ريم 2
:
البارت السادس
مسكت ديل فستانها بسرعة بعد الخبر القاتل اللي سمعته، واندفعت بقوة لبره متجهة لأعز صديقة وأغلى أخت منحتها لها الحياة وهي بتمتم بغضب:
-(سترى يا وليد… سترى!)
دخلت شقة صديقتها بخطوات مرتبكة، خايفة، ومتباعدة، بعد ما فتحتها بمفتاحها الخاص.
وصلت لها وهي قاعدة، وانحنت لها ببطء وهي بتطالع جسمها الغض المرتعش وشفايفها المنتفخين.. طافت عينيها على كل العلامات والكدمات الزرقا اللي سابها القذر ده لها!
اتوقف الزمن برهة، وحل الصمت فجأة.. اتوقفت عينين حنين عن النظر لها، وبقت مش شايفه حاجة غير الضلام وبس.
ما بقتش قادرة تنطق أبداً أو توصف اللي شايفاه!
فما كان منها إلا إنها حضنت رهف بقوة وهي بتعتصرها، بتحاول تمسح كل حاجة… بس اللي حصل مش هيتمسح بسهولة!
بينما رهف استسلمت لحضنها وهي بتشهق باكية بغصة مريرة، وطعم الدم الصديء حل في بؤها وانتشر لحد ما بقت بتختنق من مرارة اللي حاسه بيه.
فضلوا على حالهم طول الليل من غير كلام.. مش مسموع منهم غير صوت شهقات رهف الخافته وأنين حنين.
برزت أشعة الشمس الذهبية بخيوطها الأولى ناشرة في أنحاء الأوضة ذرات خفيفة من رونق الشمس الساطعة.
ابتعدت حنين عن رهف وهي بتحط إيدها على قلبها بقوة، بتعتصر مكانه من شدة الألم…
اتغيرت ملامح حنين في لحظات وهي بتحاول ما تتأوهش، فهت ده مش وقت ألمها!
بصت رهف بقلق رغم حزنها على ملامح حنين المتألمة بشدة وسألتها من غير تردد:
-(في إيه يا حنين؟.. حاسة بإيه؟)
تحاملت حنين على ألمها بقوة جبارة وهي بتحاول تلبس قناع الصلابة وقالت:
-(ما تقلقيش.. مافيش حاجة مهمة..)
بصت لرهف وقالت بهمس محترق:
-(سامحيني يا رهف.. أنا السبب، ما قدرتش أحميكي منه…. أنا السبب، ما كنتش أعرف إنه بالقذارة دي…)
شهقت رهف من تاني ورجعت لنحيبها، بينما حنين أخدت تتنفس بعمق بتحاول جاهدة تظبط انفعالاتها.. ما كانش ناقصها مع مصيبة رهف غير مرضها!
أخدت حنين تملس على شعر رهف وهي بتقول:
-(ما تقلقيش، هنتقم منه.. هخليه يعاني لحد ما يطلب الرحمة.. هنتقم منه سوا…. هنرفع ضده كذا ق\ضية.. هخليه يتعفن في السجن من غير رحمة!)
بس رهف همست من بين دموعها وقالت:
-(مش هرفع ضده أي شكوى ولا دعوة.. أرجوكي!)
انتفضت حنين وهي بتبعد رهف عن حضنها وقالت:
-(إيه؟! إيه اللي سمعته ده؟! إيه اللي بتقوليه ده؟!)
بصت رهف بانكسار لحنين وقالت:
-(يكفيني لقب اللقيطة.. مش عايزة أي ألقاب تانية أرجوكِ!.. مش عايزة حد يعرف باللي حصل، محدش هيغفر ذنبي وانتِ عارفة إن الناس بتدور على نهش لحم اللي زيي.. من غير عيلة.. ولا سند!.. الألسنة هتطالني لوحدي!)
صكت حنين على أسنأنها من فرط الغضب وقالت بحدة:
-(هل قلتي توّاً ذنبي؟! ذنب إيه؟ هو انتِ اتجننتي؟! انتِ بتسمي اللي حصل ذنب؟! إياكِ يا رهف.. مش هسمح لكِ تكتمي الموضوع!)
ازداد احمرار عينين رهف وشقَهت وهي مختنقة بكلماتها وقالت:
-(أرجوكِ!.. أيّاً كان اللي حصل.. وأيّاً كان مسمّاه، ما بقاش مهم!.. مش عايزاه للعلن، يا إما تساعديني في كتمانه.. يا إما أختفي للأبد من غير ما حد يعرف مكاني!)
صرخت حنين في وشها وقالت:
-(كفاية هذيان يا رهف!.. كفاية، تباً لكل حاجة وتباً للجميع!.. ما تهتميش بحد… هنعمل اللي صح!)
رجعت رهف للشهقات المتتالية وبعدين قالت:
-(أرجوكِ.. أرجوكِ أنا مش بخير.. ومش جاهزة لأي حاجة… أنا دلوقتي أضعف من إني أكرر كلامي.. ساعديني وبس!)
اختنقت حنين بكلمات رهف… البنت الصغيرة دي اللي هجرها أبولها وهي في سن صغير وسابها زي اللقيطة في دار رعاية من غير مسؤولية!
يا ترى لو ما كانتش حنين انتشلتها من العالم ده، كان هيبقى حالها إزاي؟
حتى دلوقتي بكلامها الجارح باينة صح شوية!
مسكت حنين وش رهف وقربته لوشها وقالت بصلابة:
-(مش هنضعف دلوقتي يا رهف.. انتِ وأنا محتاجين لبعض.. مش هسمح لكِ بالضعف والاستسلام.. هأخد بتأركِ من الحثالة ده.. مش هرحمه، وده وعد مني!…)
بعد ثلاث ساعات كانت شاقة على كل واحدة فيهم بشكل مريب، خبطت حنين الباب بقوة وهي بتستني تامر يفتح لهم، وما هي إلا دقائق وكانوا جوة.
بص تامر لهم مليّاً، بس خص رهف بنظراته طويلاً.. مش باينة رهف القابعة قدامه دلوقتي هي رهف المعهودة بإشراقها وحيويتها المعتادة!
همهم بعد فترة وقال:
-(أدينا شربنا قهوتنا وخلصنا.. عايزين إيه بقى؟)
مسكت رهف إيد حنين بقوة بينما الثانية اتكلمت بكل صلابة:
-(عايزة أحط بين إيديك أمانة تخصني جداً.)
رفع تامر حاجبه مذهول وهو بيبص لرهف مليّاً وكأنه استشف حاجة.. بس قال من غير تردد:
-(مش فاهم.. كملي يا حنين.)
التقطت حنين أنفاسها وكملت بثبات:
-(رهف… عايزة تفضل في حمايتك كذا يوم بس..)
ضيق عينيه وهو بتتأمل اللي بيحصل بعينين هجومية زي الصقر، بس ما قدرش يفهم حاجة لسه، فهتف وقال:
-(عايزاني أوافق إن رهف تفضل عندي… من غير ما أعرف السبب؟!)
أجابت حنين بقوة:
-(أيوه.. ومش هتعرفه أبداً!.. أنا مش بؤتمن حد غيرك أبداً، بس لو معترض هشوف لها مكان تاني.)
ما بقيتش رهف قادرة تقاوم دموعها قدام عينين تامر المتفحصة، بس حنين أمرتها بشدة تكتم أي حاجة حاساها عشان تقدر تساعدها.
زفر تامر بعد فترة من التفكير وهو بيقول:
-(ماشي.. هتفضل رهف عندي لحد ما أعرف سركم ده.)
تنهدت حنين في سرها، فهي ما بقيتش قادرة تسيب رهف لوحدها في مكان مليان صور وحشية عن اللي حصل لها.. حتى هي نفسها اختنقت فيه من غير ما تشوف اللي حصل، ولا تقدر تنقلها لبيتها.. فهي مش ضامنة مرام زوجة والدها ولا حتى والدها نفسه!
عشان كده تامر هو الخيار الأنسب، بل هو الخيار الوحيد.
غادرت حنين بعد ما اطمنت على رهف، واتجهت من فورها للمكان اللي كانت ناوية تروحه من الأول.
وصلت لمكتبه ودخلت اندفاعاً، وقفت وقَفلت الباب وراها بقوة وهي بتبص له بعيون مليانة غضب أسود واشتعال شديد.
