جوازات بناتي

«واحدة من بناتي اتجوزت جراح محترم، والتانية بتقضي أيامها في تنظيف حمامات المستشفيات»، ده اللي أمي أعلنته وسط عشاء عيد الشكر، وخليتني أنا نكتة العيلة قدام سبعة عشر قريب.

​أبي ضحك وزق ورقة بخمسين جنيه عبر السفرة.

​«خد يا ستي يا كلير. اعتبري ده إكسترا لشغلك الشاق ومجهودك».

​كم قريب ضحكوا.

​بصيت للفلوس، طبقتها كويس، ورجعتها له تاني.

​«شكراً يا بابا، بس أعتقد إنك أولى بيها».

​ساعتها تيتا إيفلين، اللي عندها تلاتة وثمانين سنة، قامت بالراحة من كرسيها.

​«يا ميرفت، مش ناوية تقولي للناس كلير بتشتغل إيه بجد؟»

​ابتسامة أمي اتأرجحت واتوترت.

​«يا ماما، ملوش لزمة الكلام ده خالص».

​تيتا بصت ناحية جوز أختي.

​«يبقى جايز الدكتور عادل حابب يعرف مين صاحب المستشفيات اللي هو شغال فيها».

​الضحك وقف.

​ولأول مرة طول الأمسية دي، عادل حس بعدم ارتياح حقيقي.

​أختي الكبيرة، ندى، دايماً كانت هي فخر العيلة.

​طول عمرنا، كل إنجاز بتعمله كان بيبقى سبب للاحتفال.

​تخرجها من الثانوية ملأ بيتنا كله بالورد.

​قبولها في الجامعة أعلنوه لكل القرايب.

​ولما اتجوزت عادل، جراح العظام الواعد، أهلي عاملوا المناسبة كأنها فرح ملكي.

​صورتهم وهم معلقين في الفرح لسه محتلة أحسن حائط في بيت أهلي.

​في المقابل، إنجازاتي نادراً ما كانت بتاخد أكتر من هزة رأس مجاملة.

​كنت أنا كلير.

​البنت الصغيرة.

​الهادية.

​اللي أمي كانت بتوصف شغلها بأنه «حاجة ليها علاقة بتنظيف المستشفيات».

​عشان أكون منصفة، أنا كنت أحياناً بمر على غرف المرضى، وأفحص إجراءات النظافة، وأتكلم مباشرة مع عمال الصيانة.

​بس ده كان جزء صغير جداً من شغلي.

​اللي عيلتي نادراً ما كانت بتجيب سيرته هو إني قضيت أكتر من عشر سنين أبني شركة تكنولوجيا طبية.

​بدأت بفريق صغير من مطوري البرمجيات، كنا شغالين في مكتب مُستأجر وعايشين على المدخرات.

​أول منتج لينا ساعد المستشفيات تنظم ملفات المرضى وتقلل الأخطاء الإدارية.

​الموضوع خد سنين من التعثرات، والليالي اللي من غير نوم، والقرارات الصعبة قبل ما البيزنس ينجح.

​وفي النهاية، شركة تكنولوجيا رعاية صحية أكبر اشترت الشركة.

​الصفقة دي ادتني الموارد عشان أعمل حاجة كنت بتمنّيها من سنين.

​أسست “مجموعة ألدر للرعاية الصحية”.

​واللي بدأ كشركة استثمار رعاية صحية متواضعة توسع بالتدريج.

​بقينا نستثمر في المستشفيات المتعثرة، ونحسن أنظمة الإدارة، ونطور المرافق، ونشتغل مع دكتورة وخبراء طبيين خبرة عشان ندعم خدمات المرضى.

​مع الوقت، “ألدر للرعاية الصحية” امتلكت حصص حاكمة في ست مستشفيات.

​واحدة منهم كانت مستشفى “سانت كاترين”.

​نفس المستشفى اللي جوز أختي عادل شغال فيها جراح عظام.

​أهلي كانو عارفين بأمر بيزنسي.

​حتى إن أمي حضرت احتفالية صغيرة بعد ما استحوذنا على المستشفى الساتة.

​بس بعد كده، أخدتني على جنب.

​”يا كلير، أرجوكِ متعمليش إعلان كبير عن كل ده.”

​بصيتها وأنا مستغربة.

​”ليه لأ؟”

​”ندى أخيراً سعيدة. وعادل ماشي حاله كويس، ومش عايزة نجاحك يخليها تحس إنها أقل إنجازاً.”

​مكنتش فاهمة ليه إنجازاتي المفروض تتدارى عشان نحمي مشاعر شخص تاني.

​ومع ذلك، كنت دايماً بتجنب مشاكل العيلة.

​فوافقت إني متكلمش عن فلوسي ولا إنجازات شغلي في التجمعات.

​ومكنتش أتخيل أبداً إن سكوتي ده هيبقى دعوة للكل عشان يعاملوني كإني معملتش أي حاجة في حياتي.

​يوم عيد الشكر ده، وصلت بيت أهلي ومعايا فطيرة تفاح عاملة بايدي.

​ندى كانت هناك، ولابسة بلوفر بورجوندي شيك وعمالة تفرّج الكل على صور من رحلتها الأخيرة لإيطاليا.

​وعادل واقف جنبها، وبيتكلم بكل برود عن عملية جراحية ناجحة عملها في نفس الأسبوع ده.

​أمي كانت بتسمع بإعجاب شديد.

​”مش حاجة جميلة إن يبقى عندنا دكتور في العيلة؟”

​بعدين خدت بالها مني.

​”أه، يا كلير. جيتي.”

​”كل سنة وأنتِ طيبة يا ماما، وعيد شكر سعيد.”

​أخدت الفطيرة.

​”حطي دي في المطبخ يا حبيبتي. وتؤمري بمعروف تمسحي الرخام؟ أنتِ شاطرة في الحاجات دي.”

​بصيتها لحظة.

​وبعدين ابتسمت.

​”حاضر، من عيوني.”

​يادوب خلصت غسيل إيدي ولقيت ندى ظهرت في باب المطبخ.

​”يا كلير، ماما بتقول إنك لسه شغال في نظافة المستشفيات.”

​نشفت إيدي.

​”أنا شغال في إدارة الرعاية الصحية يا ندى.”

​رفعت كتافها بقلة اهتمام.

​”يعني مش دي تقريباً نفس الحاجة؟”

​”مش بالظبط.”

​”طيب، ع الأقل ليكي شغل ثابت.”

​مردتش.

​كنت اتعلمت من زمان إن تصحيح كلام ندى نادراً ما بيجيب نتيجة.

​على الساعة أربعة، كان فيه سبعة عشر قريب متجمعين حوالين ترابيزة السفرة.

​الديك الرومي كان لونه ذهبي غامق.

​والبطاطس المهروسة متكومة في طبق كبير للتقديم.

​وأمي كانت في مزاج مرح بشكل غير معتاد.

​رفعت كاسها.

​”أنا ممتنة جداً لعيلتي الرائعة، وخصوصاً ندى وعادل. وجود دكتور ناجح بالمنظر ده في عيلتنا نعمة كبيرة بجد.”

​الكل سقف.

​عادل ابتسم بتواضع.

​بعدين أمي التفتت ناحيتي.

​”وطبعاً، معانا كلير، اللي بتخلي المستشفيات نضيفة وزي الفل!”

​شوية ناس ضحكوا.

​خالي عادل — عذراً، خالي طارق — سأل: “لسه بتنظفي الحمامات دي يا كلير؟”

​قبل ما أعرف أرد، أمي هزت راسها بحماس.

​”آه! بنت اتجوزت جراح، والتانية بتنظف حمامات المستشفيات! الحياة فعلاً بتاخد الولاد في اتجاهات مختلفة!”

​السفرة انفجرت بضحك غير مريح.

​حسيت وشي سخن وبقى دافي.

​بس حافظت على تعبيرات وشي هادية.

​بعدين بابا مد إيده في محفظته.

​طلع ورقة بخمسين جنيه جديدة ونضيفة وزقها ناحيتي.

​”خدي يا حبيبتي. بونص عيد شكر صغير.”

​بصيت تحت.

​وهو ابتسم بخبث.

​”يجز تشتري لك بيها أدوات نظافة أحسن.”

​ابن عمي ضحك وهو حاطط المنديل على بقه.

​طبقت الورقة بعناية ورجعتها مكاني بهدوء.

​”شكراً يا بابا. بس الغالب إنك أنت اللي هتحتاجها.”

​ابتسامته اختفت.

​”قصدك إيه بالكلام ده؟”

​”ولا حاجة بجد. أنا بس مش محتاجاها.”

​ندى رجعت لورا في كرسيها.

​”أه يا كلير، متكونيش حساسة زيادة عن اللزوم. بابا كان بيضحك ويهزر بس.”

​”أنا عارفة.”

​عادل دخل في الحوار.

​”بالمناسبة يا كلير، لو بتدوري على وظيفة أحسن، أنا ممكن أساعدك.”

​بصيت له.

​”بجد؟”

​ابتسم بثقة.

​”مستشفى سانت كاترين دايماً بتدور على عمالة نظافة أمينة وكويسة. أنا ممكن أقول كلمة كويسة للإدارة عنك.”

​شوفت كذا قريب بيهز راسه بموافقة واستحسان.

​”ده تصرف محترم قوي منك يا عادل،” قالت أمي.

​أخدت رشفة مية.

​”كم أنت كريم.”

​عادل حس بالرضا عن نفسه.

​”تعرفي، الشغل في المستشفيات ممكن يكون مجزي وممتع، حتى لو أنتِ مش جزء من الفريق الطبي.”

​”أنا متفق معاك تماماً،” رديت. “أي موظف في المستشفى يستحق الاحترام.”

​ضحك بخفة.

​”طبعاً. بس فيه وظائف بيبقى فيها مسؤولية أكبر شوية من غيرها.”

​ابتسمت.

​”حقيقي فعلاً.”

​اللي عادل مكنش يعرفه، إني كنت عارفة اسمه لأسباب ملهاش أي علاقة بكوني أخت مراته.

​من تلات شهور، فريق المراقبة المالية الداخلي في مجموعة “ألدر” لاحظ أنماط غريبة ومشبوهة في سجلات المشتريات التابعة لقسم العظام في مستشفى سانت كاترين.

​كذا فاتورة كانت تخص مورد اسمه “نورثستار للمستلزمات الطبية”.

​بعض الأسعار كان فيها تضارب وغير متوافقة مع اتفاقيات الشراء المشابهة.

​بعض الطلبيات كان ناقصها مستندات داعمة كاملة.

​ومعاملات متعددة كانت محتاجة توضيح أكتر.

​وعشان عادل شغال في القسم ده، اسمه ظهر في كذا سجل من السجلات اللي تحت المراجعة.

​كنت مفاجأة ليا لما فريق الالتزام والقانوني جابلي الموضوع في الأول.

​بس كنت فاهمة كويس أهمية التعامل مع الموضوع ده بطريقة احترافية.

​عادل يبقى جوز أختي.

​وأي تدخل مباشر مني ممكن يخلق علامات استفهام وشكوك حوالين الحيادية.

​علشان كده، أعلنت عن صلة القرابة، وبعدت نفسي تماماً عن أي قرارات تخص المراجعة دي، وسبت المتخصصين المستقلين في الالتزام، والمستشار القانوني الخارج، وفريق حوكمة المستشفى المناسب يتعاملوا مع الموضوع.

​مجبتش سيرة لندى.

​ومواجهتش عادل.

​وأكيد مروحتش عشاء عيد الشكر وأنا ناوية أناقش تفاصيل بيزنس سرية.

​أنا جيت عشان تيتا إيفلين كانت كلمتني في التليفون بالليل.

​”يا كلير يا حبيبتي، أنتِ جاية بكرة مش كده؟”

​”طبعاً يا تيتا.”

​”كويس. أنا عايزة أشوفك. ومتخليش أمك تحسسك إنك قليلة.”

​ابتسمت.

​”هي قصدها خير.”

​تيتا سكتت لحظة.

​”يا حبيبتي، البني آدم ممكن يحبك وبرضه يعاملك بظلم.”

​الكلام ده فضل قاعد في دماغي.

​ودلوقتي، وأنا قاعدة في عشاء عيد الشكر وعيلتي بتضحك على شغلانة التنظيف الوهمية بتاعتي، فهمت أخيراً هي كانت تقصد إيه.

​جدتي كانت قاعدة ساكتة وبتسمع في آخر الترابيزة بهدوء.

​وبعدين حطت شوكتها على الطبق بهدوء.

​”بس كفاية كده.”

​الأوضة سكتت خالص.

​أمي بلعت ريقها.

​”يا ماما؟”

​تيتا زقت كرسيها لورا وقامت.

​”أنا قضيت عشرين دقيقة سامعة الكل عمال يتسلى ويطنز على شغل كلير.”

​بابا ضحك ضحكة محرجة.

​”احنا كنا بنهزر بس.”

​”على حساب مين؟”

​محدش رد.

​تيتا بصت ناحية أمي.

​”يا ميرفت، قولي للكل كلير بتشتغل إيه بجد.”

​ابتسامة ماما شدت وتوترت.

​”هي شغال في بيزنس استثمار رعاية صحية ما.”

​تيتا هزت راسها بالنفي.

​”دي طريقة لطيفة جداً لوصف واحدة هي اللي أسست الشركة بنفسها.”

​ندى كشرت.

​”شركة إيه؟”

​”مجموعة ألدر للرعاية الصحية،” تيتا ردت. “كلير هي اللي بدايتها وعملتها بنفسها.”

​خالي طارق مال لقدام.

​”استنى هنا. مش دي المجموعة اللي بتستثمر في المستشفيات؟”

​”مبوط، صح كده،” قالت تيتا.

​وبصت بعينها ناحية عادل.

​”بما فيهم مستشفى سانت كاترين.”

​عادل نزل كاسه.

​”سانت كاترين؟”

​تيتا هزت راسها.

​”أيوة. المستشفى اللي أنت شغال فيها يا دكتور.”

​ندى بصتلي فجأة.

​”يا كلير، إيه اللي تيتا بتقوله ده؟”

​حطيت المنديل بتاعي على حجري.

​”شركتي بتملك حصة حاكمة في مستشفى سانت كاترين.”

​بابا بصلي بصدمة.

​”شركتك أنتِ؟”

​”آه يا بابا.”

​أمي قاطعتنا بعصبية.

​”يا كلير، احنا اتفقنا إنك مش هتتكلمي عن نجاح بيزنسك في تجمعات العيلة!”

​بصيت لها مباشرة.

​”لأ يا ماما. أنا اتفقت إني متكلمش عن الفلوس عشان منديش إحساس بالضيق لندى.”

​وشه احمر جامد.

​”مش ده اللي أنا قصدي عليه خالص.”

​”بس عمري ما طلبت منك توقفي ندى عن مقارنة شغلنا ببعض. ولا عمرك بطلتي تقولي للناس إني بنظف حمامات المستشفيات.”

​تيتا أيدتني.

​”بالظبط كده.”

​ندى شكلها بقى متلخبط ومش فاهمة حاجة.

​”أنتِ تقصدي إني عندك مستشفى؟”

​”مش أنا شخصياً لوحدي. ألدر بتمتلك ست مستشفيات من خلال استثماراتها.”

​أوضة السفرة بقت هادية تماماً ومفيش صوت.

​كنت سامعة صوت عقارب الساعة القديمة بتدق ببطء على الرف.

​بابا مد إيده ببطء وشال ورقة الخمسين جنيه اللي كنت رجعتها له.

​عادل مال لقدام وشد حيله.

​”طيب، إن يكون عندك حصة ملكية مش معناه أبداً إنك تفهمي في الطب والأمراض.”

​هزيت رأسي.

​”أنت صح جداً.”

​حس بشوية راحة.

​”المستشفيات محتاجة ناس محترفة ومدربة كويس جداً.”

​”طبعاً،” رديت. “علشان كده احنا بنعتمد على أطباء مؤهلين، وتمريض، وإدارة إكلينيكية ممتازة.”

​ابتسم.

​”بالظبط.”

​”بس كمان بنعتمد على رقابة مالية قوية، وإجراءات شراء مسؤولة، وأنظمة التزام مظبوطة.”

​ابتسامته دبلت شوية.

​أنا مكنتش ناوية أتكلم في التحقيق أصلاً.

​بس عادل فجأة سأل بصوت مشدود: “تصدقي بإيه لما تقولي إجراءات شراء؟”

​بصيت في عينه.

​”ليه بتسأل؟”

​”مجرد فضول.”

​”إننا نتأكد إن موارد المستشفى بتتستخدم صح وفي محلها.”

​”طبعاً، دي ممارسات قياسية ومعروفة.”

​”المفروض تكون كده.”

​ندى بصت بينا باستغراب.

​”هو أنتوا الاتنين بتتكلموا في قرف مشتريات المستشفيات ليه أصلاً؟”

​”علشان،” رديت، “عادل هو اللي جاب سيرة مسؤوليات المستشفيات.”

​أمي علت صوتها.

