مريم

الجزء الأول: العلامة اللي على المفتاح
​”الشقة مش بشويّة حيطان يا مريم.. الشقة قيمتها إن محدش يقدر يرميكي بره في يوم من الأيام.”
— الجدة فاطمة
​— “محتاج أحط اسمي على وصل الكهربا وتسلفيني صورة عقد الشقة.. ده مجرد إجراء عشان ترقيتي لمدير إقليمي.”
​لما إسلام طلب مني الطلب ده، كنا بنتعشى كشري سخن في مطبخ الشقة اللي ورثتها عن جدتي “فاطمة” في مصر الجديدة. قالها ببرود شديد وكأنه بيطلب ملاحة العيش، وأنا — بحكم إني كنت مغمية بعصابة الحب وإرهاق 11 ساعة شغل في شركة تأمين — ماشوفتش في كلامه أي خطر.
​كان عندي 38 سنة، ومتربطة بيه بعقد زواج بشرط “انفصال الأموال” بقالنا سنتين. إسلام دخل حياتي بالطريقة اللي بيدخل بيها الأشرار: من غير ما يبان عليهم أي شر. كان حنين، بيسمع كويس، وما بينساش أي مناسبة. لما اتعرفنا على بعض، كان شغال في مشتريات شركة مقاولات ومأجر أوضة في شبرا. لا حيلته عربية ولا تحويشة، بس كان بيجي كل يوم الثلاثاء بورد من السوق، ويوم الأحد يعملي القهوة بنفسه وأنا نايمة.
​الشقة كانت ملكي من قبل ما أعرفه. جدتي كتبتها لي كتب ملكية ونقلت ملكيتها لي وهي عايشة، وكانت دايماً بتقولي:
“الشقة مش بشويّة حيطان يا مريم.. الشقة قيمتها إن محدش يقدر يرميكي بره.”
​عشان كده احتفظت بنملية جدتي، ومكنة الخياطة القديمة، وصورتها اللي متعلّقة جنب الباب. إسلام كان عارف كل ده، وكان عارف كمان إن عقد الشقة، وإيصالات العوائد، وورق التنازل كله متشال في فولدر أزرق جوه الدولاب.
​— “في الشركة طالبين إثبات إقامة باسمي وصورة عقد المكان اللي ساكن فيه.. هيترقوني. هو أنتِ شاكة في جوزك ولا إيه؟”
​الجملة الأخيرة كسفتني. غيرت اسم اشتراك النت باسمه، واديته صورة بطاقتي، وسمحت له يسحب صورة ضوئية من أول صفحة في العقد. كنت فاكرة إن إثبات الإقامة مش هيغيّر راجل، وماكنتش اعرف إن الورقة في الإيد الغلط ممكن تبقى زي طفاشة بتفتح أبواب الشَر.
​بداية الخيط
​بعدها بشهور، شغلت معايا الست أم أحمد، ست عندها 64 سنة، بتيجي تنضف وتطبخ 4 أيام في الأسبوع. جوزها الله يرحمه كان شغال يجي 30 سنة في محل مفاتيح في العتبة. كانت كتمت أسرار، مواعيدها بالساعة، وعندها قوة ملاحظة تجيب البقعة قبل ما حد يعرف إنها اتعلمت!
​الست أم أحمد لاحظت إن إسلام بيشتغل من البيت يومين بس: الثلاثاء والخميس، في نفس الأيام اللي بخرج فيها بدري. الساعة 11 الصبح كان بيطلب منها تمشي عشان عنده “مكالمة شغل سرية”. بس الغريب إنه كان بيحط برفان، يغير قميصه، ويقفل الباب بالترباس!
​في يوم، رجعت الست أم أحمد عشان نسيت شمسيتها. إسلام أخد كام دقيقة عقبال ما فتح، وفتح الباب على أد السلك بس. بس هي لمحت جزمة حريمي بيج مقاس 36 جنب جزامة المدخل.. وأنا مقاسي 39!
​ماقالتليش حاجة وقتها، وقالت يمكن في تفسير.
بس يوم الجمعة، ورا صينية في المطبخ، لقيت حلق دهب بفيص أبيض.. وماكانش بتاعي.
​وبعدها بـ 3 أيام، وهي بتمسح الترابيزة، لمحت ميدالية مفاتيح إسلام. مسكت مفتاح الباب ولقيت شطب/علامة مستقيمة عند راس المفتاح.
​في السهرة دي، استنتني في المطبخ وهي وشها أصفر، والمفتاح بين إيديها:
​”يا أبلة مريم.. جوزك عمل نسخة من مفتاح الشقة. وأعتقد النسخة دي مش ليه هو!”
​الجزء الثاني: الفخ
​حسيت إن الأرض بتميل بيا، بس أجبرت نفسي أتمالك أعصابي.
​الست أم أحمد شرحتلي إن الخط ده مش مجرد خربوش عادي.. دي “بصمة المنجشة” بتاعة مكنة عمل المفاتيح لما بتمسك المفتاح الأصلي عشان تطبع عليه. إسلام معاه نسخته، وفي الدرج فيه درجتين سبير.. هو مش محتاج نسخة تالتة، إلا لو كان هيدّيها لحد تاني من غير ما أعرف.