تقدمت منه بخطوات متهجمة وهي بتقول من بين أسنانها:
-(ستندم يا وليد!.. مش هتسلم مني من اللحظة دي.. هتدفع تمن كل حاجة عملتها فيها، كل أذى لحقته بيها!)
صفق وليد بشكل مستفز وهو بيقول متلاعب في نبرة صوته:
-(أحسنتِ يا حنين!.. اتأخرتِ، كنت مستني مجيئك بفارغ الصبر!)
قام وقرب منها بقذارة، وأول ما وصل لها استقبلته بصفعة مدوية رن صداها في أرجاء المكتب!
في مكتبه، بيطالع كذا ملف بسرعة، عايز يرجع لشركته حيث مكانها، حيث ضربات قلبه مش بتوقف بنسائم عطرها.. هو مش قادر يفضل في الشركة دي وقت طويل، لأنه بيدير كذا شركة في وقت واحد.. والشركة اللي بتشتغل فيها حنين واخدة حيز تفكيره وبقى متشتت بسببها.
تنهد وهو بيفكر: حنين بتعمل إيه دلوقتي؟ وصحتها عاملة إيه؟
شتم نفسه على ضعفه قدامها.. إمبارح بس كانت ماشية زي العارضات متمسكة بإيد واحد تاني، إيد مش إيده!.. يا للسخرية، وهو دلوقتي بيفكر في صحتها!
زفر بحدة وهو بيرجع للملف اللي في إيده.. دققه مليّاً بس مليان أخطاء وشروط بتنافي جودة منتجهم.
طلب من مديرة مكتبه استدعاء وليد بسرعة لمكتبه.
بس اتفاجأ بقولها إن حنين في مكتب وليد، جت من شوية…
قام مندفع ليهم وهو بيفكر في السبب اللي خلاها تيجي لشركته هو وهي دلوقتي في مكتب نائبه!
صفعته بقوة وهي بتصك على أسنأنها وعينيها بترسل رسائل تهديد، رفعت صباعها في وشه وقالت:
-(أقسم لك.. إنك هتدفع التمن!)
بص لعيونها بقاتمة بعد الصفعة دي اللي نزلت على خده.. اتصلب جسمه وهو بيقول:
-(وأنا في انتظارك!)
فما كان منها إلا إنها صفعته بقوة مرة تانية وهي بتقول بغضبها العارم:
-(حثالة!.. هتتجوزها فوراً.. فاهم؟! وهتطلقها فوراً بعد جوازك منها!)
ما بقاش قادر يتحملها أكتر.. فأكتر حاجة بتثير حنقه مؤخراً هي حنين، هيحطها هي كمان على قائمته السوداء، فلتنتظر بس!
مسك معصمها بقوة ولاويه لورا وهو بيجرها لصدره بقوة وقال:
-(في أحلامكم يا حنين!.. مش هعملها أبداً!.. ولتتحمل رهف سوء أخلاقها.. وانتِ هتدفعي تمن الصفعة دي دلوقتي وتمن كل حاجة!)
زمجرت بين إيديه وهي بتدفعه بقوة عنها، وغضبها من اللي نطق بيه مؤخراً ازداد أضعاف مضاعفة!.. بس هو أحكم تثبيتها، ما بقيتش قادرة تتحمل عزم إيده على دراعها.. كانت هتصرخ لولا دخول عمران المفاجئ لمكتبه!
بص بعيون واهية مصدومة للموقف برمتة!
كانت حنين واقفة متشنجة ودراعها وراها متني بقوة بفعل دراع وليد، بينما الثاني باين كأنه فقد عقله فنسي إنه ماسك دراع بنت!
صرخ عمران بقوة في وليد وقال له:
-(وليد!.. إيه اللي بيحصل؟! سيب دراعها حالا!)
فما كان من وليد إلا إنه ساب دراعها وهو بيبص لها بغضب وحقد.. وأول ما سابها، عاجلته بصفعة تانية أشد قوة من اللي قبلها! ما قدرتش تفوّت اللحظة دي في إنه يتاخد بصفعة جديدة، ومش هيشفى غليل قلبها بصفعات بسيطة!
وفي اللحظة دي اللي اتلقى فيها وليد الصفعة منها، اندفع عمران ناحيتها وهو بيبعدها عن وليد وقال بصوته الحازم:
-(إيه اللي بيحصل يا وليد؟! اتكلمي يا حنين!)
صرخت حنين بغضبها الأعمى وقالت:
-(سيبني يا عمران!.. سيبني هوري الحثالة ده أصله!)
صرخ وليد هو الآخر في وشها:
-(ستندمين يا حنين!… ستندمين!)
وقف عمران في النص بينهم بعد ما فقد صبره وهو بيرمق حنين بغضب وقال لها بحدة:
-(حنين كفاية!.. يلا تعالي معايا!)
جرها وراه ماسك بإيدها بينما هي بتشتم وبتتوعد!
بينما عمران بص ناحية وليد وقبل ما يخرج نهائياً من مكتبه وجّه له الكلام زمجرةً:
-(لينا كلام يا وليد… لينا كلام!)
بعد ما دخلوا مكتبه، أجبرها تقعد وهو بيحذرها بصباعه إن مافيش مفر منه.. قعد باسترخاء قدامها بينما هي لسه بتستعر من غضبها وحنقها.. ما بقتش قادرة تكبح جماح نفسها، بس دلوقتي بعد ما أفرغت شوية من كبتها وغضبها، اتنفست الصعداء وهي بتستشعر الألم المبرح ده رجع من ليلة إمبارح ورجع دلوقتي بقوة ملحة.. لعل دي هي اللحظة والمكان المناسبين للاستسلام للإغماء قدام عمران بعد ما كبحته طويل في إمبارح قدام رهف!
وقبل ما تدخل في موجة الاستسلام دي، همست من بين شفايفها المنفرجتين بوهن:
-(عايزة كوباية مية… عايزة مية يا عمران…)
وراحت بعدها في نومها المغمض عينيها بألم على صورة وش عمران الفزعة!
تقود حسناء عربيتها الحمراء الفخمة بسرعتها المجنونة المعتادة..
في بره، دايماً ما كانت بتتلقى مخالفات المرور بسبب السرعة دي.. بتحب المغامرة وبتحب اندفاع!
وصوت المزيكا الصاخب بيطلع من عربيتها مع سرعتها المجنونة.. فتحسك إنها في سباق عربيات على الطريق السريع!
بدأت تفقد القدرة على التوقف وهي مندمجة مع صوت المزيكا، بس العربية اللي قدامها ماشية ببطء مستفز بيطير الحماس منها!
بدأت بالكلاكس كعادتها.. ما وقفتش عن الكلاكس لحد ما وقفت العربية دي بشكل مفاجئ خلاها ترتد مستضدمة بيها! فسرعتها المعتادة ما مكنتهاش من التوقف في الوقت المناسب، فارتطمت بالعربية دي محدثة أضرار جسيمة بالكيلتين!
نزلت بهدوء وهي شايفه سوء الضرر اللي أحدثته بالعربية دي، بينما الثاني واللي باين عليه التجهم والغضب نزل من عربيته وهو بيرمق البنت دي اللي نزلت من عربيتها الفارهة، واللي مش باين عليها أي علامة من علامات التوتر على اللي سببته!
تقدم منها حانق وهو شايف هدوءها، ما قدرش يتغاضى عن الموضوع ببساطة فقال من غير تفكير:
-(هي أنتِ يا آنسة! هو انتِ مش بتشوفي وانتِ بتسوقي؟! مش بتعملي حساب إن يكون في راجل عجوز بيسوق عربيته بتأني؟!)
بصت ناحية الراجل ده اللي باين في نهاية العقد الثالث.. تقدمت ناحيته عايزة تعتذر، بس طريقته في الكلام معاها أزعجتها ومش بس ما اكتفاش باللي قاله، بل كمل مسترسل:
-(الطريق ده ملك للجميع يا آنسة مش ملك باباكي!.. اتعلمي السواقة بأخلاق… أو بطلي سواقة وخلاص!)
عند الحد ده فقدت تحضرها فقالت مندقعة:
-(على رسلك!.. ما كنتش أقصد.. هتكفل بكل حاجة تخص الضرر اللي أحدثته، هل ده كفاية؟)
رمقها بغضب وهو بيستشعر جوابها الخالي من الذوق.. لحد دلوقتي ما نطقتش باعتذار لايق!
قد إيه بيكره المدللين أمثالها اللي مش بيحصلوا على الفلوس بكدّهم وعرق جبينهم وبيرموا فلوسهم بالطريقة دي، وعلاوة على ده ما عندهمش أدنى حد من التحضر!
زفر بغيظ وهو بيقول:
-(اعتذري دلوقتي يا آنسة!.. ده بيجي الأول وبعدين نتكلم عن كيفية تعويضي..)
شتمت قائلة في سرها:
-(يا الله! إيه النهار ده من أوله؟! باين سيئ، صادفت راجل متسلط بمبادئه وقيمه، مش هامّه من كل اللي قلته غير اعتذاري!)
زفرت بحنق وهي شايفه طريقته الدونية معاها في الكلام، مما دفعها لتقول:
-(هو التكفل بكل حاجة تخص عربيتك مش بيعتبر نوع من الاعتذار؟)
عند النقطة دي اكتفى منها ومن التكاليف اللي هتدفعها.. واديها دلوقتي من فورها بدأت تمنّ عليه وهي السبب في الأساس! قد إيه بيكره النوع ده اللي مش موجود في قاموسه حاجة تخص الاعتذار المتواضع، وهو دلوقتي مش هيمشي بسلام بعد جوابها الخالي من اللباقة في سجله!
عشان كده قال بحنق:
-(اعتذري يلا!…)
رمقته بغضب وقررت قدام عنجهيته وغروره اللي مش عارفة سرهم إنها تتداحاه وقالت:
-(مش هعتذر! وحتى مش هتكفل بأي حاجة تخص الضرر إلا إذا طلبت الموضوع بنفسك، فباين إنك شخص مش بتقدّر الموضوع بالطريقة دي.. بعد إذنك!)
وما هي إلا دقائق وكانوا هما الاثنين في قسم الشرطة بيحرر ضدها دعوى قضائية بعد ما قرر يعلمها الأدب والاحترام، معتبراً إنها فاقداهم من وجهة نظره! بينما هي تحدته بكل حماقة ونسيت إنها البنت بينهم وإنها هي الجانية، بس غروره وصل حد الإفلات.. ما قدرتش تسكت، ولسانها اتحرك لوحده كعادتها!
وقفت تستنى بره خروجه وهي مش عارفة تعمل إيه بعد ما اتصلت بعمران كذا مرة بس الأحمق ده مش بيرد!
زفرت وهي بتتراقب الممر الضيق في مقر الشرطة واللي مليان شباب كتير مقيدين بيبتزاحموا بينهم بطريقة غريبة!
بصت لنفسها بعد ما أدركت إنها البنت الوحيدة هنا على ما يبدو..
قد إيه اتمنت لو عمران رد فيخلصها من المأزق ده بسرعة!
وقد إيه اتمنت لو تقدر تتصل بباباها.. باباها!.. يا الله، لو عرف باباها إنها في أول شهر لها هنا دخلت قسم الشرطة.. قد إيه هيكون سعيد بيها وبتهورها!.. عشان كده باباها.. لأ.. لأ، ما تقدرش تتصل بيه أو حتى تقول له بعدين!
تنهدت وقررت الاتصال براجل الأزمات… خالد!
ومين غيره اللي هينقذها من الورطة دي؟!
وما هي إلا دقائق معدودة حتى كان خالد قدامها بحالته المشعثة ووشه المنتفخ إثر النوم.. باين إنه استيقظ وجاء لها بسرعة من غير ما يدقق في مظهره الأول!
رمقها بغضب عارم، وبعدين بَصّ بعيد ناحية الشباب اللي بيتدافعوا قريب منها.
عادةً في أي مقر شرطة هنا الممر بيكون مليان بأشخاص من كل أنواع التهم.. الحرامي منهم وعصبة المتعاركين…
والنهاردة طبعاً ما كانش استثناء.. والشباب دول بيبتزاحموا زي الثيران، وباين إن الموضوع مش هينتهي بوجودهم في الممر قريب… عشان كده ما كانش منه غير إنه أحاط حسناء بإيديه الاتنين مدي ضهره لعصبة الشباب المتدافعة دي عشان ما يخبطوش فيها!
فبقت أسيرة في النص بين دراعاته المستندين على الحيطة من وراها وبين صدره اللي شكل سد منيع يحميها من أي ارتطام.
بص بحدة لعيونها القريبة من عينيه وأنفاسه السخنة بقت بتلفح عنقها وهو بيقول بصوت مش بيحمل الهزار أبداً، بل بيحمل كتير من الغضب:
-(الشرطة يا حسناء؟! ما فضلتش غير الشرطة يا حسناء تزوريها وتتشرفي بلقاء الحثالة هنا والحرامية، علاوة على أصحاب العنف ذوي الدم البارد زي القتلة؟!)
شهقت مذعورة بين إيديه، مما خلاها تقرب منه شوية وبعدين قالت بصوت مترجي:
-(طلعني من هنا أرجوك يا خالد!)
زفر بحنق وهو بيصد الضربات دي بضهره من إيدين الشباب المتعاركين بينهم في الوراء، وبعدين قال بصرامة:
-(من إمتى وانتِ هنا؟! وإيه السبب اللي خلاكي تبهريني بزيارة قسم الشرطة من الصبح؟)
اتنفسَت بظعَر وهي بتسمع الشتايم القذرة من حواليها بفعل الشباب دول، بينما خالد بيزداد غضباً قدامها، فقالت متلعثمة:
-(أنا.. أنا.. أنا كنت.. ما كنتش أقصد اللي حصل صدقني!.. كنت هعتذر بس.. بس صدقني أنا..) زفرت بحدة وكملت: (أنا أسفة وخلاص! أرجوك اعمل حاجة، الموضوع باين بيزداد قذارة.. أقصد تعقيد!…)
دفعة من واحد من الشباب من وراه من غير قصد خلاته يلتزق بيها من غير إرادة! بص لعيونها الخايفة وصدرها اللي بيرتطم بصدره بقوة..
كأنه حصل توّاً على حضن، بس حضن من نوع تاني! بينما هي بتزين خدها بحمرة الخجل، ما قدرتش تتكلم والكلمات اتبعثرت في جوفها من قربه ده.
بصت لعينيه فاستقطبت نظراته المتمعنة بيها..
بس تداركت الموقف وهي بتقول:
-(حاسة باختناق!)
فما كان منه غير إنه ابتعد عنها بسرعة!
بعد ساعة من المداولات بينه وبين الراجل اللي حرر ضدها المحضر، وبعد ما قدم اعتذاره له واعتذار تاني بالنيابة عنها.. توصل معاه لحل يرضي الطرفين، مما خلاه يسقط الدعوى ويوقف المحضر.
خرجوا سوا من مقر الشرطة وهو ساكت مش بيتكلم، كان عايز يوبخها بشدة ويقرّعها على استهتارها، بس هي كانت خايفة بشدة من المناظر والألفاظ البشعة دي اللي شافتها وسمعتها، عشان كده تغاضى عن الموضوع.
وأول ما بقوا جوة عربيته.. سألها بقاتمة وهو بيقول:
-(فين عمران؟! ليه ما اتصلتيش بيه؟ ليه ما كانش جنبك؟)
حركت عينيها متبعدة عن عينيه الصريحتين.. ففي اللحظة دي ما كانتش عايزة تتكلم عن عمران بالذات، وما كانش بمقدورها تكذب ببساطة.
عشان كده اكتفت بقولها له:
-(ما حاولتش أتصل بيه وبس.. أرجوك هلتقدر ما تقولش لحد باللي حصل النهاردة؟ هكون ممتنة لك!)
رفع حاجبه ومضيق عينيه.. قد إيه هي حمقاء! هو انتِ مش عارفة قد إيه انتِ سهلة القراءة بالنسبة له؟! قد إيه انتِ شفافة قدام عينيه المحبة؟!
بيعرف في سِرّه إنه بيحبها جداً.. وأكتر من خطيبها عمران ده، وأكتر من أي حد في العالم ده!
استدار عنها وهو بيحرك عربيته مبتعداً بيها.