بنتي بالتبني
ي الجزء الثاني
الساعة 7:12 الصبح، أمي اتصلت بيا واحد وتلاتين مرة.. ما رديتش ولا مرة.
الساعة 7:26، “مَيّ” بعتت رسالة لأحمد جوزي:
“مرتك اتجننت! قولها تبطل تعاقبنا عشان العيلة عيطت شوية!”
أحمد قرأ الرسالة وهو قاعد جنب سريري في المستشفى، وكان كازز على سنانه لدرجة إن عروق وشه بارزة. أحمد طول عمره هو الهادي فينا، اللي بيفترض النية الحسنة وبيشوف إن الناس ممكن تفهم بالراحة. بس الصبح ده، الصبر اختفى تماماً من وشه.
قال بصلابة وصوت واطي: “بتقول عليها ‘العيلة’.. مش بنتنا.. ‘العيلة’.”
بصيت لشباك الأوضة، كانت شمس الصبح طالعة دافية ومالية المكان.
سألته: “هي فين دلوقتي؟”
أحمد رد: “عند طنط فاطمة الجارة.. بتاكل بنكيك.”
طنط فاطمة دي ست كبارة في السن، ساكنة جنبنا في الشيخ زايد، أرمَلة وتعرف ليلى من أول يوم دخلت فيه بيتنا. عندها كراسات تلوين في المطبخ ومجهزاها مخصوص عشانها، ودايماً تخلي ليلى تسقي الزرع معاها. لما ظابط الشرطة رجع ليلى من بيت أهلي الصبح، طنط فاطمة حضنتها بملفحة دافية وقالتلها: “يا حبيبتي يا ليلى، انتي في بيتك خلاص.”
البيت.. الكلمة دي كان ليها معنى كبير.
الساعة 9، المحامية بتاعتنا “كارولين” وصلت المستشفى. كانت لابسة بدلة رسمية وشايلة شنطة جلد، وباين على وشها إنها ما عندهاش أي خلق ولا طول بال للدراما العائلية وتأنيب الضمير ده.
حطت ورق كدة على السرير وقالت: “والدك ووالدتك كانوا مكتوبين كوصاة احتياطيين في حالة الطوارئ.. الاتصال ده اتلغى. وأختك كانت مكتوبة في قائمة أرقام الطوارئ الطبية.. واتشالت هي كمان. وبعتّ جواب رسمي لمدرسة ليلى إن محدش منهم له الحق يستلمها تحت أي ظرف.”
أحمد هز راسه: “والشقة؟”
رديت أنا: “أهلي معاهم نسخة من المفاتيح.”
أحمد قال: “كان معاهم.. النجار غير الكوالين كلها الصبح.”
كارولين كملت كلامها: “وأنا برضه أرجّح إننا نبعتلهم إنذار رسمي بعدم التعرض لليلى ولا الاتصال بيها. اللي حصل ده وإهانة طفلة بظروفها دي يعتبر أذى نفسي صريح.. ولو حاولوا يقرّبوا، هنرفع قضايا فوراً.”
الساعة 9:43، أبويا بعت رسالة أخيراً:
“انتي فضحتي أمك. اتصلي بينا حالاً.”
مش “انتي عاملة إيه بعد العملية؟”
ولا “هي ليلى كويسة؟”
ولا حتى “إحنا غلطنا.”
فضلتي باصة للأربع كلمات دول لحد ما حسيت إن مالهمش أي معنى.
وبعدها، “مَيّ” بعتت فويس نوت (رسالة صوتية).
شغلتها مرة واحدة..
صوتها كان مالي الأوضة، حاد وبيترعش من الغل: “انتي بتخربي العيلة وتدمرين عشان بت مش من دمك! أمك عيطت طول الصبح، وبابا بيقول إنك بقيتي قاسية ومفترية! وبكرة لما تخلفي عيل حقيقي من صلبك، هتعرفي إننا كنا بنحميكي من الغلطة الكبيرة دي!”
أحمد مد إيده ومسح الفويس من التليفون، بس كارولين لحقت تقوله: “لا، هاتها أحتفظ بيها للأوراق.” فبعتهالها.
على الضهر، مسحنا “مَيّ” من جروب العيلة اللي كنا عاملينها من سنين. عملنا بلوك لأمي وأبويا من على التاب بتاع ليلى. ومسحنا أرقامهم من المفضلين وشيلنا النغمات عشان ما نسمعهمش، بس ما عملناش بلوك لتليفوناتنا عشان كارولين تسجل كل الرسائل.
الساعة واحدة، أمي ظهرت في المستشفى!
دخلت الأوضة ومسكة بوكيه ورد في إيدها، كأنه دليل براءة!
قالت بعصبية: “انتي زودتيها أوي يا إنجي!”
بصيت للورد.. ورد أبيض.
أحمد وقف وقال بصرامة: “اتفضلي برة.”
أمي طنشته وبصتلي أنا: “البنت فهمت غلط!”
رديت ببرود: “لا.. فهمت صح جداً.”
وشها اتشنج: “يا إنجي، مَيّ كانت متضايقة وغضبانة، انتي عارفة اختك ولما بتتعصب!”
رديت: “أيوه.. عارفة.”
“كانت منفعلة!”
“رعّبت طفلة عندها 6 سنين!”
“دي أختك!”
“وليلى بنتي!”
لأول مرة، أمي تسكت وما تلاقيش كلام ترد بيه.
قربت مني ووطت صوتها وقالت: “انتي بتفَضّلي البت دي على عيلتك ودمك؟”
بصيت في عينها مباشرة: “أنا بفضل بنتي.. على الناس اللي بتأذيها.”
وهنا أمي فقدت أعصابها تماماً!
بدأت تشتمني وتقول عليا جاحدة، وقاسية، ومغسول دماغي، وإن التبني ده غيرني وخليتني أبيع أهلي ودمي، وإن هييجي يوم وأندم أشد الندم إني قطعت الرحم اللي ماليش غيره.
الممرضة دخلت قبل ما أحمد يطلب الأمن.
أمي خرجت وهي بتعيط، بس قبل ما تقفل الباب بصتلي بشر وقالت: “هتيجي زاحفة تحت رجلينا بكرة!”
بس ده ما حصلش.
بالليل، أحمد جاب ليلى المستشفى.
كانت واقفة عند الباب بلابسة بلوفر أصفر، وماسكة الدبدوب بتاعها من ودنه، وعينيها متورمة من العياط.
وهنست بصوت خايف: “ماما؟.. هو أنا عملت حاجة غلط؟”
فردت دراعاتي ليها رغم وجع الجرح في بطني.
طلعت بالراحة على السرير، وحضنتني وجت في حضني كأنها خايفة أختفي في أي لحظة.
قُلتلها وأنا ببوس شعرها: “لا يا حبيبتي.. انتي ما عملتيش أي حاجة غلط. انتي مش هتمشي، ومحدش هياخد مكانك. انتي بنتنا.. وللأبد.”
جسمها الصغير كان بيترعش وهي بتهدا.
أحمد قعد جنبنا، إيد على ظهر ليلى والإيد التانية ماسك بيها إيدي.
برة الأوضة دي.. عيلتي كانت بتتفكك لأنهم لأول مرة يخبطوا في حيطة سد وما يعرفوش يكسروها.
وجوة الأوضة.. بنتي ابتدت تتنفس أمان من جديد.