​وبعدين كشفتلي عن الجزمة، والحلق، والأيام اللي كان بيمشيها فيها بدري. كل تفصيلة صغيرة بدأت تتجمع زي البازل:
​الموبايل اللي دايماً مقلوب على وشه.
​الدش اللي بياخد 40 دقيقة.
​ريحة البرفان الغريبة على المخدة.
​والفولدر الأزرق اللي لقيته منكوش مرتين.
​ما واجهتوش. بحكم شغلي في تقييم المخاطر، تعلمت إن الشك ملوش قيمة لو نبهت الخصم قبل ما تجمع أدلتك.
​دخلت على الفولدر الأزرق: العقد الأصلي موجود، بس صورة العقد الموثقة مش موجودة! ولقيت في البرينتر ورقة محشورة، مقري منها بس: “عقد إيجار محدد المدة 5 سنوات”، اسمي مكتوب فيه كـ “مؤجرة”، وإيجار صوري عبيط بـ 1500 جنيه في الشهر!
التوقيع تحت يشبه توقيعي جداً.. بس أنا عمري ما شفت الورقة دي ولا وقعتها!
​كلمت محامية أحوال مدنية، الأستاذة فريدة. طلبت مني ما ألمسش حاجة، وأصور كل الورق، وأتجنب المواجهة لوحدي. وقالت لي كلمة مهمة جداً:
​”تغيير إيصال النت أو البطاقة مش هيخليه صاحب الشقة يا مريم.. بس عقد إيجار مزور مع وجود واحدة ست ساكنة جوه، ممكن يدخلك في قض*ية تمكين ووضع يد وطرد تطول لسنين عقبال ما تثبتي التزوير!”
​ساعة الصفر
​عملت الخطة.
​يوم الاثنين أعلنت إني مسافرة الإسكندرية 4 أيام لعمل مراجعة في الشركة. يوم الثلاثاء خرجت بالشنطة، ركنت عربيتي عند صاحبتي، ورجعت بتاكسي بعد الظهر. الست أم أحمد ما جتش الشغل اليوم ده، وعم صابر (البواب) كان متفق مع المحامية ومجهز تسجيلات الكاميرات.
​وأنا في الطابق، سمعت صوت إسلام وصوت واحدة ست جوه الشقة.
— “لما النونو يوصل، مش هتعرف تطلعنا بسهولة.” (قالت الست)
— “الأول لازم الفواتير تبدأ تنزل باسمك.. وبعدين نطلع العقد المزور. مريم عايشة للعمى والشغل، هتأخد أشهر عقبال ما تفوق وتستوعب.” (رد إسلام)
​جالي غثيان. شغلت تسجيل الصوت في الموبايل، وفتحت بالمفتاح.
​في الصالة، كان إسلام واقف جنب واحدة حامل في الشهر السادس تقريباً، عندها يجي 30 سنة. على الترابيزة كان فيه: العقد الأصلي، صور بطاقتي، إيصالات النور، والعقد المزور!
​الست ابتسمت لي وهي فاكراني سمسارة أو مأجورة:
— “كويس إنك جيتي.. إسلام بيقلي إن طليقته وقعت خلاص، ناقص بس تسلمينا باقي المفاتيح.”
​إسلام وشه جاب ألوان ووقف زي اللوح.
بصيت لبطن الست، وبعدين للورقة اللي فيها توقيعي المزور، وقلت ببرود:
​”أنا مش سمسارة.. أنا مريم، صاحبة الشقة دي.. وزوجة إسلام.”
​الست أتمسكت في الكنبة والكوباية اللي في إيدها وقعت اتدشملت على الأرض!
​الجزء الثالث: الحساب
​إسلام ما اعتذرش، ما حاولش يشرح الحمل ولا أنكر العقد. اتحدف على الترابيزة ولم الورق وكان عاوز يقطعه!
— “الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة!” (صرخ إسلام)
​رفعت الموبايل في وشه عشان يشوف إني بسجل:
— “ابعد عن ورقي.. البواب والمحامية تحت وزمانهم طالعين.”
​الست الحامل برقت وقالت بصوت مكسور:
— “زوجتك؟ أنت مش قلت لي إنكم متطلقين بقالكم سنة؟”
​إسلام بص لها بغل وكأنها هي السبب في فضح أمره:
— “سكتي يا ندى! مريم بتحاول تلعب بعقلك!”
​رديت عليه:
— “ألعب بعقلها؟ أنت في بيتي، معاك نسخة مزورة من عقدي وتوقيعي! أنا مش محتاجة ألعب بعقل حد.”
​ندى بدأت تعيط، وحكتلي كل حاجة: تعرفه بقالها 9 أشهر، أقنعها إنه مطلق، وإن الشقة ملكه، وإني طليقة “مفترية” رافضة تخليه يستقر. ولما حملت، وعدها إنهم هيعيشوا هنا، ووراها رسائل واتساب بينه وبين واحد صاحبه بيكتب فيها: “أول ما تسافر الإسكندرية هاتي حاجتك وتعالي.. بالعقد المزور وإيصال النت مش هتعرف تطردنا من يوم وليلة!”
​الخروج من الجنة
​وصلت الأستاذة فريدة مع عم صابر البواب. المحامية صورت كل الورق على الترابيزة، وطلبت من إسلام يلم حاجته الشخصية ويخرج فوراً.
​حاول يتسامخ:
— “أنا جوزها وده محل إقامتي بالقانون!”
​ردت الأستاذة فريدة بصرامة:
​”محدش بيحل ملكية هنا يا أستاذ.. المدام بتلغي أي إذن ليك أو لغيرك بالتواجد، وبتثبت حالة تزوير محرر عرفي. لو عاوز تتكلم، نتكلم في النيابة. قدامك 20 دقيقة تلم هدومك وإلا هطلب النجدة فوراً نعمل محضر إثبات حالة وتلبس.”
​إسلام بصلي مستني إني أضعف.. النظرة دي كان بيعملها زمان وبتجيب معايا نتيجة. المرة دي ماشوفتش غير راجل جبان محشور في جحره.
​— “قدامك 20 دقيقة.” (قلت له)
​لم هدومه وكمبيوترة في شنطتين. وقبل ما يخرج، وقف قدام صورة جدتي فاطمة وقال بصوت واطي:
— “هتندمي يا مريم.. أنا دفعت دم قلبي في الشقة دي، مش هتعرفي تمسحيني كده.”
​رديت عليه:
​”دفع فاتورة الغاز وشراء الميكروويف ما يخليكش صاحب بيت جدتي.. ونومك معايا في شقة واحدة ما يديكش الحق تزور إمضتي.”
​خرجت ندى وراه وهي بتصرخ فيه في الأسانسير إنه ما يوريهاش وشه تاني. وإسلام نزل على السلم ورجليه بتخبط في الدرج.
​النهاية والنور الجديد
​ساعتها رجليا ما شيلتنيش.. قعدت على الأرض بين بواقي الكوباية المكسورة. الست أم أحمد جيت قعدت جنبي ومسكت إيدي:
— “سامحيني يا بنتي إني ما قلتلكيش من أول ما شفت الجزمة.”
— “ما تقوليلش كده يا ست أم أحمد.. أنتِ شفتي اللي أنا كنت عامية عنه.”
​في نفس اليوم، جه السباك والغيرنا الكوالين. وعم صابر غير الشفرة بتاعة الأسانسير.
رفعنا قض*ية تزوير وق*ضية خلع. بحكم إن الجواز كان بشرط “انفصال أموال”، والشقة هبة من جدتي قبل الجواز، إسلام ما أخدش ملّيم أحمر من البيت.
​الخبير البصمات في النيابة أثبت إن التوقيع “مأخوذ ضوئياً ومطبوع” مش توقيع حي، واترفض العقد المزور تماماً. ندى أخدت موقف منه، وقررت تثبت نسب الطفل وتطالبه بالنفقة أول ما يتولد، ورجعت تعيش مع أختها في طنطا.
​بعد أسبوع، جه إسلام مع ابن عمه عشان ياخد باقي حاجته بإشراف المحامية والبواب. وهو ماشي، بص للست أم أحمد بغل وقال:
— “الخدامة هي اللي خربت بيتنا!”
​الست أم أحمد طلعت من المطبخ، مسحت إيديها في الفوطة وقالت له بكل ثبات:
​”لا يا أستاذ.. أنا شفت علامة صغيرة على مفتاح، إنما خراب بيتك أنت اللي عملته بـ إيدك.”
​مرت الأشهر.. غيرت دهان الأوضة اللي كان بيقعد فيها، ورجعت مكنة الخياطة بتاعة جدتي جنب الشباك، وحطيت جنبها أصيص ريحان.
​في يوم، اديت للست أم أحمد علبة صغيرة. جوة العلبة كان فيه ميدالية فضة محفور عليها: “شكراً إنك فتحتي عيني.”
​دمعت عينيها وقالت لي وهي بصة لصورة جدتي:
​”جدتك كان عندها حق يا مريم.. البيت هو المكان اللي محدش يقدر يطردك منه.. بس أوقات لازم نتعلم إزاي نقفل الباب في وش ناس معينة.”
​النهاردة، كل ما بلف المفتاح الجديد في الباب، بفتكر الخط الصغير اللي اكتشفته الست أم أحمد على المفتاح القديم. خط مليمترات بسيطة، بس كان وراه تزوير وست حامل وراجل فاكر إن تعبي وقلة حيلتي هيخلوه يسرق بيتي.
​إسلام كان فاكر إنه عشان ياخد بيتي محتاج بس ينسخ مفتاح..
اللي ما فهموش، إن المفتاح ينفع يتنسخ.. بس كرامة الست اللي بتفوق في الوقت المناسب مستحيل تتنسخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *