صرفت مرتبي

صرفت المرتب كله النهاردا عشان أدلع عشيقتي بالهدايا البراندات والمحلات الغالية في التجمع. بس لما رجعت بيتي بالليل، لقيت مراتي، وبنتي اللي لسه مولودة، وكل حاجة بنيناها سوا اختفت. مفيش حاجة سيباها وراها في الشقة غير مغلف بني كبير (مغلف ورق)—واللي لقيته جواه هد كل حاجة كنت فاكر إني لسه بملكها.
​أنا اسمي كريم، واليوم اللي حياتي اتدمرت فيه بدأ زي أي كذبة عودت نفسي أقولها عادي.
​الصبح، قلت لمراتي “ندى” إني مضطر أعدي على فرع الشركة في القرية الذكية بكام ساعة كده عشان ورايا شغل مهم.
​وهي صدقتني.
​طبعاً صدقتني.
​دي كانت بتصدقني في أي حاجة.
​من تلات شهور بس، ندى كانت ولدت بنتنا “فريدة”. لسه فاكر شكلي وأنا واقف جمب سريرها في المستشفى في مصر الجديدة، وماسك إيدها ودموعي في عيني، وبحلف لها إني هكون الزوج والأب اللي تستاهله وتتمناه.
​وقتها، يمكن كنت صَادق فعلاً وبقصد الكلمة.
​بس الوعود سهلة لما تكون ببلاش ومش مكلفاك حاجة.
​أما إنك توفي بوعدك، هو ده المحك اللي بيبين أنت راجل بجد ولا لأ.
​وأنا فشلت.
​بدل ما أروح الشغل الصبح، غيرت طريقي ورحت أخدت “رانيـا”.
​عشيقتي.
​قضينا اليوم كله بنلف في مولات التجمع والشيخ زايد، وبندخل محلات لبس وشنط براند، وكأن مفيش ورايا أي مسؤولية في الدنيا. اشتريت لها شنطة غالية جداً، وبرفانات تمنها يعدي ميزانية أكل البيت في شهر، وحلق ألماظ كانت كل شوية ترفعه لفوق عشان تشوف بيلمع ازاي تحت الإضاءة.
​كانت بتضحك.
​وأنا بضحك معاها.
​لكام ساعة كده، عيشت نفسي في وهم إني مش متجوز.
​ومش أب.
​وإني مش راجل سايب مراته في البيت، لسه تعبانة وبتتعافى من الولادة، وقاعدة لواحدها بتهتم ببنتنا الرضيعة.
​مفكرتش في ندى خالص.
​ولا حتى وهي رانيا ماسكة في دراعي.
​ولا وأنا بطلع الفيزا وبدفع الأرقام دي كلها.
​ولا وهي بتبتسملي وبتقولي “أنت كريم أوي يا حبيبي”.
​ولا خطرت على بالي ثانية واحدة.
​على ما رجعت البيت بالليل، كانت الدنيا ضلمت تماماً. ركنت العربية تحت البيت وأنا راجع منتعش ومبسوط من نفسي، وعندي ثقة الراجل اللي مفكر نفسه مقطع السمكة وديلها ومحدش كاشفه.
​فتحت باب الشقة.
​ووقفت مكاني.
​الهدوء كان أول حاجة خبطت في وشي.
​بس مكنش الهدوء بتاع طفلة نايمة في أمان الله.
​الهدوء كان أعمق من كده بكثير.
​بارد.
​ويخوف.
​ناديت: “ندى؟”
​مفيش رد.
​دخلت جوة شوية، وبطني بدأت توجعني من القلق.
​الريسبشن كان شبه فاضي!
​الأنتريه مش موجود.
​الترابيزة اللي في النص مش موجودة.
​برواز صور فرحنا وصورنا اللي كانت مالية الحيطة اختفت. مرجحة البيبي الصغيرة، السبت اللي فيه الهدوم والبطاطين بتاعة البنت اللي ندى كانت بتطبقها جمب الكرسي—كل ده ملوش أثر.
​لفترة وقفت مش قادر أتحرك من الصدمة.
​بعدها الرعب جري في دمي.
​جريت على أوضة الأطفال.
​السرير الفرفور الصغير كان فاضي.
​مفيش بطاطين.
​مفيش ألعاب.
​مفيش حتى جهاز مراقبة البيبي اللي كان بينور في الضلمة.
​مفيش صوت نفس فريدة الهادي وهي نايمة.
​مفيش أي حاجة.
​الأوضة كانت لدرجة تخليك تحس إن بنتي دي مجتش الدنيا أصلاً ومكنتش هنا.
​فضلت ألف في الشقة زي المجنون، أصرخ باسم ندى، بس كل أوضة بدخلها كانت بتأكدلي الكابوس اللي أنا فيه.
​هدومها مش موجودة.
​جزمها مش موجودة.
​علبة مجوهراتها ودهبها اختفت.
​الشامبو بتاعها، كتبها، مخدة الرضاعة، حتى صورة السونار اللي كنا حاطينها في برواز في الطرقة—كله اتمسح.
​أي حاجة تخص ندى وفريدة ملهاش وجود.
​مفيش غير حاجتي أنا بس اللي باقية.
​كأنها قشرت نفسها وبنتي من حياتي بالراحة، وسابتلي القشرة والحيطان الفاضية.
​وفجأة شوفتها.
​مغلف بني كبير (ورق مانيلا) محطوط على رخامة المطبخ.
​اسمي كان مكتوب عليه من بره بخط إيد ندى.
​إيدي كانت بترتعش قبل ما ألمسه حتى.
​قطعت المغلف وطلعت اللي جواه.
​لقيت ورق قضايا طلاق.
​وبعدها كشوف حسابات البنك.
​ووصلات الفنادق.
​وفواتير المطاعم.
​وكشوفات حركة الفيزا كارد بالقرش.
​وسكرين شوتس مطبوعة لرسائل وشات.
​كل قرش صرفته في السر.
​كل خروجية داريتها.
​كل كذبة كنت مفهم نفسي إني دافنها في مكان غريق ومحدش هيعرفها.
​كانت في صفحات متعلم عليها بقلم ماركر أصفر، كأن ندى بتقولي: “عشان متبقاش تعمل نفسك مش فاهم”.
​وبعد كده الصدمة الكبيرة… الصور!
​صور لي أنا ورانيا وأحنا ماشيين سوا.
​وأحنا داخلين كافيهات.
​وأحنا خارجين من مطاعم.
​رانيا وهي لابسة الهدايا اللي جايبها بفلوس كان الأولى بيها بيتي وبنتي.
​كل خيانة كانت متصورة وموثقة باليوم والساعة.
​كل حجة كنت هقولها اتهدت قبل ما تطلع من بقي.
​وعلى وش الورق كله، كانت سايبة ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيدها.
​جملة واحدة بس:
​”أنت اخترتها هي.. ألف مبروك عليك، اشبعوا ببعض. متدورش علينا، والمحامي بتاعي هيكلم المحامي بتاعك.”
​رميت نفسي على كرسي المطبخ، وبقيت بَبُص على حطام حياتي اللي مفرود قدامي على الترابيزة.
​في اللحظة دي، شريط الأيام رجع لورا بوضوح.
​رانيا بدأت تشتغل في الشركة عندي وندى لسه حامل. كانت بنت فرفوشة، مفيش وراها مسؤولية، وكلامها حلو، ومعندهاش أي هم من الهموم اللي كانت بتستناني في البيت.
​مفيش بيبي بيعيط.
​مفيش مشاوير لدكاترة أطفال.
​مفيش صحيان بليل للرضاعة.
​مفيش زوجة هلكانة وتعبانة بتطلب مني مساعدة أنا أصلاً مكسل أعملها.
​رانيا كانت بتخليني أحس إني مرغوب ومسيطر من غير ما تطلب مني أي مجهود.
​وبدل ما أكون صريح مع نفسي، قنعت نفسي إن ده “حب”.
​قلت لنفسي: “أنا من حقي أرتاح شوية”.
“ندى اتغيرت ومبقتش بتهتم بيا”.
“مسؤولية الخلفة دي خنقة وتعب”.
​قلت لنفسي كل الكلام الأناني اللي أي راجل شمال بيقوله لنفسه عشان يحلل الغلط اللي بيعمله.
​بس وأنا قاعد في بيتي الفاضي ده، شوفت الحقيقة واضحة وعريانة.
​رانيا مسرقتش حياتي ولا حاجة.
​أنا اللي روحت وسلمتها لها على طبق من فضة.
​تلفوني اتهز في إيدي.
​رسالة من رانيا على الواتساب:
“اليوم كان تحفة يا بيبي بجد ميرسي على الخروجة والهدايا.. مش قادرة أستنى أشوفك بكرة، متنساش تحط البرفان اللي بحبه 😉”
​بحلق في الشاشة.
​وبعدين بصيت لأوضة بنتي الفاضية.
​ورجعت بصيت لورق الطلاق.
​لأول مرة طول اليوم، اسم رانيا مخلانيش أبتسم.
​بالعكس… جابلي غممان نفس وقرف.
​حاولت أتصل بندى.
​الرقم غير متاح.
​بعتلها رسائل.
​مبتوصلش.
​فتحت كل الأبليكيشنز، فيسبوك، واتساب، إنستجرام… كل طريقة ممكنة.
​بلوك.
​من كل حتة في الدنيا.
​دي كانت مرتبة كل حاجة على الهادي ومن ورايا.
​وهي لسه والده وبتتعافى.
​وهي شايلة فريدة لوحدها.
​في نفس الوقت اللي كنت بستغفلها فيه وأروح أشتري هدايا لواحدة تانية، وأنا فاكر إنها غلبانة ونايمة على ودنها ومش واخدة بالها من حاجة.
​لكنها كانت كاشفاني وعارفة دبة نملة.
​وكانت بتجهز للضربة القاضية.
​رجعت أفر في الورق والوجع والندم بياكلوا في صدري.
​لحد ما عيني وقفت على سطر جمد الدم في عروقي:
“طلب حضانة كاملة ومنع من الرؤية بناءً على الإهمال الأسري وتبديد أموال الأسرة والطفلة في فترة الرضاعة”.
​إيدي نملت.
​فجأة، ورق الطلاق مابقاش أسوأ حاجة.
​والشقة الفاضية مبقتش هي المشكلة الكبيرة.
​وحتى خسارتي لندى كـ زوجة مكنش هو الرعب اللي كتم نفسي.
​الرعب كله كان عشان “فريدة”.
​بنتي.
​البنت اللي كنت بحرم نفسي من شيلها بحجة إني “راجع تعبان من الشغل وراجع متأخر”.
​البنت اللي وعدتها هحميها بدمي وهي لسه مش فاهمة صوتي.
​لأول مرة أفهم إن الموضوع مش إني هطلق وبس…
​أنا ممكن يتشال مني لقب “أب” وملمسهاش تاني.
​قلبت الصفحة الأخيرة عشان أشوف آخر المأساة…
​وهناك كانت المفاجأة.
​آخر دليل ندى سيباهولي.
​الحاجة الوحيدة اللي هتهد أي دفاع أو كذبة ممكن أقولها قدام المحكمة أو قدام أهلي…
​الجزء التاني: لما رجع البيت المغربية كده، حس بإن فيه حاجة غلط من أول خطوة. البيت كان هسسس، هدوء غريب مش طبيعي.. لا حس ولا خبر، ومفيش أي دفا للمة العيلة. دخل جوه والذعر بدأ يأكل قلبه—عفش ناقص، صورهم اللي كانت مالية الحيطان اختفت، وحتى هدوم ولعب البيبي مفيش ليها أثر!
​دخل المطبخ، لقى ظرف مقفول مكتوب عليه اسمه “كريم”. فتح الظرف وصدمته كانت كفيلة توقف قلبه؛ أوراق قضايا طلاق، كشوفات حسابات البنك، فواتير، وصور متقاطعة بتكشف خيانته بالتفصيل الممل! “ندي” كانت عارفة كل حاجة ومراقبة كل خطوة. سابتله ورقة صغيرة كلمتين وبس: إنها خدت بنتها “فريدة” ومشت، وإنها خلاص بدأت في الإجراءات القانونية، ورفعت عليه قض..ية طامحة تاخد فيها الحضانة وتطردة من الشقة، بناءً على قضايا تبديد العفش والضرر المادي والنفسي.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​النهاية الصادمة:
​فتحت الورقة الأخيرة وإيدي بتترعش، وكنت فاكر إن خلاص مفيش أسوأ من اللي شفته. بس الورقة دي كانت الرصاصة اللي هدت كل حاجة فوق دماغي.
​كانت مفردات مرتب وعقد شراكة صوري من ورايا!
​ندى مكنتش بس بتراقبني وأنا بضيع فلوس البيت على رانيا، ندى اتقابلت مع صاحب الشركة بتاعي وعرفت إني كنت باخد نسب وأرباح إضافية من وراه ومخبيها في حساب سري باسم رانيا عشان نشتري بيه شقة تانية في الشيخ زايد.
​الجملة اللي كانت مكتوبة تحت عقد الشراكة بالماركر الأحمر كانت:
​”أنا مأمنة نفسي وبنتنا من سنة يا كريم.. الشقة والعربية والشركة كمان، المحامي بتاعي رفع بيهم قض..ية تمكين وحجر على الأرصدة عشان دي فلوس بنتي اللي كنت بتسربها.”
​قعدت في وسط الصالة الفاضية، التلفون في إيدي عمال ينور برسائل رانيا وهي بتدلع وتطلب حاجات تانية، وأنا حاسس إني بختنق. المكالمات كلها مابتجمعش، وأهل ندى تلفوناتهم غير متاحة.
​فجأة الباب خبط.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​جريت وكنت فاكرها ندى رجعت في كلامها أو بتهددني بس. فتحت الباب ودموعي في عيني، بس لقيت راجل غريب لابس بدلة ومعاه ورق كتير.
​نظرلي ببرود وقالي: “أستاذ كريم؟ أنا المحضر. اتفضل استلم إعلان دعوى الطلاق للضرر، وجلسة التمكين من الشقة اللي إحنا واقفين فيها دي.. قدامك 48 ساعة تخلي حاجتك الشخصية.”
​وقعت الورقة من إيدي على الأرض. بصيت للشارع، الدنيا كانت ضلمة وكئيبة، ولأول مرة أدرك الحقيقة المرة:جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أنا مأخسرتش بس مراتي وبنتي.. أنا خسرت نفسي، وبيتي، وكل مليم شقيت فيه، عشان وهم عيشت نفسي فيه. * رانيا مش هتدوم أول ما تعرف إن الفلوس اتمسكت، وندى مش هترجع، وأنا بقيت مجرد حيطان فاضية في شقة مبقتش بتاعتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *