بنتي بالتبني

​وأنا في المستشفى، أهلي وأختي قالوا لبنتي بالتبني صاحبة الـ 6 سنين إنها هترجع دار الأيتام. أختي صرخت في وشها وقالتقلها لازم تفضي مكان “للأولاد الحقيقيين”. أنا ما أعلنتش الحرب، وما اتخانقتش، وما عيطتش.. أنا اتصرفت! وعلي الصبح، كان البيت كله بيلف حولين نفسه من الصدمة.
​لما فقت في أوضة الإفاقة في مستشفى دار الفؤاد في 6 أكتوبر، أول حاجة سألت عليها كانت بنتي.
مش تليفوني، ولا مية، ولا الدكتور.
​”هي فين ليلى؟”
​جوزي “أحمد” مسك إيدي، كان وشه أصفر وتعبان من نومة الكراسي البلاستيك بقاله 3 أيام. “هي عند والدتك في المعادي، مامتك قالت هتخليها عندها لحد ما تخرجي بالسلامة.”
​الكلام ده كان المفروض يطمني.. بس ما طمنيش.
​ليلى كان عندها ست سنين، جسمها صغير، وعينيها بني وبتركز في كل حاجة، وكانت واخدة على إنها تستأذن قبل ما تلمس أي حاجة. كنا متبنيينها من سنتين بعد ما قضت معظم حياتها بتتنقل بين بيوت الرعاية والأسر البديلة. ما قالتليش “يا ماما” غير بعد 9 شهور، وأول مرة قالتها عيطت بعديها، كانت مرعوبة لتكون قالت حاجة غلط.
​أهلي عمرهم ما تقبلوها.
كانوا يبتسموا للصور، ويجيبوا لُعب رخيصة في الأعياد. بس من ورا الضهر، أمي كانت بتقول عليها “البنت الغلبانة دي”، وأبويا كان بيقول عليها “مشروع الخير بتاعك”، وأختي “مَيّ” سألتني مرة: “هو انتوا لسه بتحاولوا تخلفوا عيال حقيقيين؟”
​كنت دايماً مخلياها في حضني ومبعداها عنهم.
بس لما الزايدة انفجرت عندي، والالتهاب زاد وكل حاجة اتلخبطت في ثواني، أحمد كان معايا في المستشفى، وأهلي اتعرضوا يساعدوا وياخدوها.. وكنت أضعف من إن أرفض.
​تاني يوم الصبح، اتصلت ببيتهم في المعادي.
محدش رد.
​اتصلت بـ “مَيّ”.
ردت بعد رابع رنة، وهي بتتنفس بسرعة وبزهق: “أيوة يا إنجي؟”
​”هاتيلي ليلى أكلمها.”
​سكوت.
وبعدين سمعت صوت شهقة عياط صغيرة في الخلفية.
​دمي اتجمد في عروقي: “مَيّ.. هاتيلي بنتي.”
​”بتتدلع!” مَيّ قالتها بنرفزة، “بصراحة يا إنجي، ده اللي بيحصل لما تدخلي عيال معقدين في عيلة طبيعية.”
​قعدت بسرعة لدرجة إن الجرح وجعني أوي في بطني: “انتي قولتيلي إيه؟”
​صوت أمي جه من بعيد: “يا مَيّ اقفلي الخط!”
​وفجأة سمعت ليلى بتعيط وتصرخ: “يا ماما أنا آسفة! والله هنام في البلكونة! أرجوكي بلاش ترجعيني المأوى تاني!”
​كل حاجة جوايا اتصلبت ووقفت.
​مَيّ مسكت التليفون تاني وقالت ببرود: “لازم تفهم حدودها، بابا وماما كبروا في السن، ولما تجيبوا عيال حقيقيين مش هينفع تاخد مكانهم للأبد.”
​صوتي نزل وبقى واطي جداً: “انتي قولتيلي إيه بالظبط؟”
​ضحكت بمرارة: “قولتلها الحقيقة! لازم تفضي مكان للعيال الحقيقيين، وتحمد ربنا إنها قعدت الفترة دي كلها.”
​أحمد شد التليفون عشان يكلمها، بس أنا سحبته منه.
ما صرختش.
ما هددتش.
​قولت جملة واحدة: “دخلي بنتي أوضتها حالاً، وما تتكلميش معاها تاني.”
وقفلت السكة.
​وعلى طول اتصلت بالمحامي بتاعنا.
​على وش الفجر، كان نجار غير كوالين شقتنا وشقة المزرعة، وسحبت كل التوكيلات والإصلاحيات اللي كانت مع أهلي، وشلت اسم “مَيّ” من أي أوراق طوارئ أو تأمين، وبلاغ رسمي للشرطة مع محامي خرج ليلى من بيتهم بالبوليس ورجعها بيتنا في الشيخ زايد مع دادة مأمنة.
​وعلى الفطار.. العيلة كلها فاقت على اللي أنا عملته!

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *