اللي ابنك كان حاطط رجله فوق رجله فيها. يلا يا منة يا بنتي.. مالناش مكان هنا.”
:
الترابيزة كلها سكتت تماماً.
“منة” همست بدموع وصوت مخنوق: “يا بابا…”
أما “يوسف” فمطقش ولا بكلمة، ووشه كان في الأرض.
أنا مديت إيدي وأخدت الظرف بالراحة. الورق كان نضيف وغالي، بس الحركة نفسها كانت رخيصة أوي. فتحت الظرف، وطلعت الشيك وبصيت على المبلغ.. “طنط فريدة” كانت مركبة ابتسامة على وشها ومبرقة عينيها مستنية تشوف علامات الفرحة أو الإرتياح على وشي، و”شريف بيه” كان قاعد مفرود وساند ضهره ولسه متبسم بثقة، كأن فلوسه حلت المشكلة اللي منغصة عليهم حياتهم.. مشكلة وجودي أنا في وسطهم.
طبقت الشيك تاني بهدوء، وحطيته جنب معلقة الحلو.
وقلت ببرود: “كتر خيركم.”
منة بنتي بصت لي وهي مش فاهمة ومكسورة من رد فعلي، ويوسف سنانه كزت على بعضها، وشريف بيه هز رأسه بعلامة رضا، كأنه فرحان إني قِبلت الدور الصغير اللي هو رسمهولي في حياتهم.
الرنة اللي غيرت الماتش
في اللحظة دي بالظبط، تليفوني رن.
مكانش صوته عالي، مجرد اهتزاز خفيف على الترابيزة، والشاشة نورت جنب الظرف. الكل بص على التليفون. طنط فريدة عينها جت على الجراب الجلد القديم والمقشر بتاع الموبايل، وشريف بيه عقد حواجبه بضيق، أما يوسف فمال بضهره لقدام شوية عشان يلمح الاسم اللي منور على الشاشة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أنا بصيت على الشاشة وشوفت اسم المتصل.
وبعدين رفعت عيني وبصيت ليوسف.. ولأول مرة من ساعة ما قعدنا، يوسف بص في عيني بجد، وكأن الرعب بدأ يتسلل لقلبه.. بدأ يفهم إن في باب في الأوضة دي هو عمره ما فكر يفتحها.
الاسم اللي كان مكتوب على الشاشة هو: “المستشار القانوني للمجموعة”.. المحامي الكبير اللي يوسف لسه ماضي معاه عقد التعيين كرئيس تنفيذي (CEO) من 48 ساعة بس!
يوسف وشها اتقلب 180 درجة، بلع ريقه وصوته اتمسح وهو شايفني بفتح الخط وبقول بكل هدوء:
”أهلاً يا متر.. معلش بكلمك في وقت متأخر. الغي لي قرار تعيين رئيس مجلس الإدارة الجديد اللي مضيناه الصبح.. اه، يوسف. وبلغه إن شراكته في المجموعة انتهت من دقيقة واحدة.. صاحب المال مش عاجبه طريقة إدارته للأمور برة الشغل.”
الكلمة الأخيرة
تليفون يوسف رن في نفس اللحظة.. الشاشة عنده كانت بتنور باسم “المكتب الرئيسي”. بص للموبايل وبصلي ووشه بقى أبيض زي القماشة، ومش قادر ينطق غير جملة واحدة: “حـ.. حاج محمود؟ أنت؟!”
شريف بيه وقف مخضوض: “في إيه يا يوسف؟ مين الراجل ده؟”
أنا قمت وقفت في طولي، خدت الظرف الكريمي وحطيته في جيب جاكت شريف بيه تاني، وقولت له بنبرة هزت الترابيزة:
”الفلوس دي خليها معاك يا شريف بيه عشان ابنك من بكرة الصبح هيحتاج يدور على شغل جديد.. الشاهين القديمة اللي مش عاجباكم دي، هي اللي اشترت الشركة اللي ابنك كان فاكر إنه ملكها. يلا يا منة يا بنتي.. مالناش مكان هنا.”
أخدت بنتي في إيدي وخرجنا، وسيبناهم في وسط ذهولهم، يدوروا على طريقة يداروا بيها خيبتهم بعد ما عرفوا إن “الراجل الغلبان” هو في الحقيقة اللي كان بايده يرفعهم.. أو ينزلهم الأرض.
الجزء الثالث والأخير: الصدمة الكاملة ودرس العمر.
يوسف كان قاعد على الكرسي كأنه اضرب بالكهربا، التليفون في إيده لسه بيرن برقم الشركة، وهو مش قادر حتى يرفع السماعة ويرد. مكنش باصص للتليفون.. كان باصص لي أنا، وعينه مليانة رعب وندم.
شريف بيه وقف وزعق في يوسف:
”أنت مابتسكتش ليه؟ رد على التليفون! ومين المتر ده اللي بيتكلم عن شركتك؟”
يوسف رد وصوته بيرعش وهو باصص في الأرض:
”بابا.. اقعد أرجوك.. الحاج محمود يبقى.. يبقى هو ‘المهندس محمود الشناوي’.. صاحب ومؤسس المجموعة كلها!”
الكلمة نزلت عليهم زي الصاعقة. طنط فريدة إيدها اترعشت وكوباية الميّة اتلقت من إيدها على المفرش الأبيض. شريف بيه وشه جاب ألوان، وبص للظرف الكريمي اللي في جيبه كأنه قنبلة موقوتة. الراجل اللي كانوا بيعاملوا بنبرة عطف وفوقية، هو نفسه الراجل اللي بجرّة قلم منه ينهي مستقبل ابنهم المهني.
المواجهة الأخيرة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أنا مديت إيدي وأخدت شنطة بنتي منة، وبصيت ليوسف للمرة الأخيرة وقلت له بهدوء:
”أنا عمري ما قست بني آدم بفلوسه يا يوسف، وكنت سايبك تكبر وتتعلم. المنصب كان هيجيلك عشان شاطر، بس النفوذ والغرور عموا عينك وعين أهلك. اللي يقيس الناس بجيوبهم، ما يستاهلش يقعد على كرسي إدارة، ولا يستاهل يصون بنتي.”
منة كانت واقفة جنبي، دموعها نشفت وظهرها اتفرد. بصت ليوسف وقالت له كلمة واحدة: “خسارة يا يوسف.”
النهاية
لفينا ضهرنا وخرجنا من المطعم الفخم. الهوا برا الزمالك كان ساقع ومطرة خفيفة بتنزل. ركبت عربيتي الشاهين القديمة، ودورتها، ومنة قعدت جنبي.
بصيت لها وابتسمت: “زعلانة يا بنتي؟”
ردت عليا وهي بتمسح باقي دموعها: “لأ يا بابا.. الحمد لله إن الحقيقة بانت بدري. الشاهين بتاعتك دي عندي بألف عربية مرسيدس.”
أما يوسف وأهله، ففضلوا قاعدين في المطعم قدام الترابيزة الفاضية، بعد ما فهموا -متأخر أوي- إن القيمة الحقيقية للبني آدم مش في فخامة منظره، لكن في أصله ونظافة قلبه.