​”ده عيد شكر! ممكن نبطل كلام في الشغل والبيزنس ده لو سمحتوا؟”

​بصيت حوالين الترابيزة.

​”حاجة غريبة قوي. الكل كان مرتاح جداً ومبسوط وهو بيناقش ويكبر في شغلي لما كان فاكر إني بنظف حمامات.”

​محدش رد بحرف واحد.

​بعدين بابا تنحنح.

​”يا كلير، مالك مجتيش قلتي لنا إن شركتك كبرت وبقت كده؟”

​التفتت له.

​”أنا قلت لك يا بابا.”

​شكل تايه ومش فاهم حاجة.

​”أنا حكيت لك عن عمليات الاستحواذ. ودعيتك أنت وماما افتتاح مقرنا الرئيسي الجديد. وبعت لكم مقالات عن توسعاتنا الكبيرة.”

​فضل باصص في طبقه بصمت.

​”وأنتِ مجتيش ولا مرة،” ضفت بهدوء.

​تيتا مدت إيدها وضغطت على إيدي بحب.

​”أنا فخورة بيكِ يا حبيبتي.”

​ولأول مرة طول الأمسية دي، حسيت دموعي بتجمع في عيني.

​”شكراً يا تيتا.”

​عادل اتدربك في مكانه على الكرسي.

​”طيب يا كلير، هل مجموعة ألدر بتشرف بشكل مباشر على مششتريات الأقسام الفردية؟”

​تأملته كويس.

​”ليه بتسأل السؤال ده؟”

​”مجرد استفسار.”

​”فيه فرق مستقلة هي اللي بتدير المسؤوليات دي، حسب الهيكل الإداري لكل مستشفى.”

​هز راسه بسرعة أكتر من اللزوم.

​”أه. تمام بالطبع.”

​حاجة في اهتمامه المفاجئ ده حسستني بريبة وغرابة.

​بعدين سأل سؤال تاني.

​”هل شركتكم بتتعامل مع شركة اسمها ‘نورثستار للمستلزمات الطبية’؟”

​إيدي وقفت جنب كوباية المية.

​أنا مكنش جبت سيرة الاسم ده أصلاً.

​ولا مرة واحدة.

​على الناحية التانية من الترابيزة، تيتا خدت بالها من تعبيرات وشي.

​”فيه حاجة مش مظبوطة يا كلير؟”

​بصيت لعادل.

​”نورثستار؟”

​تنحنح بصوت عالي شوية.

​”أه. دي شركة موردة للمعدات الطبية.”

​”أنا عارفة الاسم كويس.”

​كتافه شدت واتصلبت.

​”تعرفيه كويس لدرجة إيه؟”

​”بدرجة تخلينا عارفين إن علاقات الموردين دي بتخضع لمراجعة دقيقة.”

​ندى كشرت.

​”يا عادل، أنت بتسأل كلير عن مورد ليه أساساً؟”

​حاول يبتسم بابتسامة مصطنعة.

​”فضول مهني، لا أكتر ولا أقل.”

​بس الثقة اللي كان ظاهر بيها وهو بيتريق على شغلي كانت بتتبخر وبتختفي.

​أمي بدأت تمرر طبق صوص التوت البري.

​”يا جماعة، لو سمحتوا. خلونا نستمتع بالعشا.”

​أنا لم أكن مهتمة بإحراج عادل أو كشف معلومات سرية قدام سبعة عشر قريب.

​أي مخاوف تخص قسمه المفروض تتساب للمتخصصين المعتمدين، مش تتناقش عبر ترابيزة عزومة عيد.

​فعشان كده قلت ببساطة: “أنا متأكدة إن الناس المختصة والمناسبة يقدروا يردوا على أي أسئلة تخص نورثستار.”

​عادل باصصلي ومبرق.

​”مين الناس المختصة دي؟”

​قبل ما ألحق أرد، تليفوني اهتز على الترابيزة جنب طبقي.

​بصيت تحت بسرعة.

​كانت رسالة من المستشار القانوني لمجموعة ألدر.

​”اللجنة المستقلة وصلت لقرار مجلس الإدارة. تم اعتماد إجراءات إدارية مؤقتة. الإشعارات الرسمية بتجهز حالياً.”

​قريت الرسالة مرة واحدة.

​وبعدين قلبت التليفون على وشه.

​عادل كان مراقبني بنظرة قلقة.

​”كلير، هو كل حاجة تمام؟”

​”آه، تمام.”

​”هي الرسالة دي تخص سانت كاترين؟”

​رفعت حاجب.

​”ليه فترضت كده أساساً؟”

​بص بعيد.

​”مفيش سبب.”

​ندى لمست دراعه.

​”يا عادل، أنت شكلك غريب ومريب النهاردة.”

​”أنا كويس.”

​بس مكنش كويس خالص.

​صوابعه مسكت في كوباية المية بقوة وشدة.

​بعد لحظة واحدة، تليفونه هو كمان بدأ يهز ويرن.

​بص على الشاشة.

​ملامح وشي اتغيرت وبقت مرعوبة.

​وبعدين التليفون اهتز تاني.

​وتالت.

​بص ناحيتي بنظرة مختلفة تماماً عن اللي كانت باينة عليه في الأول.

​مبقاش فيه أي هزار.

​مبقاش فيه أي نصائح متعجرفة عن شغل النظافة ومسح الحمامات.

​فيه بس قلق ظاهر وملموس.

​”يا كلير،” قال بصوت واطي وخافت، “ممكن أتكلم معاكي على جنب لوحدنا؟”

​هزيت راسي بالنفي.

​”لو الموضوع يخص المستشفى يا عادل، المفروض تتواصل مع فريق المراجعة المختص.”

​أمي شكلها بقى خايف ومرعب.

​”هو فيه إيه بيحصل هنا؟”

​طبقت المنديل بتاعي.

​”مفيش أي حاجة تستاهل تتناقش هنا على عشا عيد الشكر.”

​بس عادل لسه كان مسمّر عينه على الشاشة.

​ندى قربت منه أكتر.

​”إيه اللي حصل؟”

​مردش.

​بدل كده، همس بحاجة مكنتش سامعاها كويس.

​”حددوا ميعاد اجتماع طارئ.”

​جدتي رجعت لورا وقعدت برياحة على كرسيها.

​”طب كويس،” قالت بهدوء وثبات، “يمكن المفروض الكل يفتكر إن قيمة البني آدم عمرها ما بتتقاس بالمسمى الوظيفي.”

​ابتسمت لها بحب.

​وهي كانت صادقة جداً.

​أنا عمري ما حسيت نفسي أحسن أو أعلى من الناس اللي بينظفوا أوض المستشفيات.

​بل بالعكس، أنا كنت بحترم شغلهم جداً وبقدره.

​المستشفيات مستحيل تشتغل بأمان من غيرهم.

​اللي وجعني مكنش إني اتقبضت إني عاملة نظافة.

​اللي وجعني هو إني شفت عيلتي بتستغل الفرضية دي كمبرر عشان يقللوا مني ويبصوا لي باحتقار.

​قمت وقفت ومديت إيدي أجيب الكوتشي والكوت بتاعي.

​بابا بصلي باستغراب.

​”كلير، أنتِ ماشية؟”

​”آه. أعتقد إني اخدت كفايتي من الإثارة في عيد الشكر ده.”

​”يا حبيبتي،” بدأ يقول، “موضوع الخمسين جنيه ده…”

​ابتسمت له ابتسامة خفيفة.

​”خليها معاك يا بابا.”

​ندى فضلت قاعدة وساكتة خالص.

​وعادل لسه باصص للرسالة اللي على تليفونه بشغل مقبوض.

​وأنا رايحة عند الباب، أمي نادت عليا بصوت عالي.

​”يا كلير، كان ممكن تقولي لنا الحقيقة بدري عن كده!”

​وقفت مكاني.

​بعدين التفتت وبصيت لها.

​”يا ماما، أنا قلت لك الحقيقة من سنين طويلة. بس أنتِ كنتِ بتفضلي النسخة اللي بتخلي ندى تبان أنجح.”

​محدش نطق بكلمة.

​تيتا إيفلين قامت ومشيت لحد عندي وحضنتني جامد.

​”أنا فخورة بيكِ جداً،” همست لي في وداني.

​حضنتها بقوة.

​وبعدين مشيت وسبتهم.

​برا، الهواء كان لطيف ومنعش جداً.

​يا دوب وصلت عربيتي ولقيت ريم، المستشارة القانونية بتاعتنا، بتتصل بيا.

​”كلير، حبيت أتأكد إن التحديث وصلك تمام.”

​”شفته. هو كل حاجة اتعاملت من خلال المسار المستقل؟”

​”أيوة. مجلس الإدارة اعتمد التدابير المؤقتة عقبال ما نخلص باقي الأسئلة. والإشعارات الرسمية هتطلع في القنوات المناسبة.”

​سندت على العربية.

​”وسجلات الموردين؟”

​حصل صمت قصير في التليفون.

​”هو ده سبب اتصالي بيكي أصلاً. المراجعة الأخيرة لقت اتفاقية إضافية تخص نورثستار.”

​بطني انقبضت من القلق.

​”اتفاقية تانية؟”

​”أيوة. اتلقت وسط السجلات المرتبطة بمشتريات قسم العظام.”

​بصيت ورايا ناحية النوافذ الدافئة المنورة في بيت أهلي.

​جوة، عيلتي غالباً لسه قاعدين بيتناقشوا في مفاجأة إني مالكة المستشفى اللي عادل شغال فيها.

​بس هما مكنش عندهم أي فكرة إن التحقيق طلع مستند تاني مهم جداً.

​مستند بيطرح أسئلة جديدة بالكامل.

​ريم كملت كلامها.

​”كلير، فيه حاجة غريبة قوي في تفويض التوقيع المرتبط بالاتفاقية دي.”

​”إيه هي؟”

​”الاسم المسجل كمسؤول معتمد وموقع…”

​وقفت مكاني ومتحركتش خالص.

​”اسم مين؟”

​ريم خدت نفس طويل.

​”اسمك أنتِ.”

​لحظة كاملة، مكنتش قادرة أنطق بحرف.

​لأني عمري ما وافقت على أي عقد يخص شركة نورثستار للمستلزمات الطبية دي نهائياً.

​وأنا أصلاً تعمدت أبعد نفسي عن التحقيق بالذات عشان عادل جوز أختي.

​”يا ريم،” قلت بحذر شديد، “هل تقصدي إن فيه حد قدم مستند مزور وكتب اسمي إني أنا اللي وافقت على المعاملة دي؟”

​”ده اللي السجلات مبدئياً بتقوله. لازم نتأكد ونوثقه الأول قبل ما نحط استنتاجات نهائية.”

​بصيت على شباك بيت أهلي مرة تانية.

​عادل كان واقف جنب ندى، وبيتكلم بصوت عالي ومستعجل في تليفونه.

​وفجأة، اهتمامه المفاجئ بشغلي ودخولي في موضوع مشتريات المستشفيات بقى ليه معنى واضح ومنطقي.

​المفاجأة الكبيرة مكنتش إن معايا مستشفى جوزي أختي شغال فيها.

​المفاجأة الكبيرة هي إن فيه حد استخدم اسمي في اتفاقية مالية أنا عمري ما وافقت عليها.

​ولما المحققين المستقلين يوصلوا لآخر خيط يعرفوا مين اللي عمل التفويض ده، العواقب هتعدي حدود عشاء عيد الشكر ده بكتير أوي.

«لو في يوم يا كلير عوزتي شغلانة ثابتة في النظافة، أنا غالباً أقدر أظبط لك حاجة».

​كذا ابن عم رجعوا ضحكوا تاني.

​«يا لك من كريم»، رديت بهدوء وثبات.

​ابتسم، وكان واثق تماماً إنه أحرجني قدام الكل.

​لمدة تلات سنين، عيلتي كانت بتقدمني للناس على إني واحدة شغلتها الصيانة في سانت كاترين.

​وتقنياً، الكلام ده مكنش غلط تماماً.

​أنا كنت أحياناً برافق عمال الخدمات البيئية في جولاتهم الصباحية بدري.

​كنت بساعد في تنظيف أوض المرضى، وأفحص دولاب المستلزمات، وأسمع عمالنا وهما بيتناقشوا في مشاكل نادراً ما بتوصل للمكاتب الإدارية.

​بس كان فيه تفصيل واحد ومهم عيلتي كانت بتتجاهله تماماً.

​إني أنا اللي أملك الحصة الحاكمة في المستشفى.

​من خمس سنين، كنت باعت شركة برمجيات طبية أسستها وبنيتها بنفسي من الصفر.

​واستخدمت جزء من الفلوس عشان أسس “مجموعة ألدر للرعاية الصحية”، وهي شركة استثمار تركيزها تطوير المنشآت الصحية المتعثرة.

​ومع الوقت، ألدر استحوذت على حصص حاكمة في ست مستشفيات، ومن ضمنهم سانت كاترين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *