اهل جوزي طمعانين فيا حصري لصفحة روايات رولا

دي قصتي، وأولها كان السؤال اللي أمه رمته في وشي وهو لسه بين الحيا والموت:
​”لو بتحبيه بجد، ادفعي مصاريف الجنازة والسرادق من غير ما تسألي ولا كلمة!”
​ما سألتنيش أنا عاملة إيه.
ما خدتنيش في حضنها.
ولا حتى قالتلي “شد حيلك يا بنتي”.
​كل اللي عملته إنها مديت إيدها، كأن وجعي وحزني مالهومش أي قيمة غير إنهم فيزا كارت هيتسحب منها!
​أنا اسمي مريم، عندي أربعة وتلاتين سنة، وكنت متجوزة هشام بقالي طنتاشر سنة. في الليلة دي وصلت مستشفى الشروق في التجمع الخامس، شعري مبلول من المطر، وإيديا متلجة، وقلبي بيدق بطريقة غريبة كأنه عايز يهرب من صدري قبل ما يسمع الحقيقة.
​الممرضة كلمتني الساعة عشرة وتلت بالليل:
— حضرتك مدام هشام عبد الله؟
​كلمة “مدام” ساعتها طالعة غريبة، كأنها بتقولها بحذر عشان متكسرش حاجة.
​سوقت عربيتي من بيتنا في الرحاب لحد المستشفى في أقل من ربع ساعة. فاكرة كويس شكل إشارات المرور وهي ممسوحة من المطر، والموبايل اللي ما بطلش زن على الكرسي اللي جنبي. كانت حماتي، الحجة ثريا. مارديتش.. كنت عايزة أوصل الأول، عايزة أشوف هشام، عايزة أصدق إن لسه فيه أمل ونلحق أي حاجة.
​أول ما دخلت الطوارئ، الممرضة بصلتلي بنظرة فيها شفقة على تحذير:
— يا مدام، قبل ما تدخلي، لازم أقولك حاجة.. أستاذ هشام ما جاش لوحده.
​حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي:
— يعني إيه ما جاش لوحده؟
​الممرضة فتحت باب الاستراحة.
​لقيت حماتي وحمايا، عم حسني، قاعدين وكأن المستشفى ملكهم. ومعاهم إسلام، أخو هشام الصغير، ماسك موبايله وماسك أعصابه بالعافية. وجنبهم.. على كرسي في الزاوية، كانت قاعدة واحدة عمري ما شفتها في حياتي.
​في التلاتينات كده، شعرها أسود ولمّاه بسرعة، لابسة بلوزة ستان أوف وايت ومكرمشة، ومكياجها سايح بس شفايفها بترتعش. لما رفعت عينها وبصلتلي، ما شفتش في عينها نقطة كسوف أو خجل.. شفت تحدي!
​حماتي قامت أول ما شافتني:
— أخيراً جيتي!
​أخيراً!
مش “يا مريم الحقينا”.
مش “هشام تعبان أوي يا بنتي”.
أخيراً!
​البنت اللي لابسة البلوزة الأوف وايت بصلت في عيني تلات ثواني، وبعدين بصلت للشباك.
​— مين دي؟ — سألت بصوت طالع بالعافية.
​محدش رد.
​الدكتور خرج من أوضة الملاحظة وفي إيده الملف:
— أنا مراته — قلتها قبل ما حد يتكلم نيابة عني — قوللي بالضبط إيه اللي حصل؟
​الدكتور أخد نفس عميق:
جاله أزمة قلبية حادة وهو في شقة في الزمالك، والبنت اللي عايشة هناك هي اللي طلبت الإسعاف. المسعفين لحقوه بالعافية في العربية، بس حالته حرجة جداً.
​شقة!
في الزمالك!
وجوزي اللي المفروض إنه في اجتماع شغل مع عميل في الشيخ زايد، يقع ويدوخ في شقة واحدة تانية؟!
​شنطتي اتزحلقت من على كتفي بس مسكتها جامد. كان فيها مفاتيحي، ومحفظتي، والفيزا السودا اللي عيلة جوزي بقالهم سنين بيتعاملوا معاها كأنها ورث أبوهم.
​— انتِ اسمك إيه؟ — سألت البنت.
​فتحت بقها تتكلم، بس حماتي اتدخلت بسرعة:
— مش وقت دراما يا مريم! احنا في إيه ولا في إيه؟ المهم نطمن على هشام!
​— أنا بسأل عن اسمها!
​البنت وُطّت عينها في الأرض:
— نادين.
​الاسم نزل عليا زي المية الساقعة.
نادين ما شرحتش حاجة، ما قالتش “أنا آسفة”، ما قالتش “والله ما كنت اعرف إنه متجوز”. فضلت قاعدة جنب حماتي وحمايا كأنها هي اللي من العيلة مش أنا!
​دخلونا صالة الانتظار. الإضاءة النيون البيضا كانت مخليا وشوشنا كلنا شبه الجثث. عم حسني اتنحنح وقال:
— لما هشام يقوم بالسلامة هيحتاج راحة وعناية، يمكن المفروض تاخدي إجازة من شغلك الفترة دي.
​بصلتله بذهول:
— أنا لسه عارفة حالا إن جوزي جاتله سكتة قلبية في شقة واحدة تانية! ممكن نستنى خمس دقايق قبل ما ترتبوا لي حياتي؟
​حماتي بوزت وقالت:
— نادين دي صاحبة هشام من زمان، موضوع قديم وما يفرقش في حاجة.
​من زمان!
الكلمة دي وجعتني أكتر من كلام الدكتور.
بصيت لنادين وهي بتلعب بخاتم رفيع في إيدها. “من زمان”.. حماتي لسه معترفة بعظمة لسانها إنها كانت عارفة وبداري عليا!
​هشام مات الساعة 4:16 الفجر.
​الدكتور قال إنهم حاولوا بكل الطرق، بس الأزمة التانية كانت قوية أوي. أنا سمعت الخبر وأنا قاعد على كرسي بلاستيك، حاضنة شنطتي لعندي، وما نزلتش دمعة واحدة. مش عشان مش موجوعة.. لا، عشان الصدمات جت ورا بعض بسرعة لدرجة إن عقلي عجز يفرز الوجع!
​جوزي مات.
جوازي كان كذبة كبييييرة.
والعيلة اللي كنت بصرف عليها وبشيلها على راسي متوقعين مني أدفع ثمن الكذبة دي كمان!
​الساعة سبعة الصبح، أختي سهيلة جالي عند المستشفى ومسكتني وأنا مش قادرة أقف على رجلي.
وعلى الساعة تسعة، كانت حماتي بدأت تتكلم في مصاريف الجنازة والسرادق:
— هشام طول عمره يقول عايز يتدفن في مدافن العيلة في الفيوم، ودار المناسبات محتاجة عربون دلوقتي.. وطبعاً انتِ اللي هتدفعي.
​سهيلة بصتلها بنظرة غضب أنا عمري ما شفتها في عين أختي:
— ده ابنك!
​— بس هي مراته! — ردت الحجة ثريا بمنتهى البرود — وهي اللي في إيدها الفلوس والحسابات.
​ودا كان صح.
أنا اللي كنت ماسكة الفلوس لأني أنا اللي كنت بشتغل وبشقى عشان أعملها!
​قسط الشقة كان بيتدفع من مرتبي.. الكهربا، المية، الماجلة والبيت، السوبرماركت اللي حماتي كانت بتطلبه أسبوعياً على حسابي، صيانة عربية حمايا، وحتى مصاريف كلية إسلام أخوه الصغير المتأخرة، ورحلات الشتا والصيف اللي كانوا بيطلعوها وكلها على كارتي!
هشام بقاله أربع سنين بيمشي حاله بـ “مشاريع حرّة” مش جايبة همها، وأنا اللي كنت شايلة البيت وممشية الدنيا عشان ما أحسسهوش بحاجة. كنت فاكرة إن ده حب جدعنة.. اتضاريت واكتشفت إنها كانت سبوبة!
​— محتاجة وقت أفكر — قلت بصوت واطي.
​حماتي بصتلي كأني شتمتها:
— عربون دار المناسبات والمدافن لازم يتدفع حالا!
​— يبقى ادفعوه انتوا.
​السكوت اللي جه بعد الجملة دي كان فاضح أكتر من أي كلام.
​بعد الظهر، أول ما رجعت البيت، فتحت اللابتوب بتاع هشام. ما كنتش بدور على وجع قلب، بس الوجع كان متستف في فولدرات، وباسوردات متسجلة، وصور متزامنة على الـ Cloud.
​عزومات وعشا في المطاعم الغالية في الكوربة وفي الشيخ زايد..
ويك إند في الجونة..
أسورة دهب أنا عمري ما شفتها ولا لبستها..
وصورة لنادين في صالون بيتي! قاعد على كنبني، وبتشرب قهوة في الفنجان الأبيض بتاعي!
​وفي اللحظة دي، جالي مسج على الموبايل من حماتي:
“بلاش دراما وشغل جنان.. ادفعي مصاريف الجنازة، هشام ما يستاهلش تبهدلي سمعته بعد ما مات.”
​كنت بصة للشاشة بذهول..
وفجأة، ظهرت إشعار من أبلكيشن البنك تحت المسج على طول:
​تم رفض عملية سحب: دار المناسبات والخدمات الفندقية. الكارت ينتهي بـ 7712.
​حماتي كانت لسه حالا بتحاول تسحب من كارتي وتستخدمه من غير إذني!
​وما كانتش تعرف إن دي هتبقى آخر مرة في حياتها، هي أو أي حد من عيلتها، يلمسوا فيها جنيه واحد من فلوسي!
الجزء الثاني بال
​الساعة 6:42 بالليل، الموبايل بدأ يزن ويتكلّم زي ما يكون فيه دَبّور محبوس جوّاه!
الأول إسلام اتصل.. بعده حماتي ثريا..
بعدهم عم حسني.. وبعدين إسلام تاني!
مارديتش إلا في المرة الخمسة.
​— عملتي إيه؟! — إسلام صرخ في وشي.
​كنت واقفة في المطبخ، اللابتوب مفتوح قدامي، وأجندة مليانة أرقام وحسابات. وبرة الدنيا بتنزل مطر شديد، وريحة البيت كلها قهوة معادة ومغليّة، وأكل محدش هيلمسه ولا ياكله.
​— مساء الخير يا إسلام.
— أمي كانت بتدفع عربون دار المناسبات، والفيزا اترفضت!
— عارفة.
— يعني إيه عارفة؟! دي كارت أمي بتستخدمه بقالها سنين!
— كانت مجرد ذوق وجدعنة مني.
— دي كانت فيزا هشام كمان!
​بصيت على الشاشة بتاعة أكونت البنك.. اسمي أنا بس اللي مكتوب. من يوم ما فتحته وهو باسمي أنا بس. هشام كان مجرد “مستخدم إضافي” مش أكتر. عيلته عمرها ما سألت الفلوس دي جاية منين ولا بتيجي إزاي، هما بس اتعودوا يمدوا إيدهم ويياخدوا!
​— لا، دي كانت فيزتي أنا.
إسلام ضحك ضحكة مريضة ومرّة: — أخويا لسه ميت من كام ساعة وانتِ قعدة تحسبي وتفكري في فلوسك؟!
— أنا بحمي حقي وفلوسي في فترة مشكوك فيها قانونياً.
​الجملة دي كانت لسه ملقناهاني “شهيرة”، المحامية بتاعتي. كلمتها فوراً بعد ما اكتشفت الصور والإيصالات والإيميلات. شهيرة ست ناشفة، ذكية جداً، من الستات اللي يعرفوا يقطعوا أي كذبة نصين بورقة رسمية واحدة.
​— غير المكتوبين في التركة أو التأمين؟ — سألتني شهيرة.
— لا.
— الشقة باسم مين؟
— باسمي أنا.
— وحسابات التوفير؟
— باسمي.
سكتت ثانية وقالتلي: — يبقى اتحركي فوراً وبسرعة قبل ما يلفقوا قصة على مزاجهم.
​وده بالضبط اللي عملته.
في اليوم ده راجعت كل حاجة: الكروت، الحسابات، التأمينات، عقود الشقة، والدفع التلقائي. الشقة اللي في الرحاب كانت باسمي أنا بس.. لأن وقت ما اشتريناها، حاجة جوة قلبي أصرت إن الاسم يبقى باسمي ومشاركهوش. وقتها حسيت بذنب كبير.. بس الذنب ده دلوقتي بقى زي نور كشاف في نفق ضلمة!
​شلت هشام من الكروت الإضافية.. لغيت أي صلاحيات.. غيرت الباسوردات كلها.. وقفت أي سحب تلقائي مش بتاعي.
سوبرماركت حماتي.. صيانة عربية حمايا عم حسني..
اشتراك الجيم بتاع إسلام.. حتى اشتراك شاهد ونيتفليكس اللي اكتشفت إنهم بيسحبوا مني وأنا معرفش!
​على الساعة تسعة بالليل، نادين كلمتني.
معرفش جابت رقمي منين.
— مريم.. أظن لازم نتكلم.
صوتها كان واثق، أكتر ما هو حزين.
— ما فيش أي كلام بيني وبينك.
— لا فيه.. هشام وعدني بحاجات كتير. قاللي إنه هيغير الأسماء في أوراق التأمين والتركة، وقاللي إنه عايز يؤمّن مستقبلي.
​حسيت بضحكة مكتومة ومريضة بتطلع من زوري بس كتمتها: — هشام كان بيوعد بحاجات كتير أوي.
— أنا فضلت معاه سنتين ونصف!
سنتين ونصف!
اتناشر سنة جواز، وهي بتقولها ببرود كأنها بتوريني إيصال شراء!
— يبقى أكيد عارفة برضه إنه مات وهو على ذمتي ومجوزني!
​نادين سكتت خالص.
— وعيلته كانت عارفاني وموافقة عليا — قالتها في الآخر — هما كانوا عارفين كل حاجة عننا، وكانوا بيعزموني في جمعاتهم.. أنا ماكنتش مجرد غلطة أو نزوة!
​الكلمة دي ضربتني في مقت\\ل. مش عشانها هي.. عشانهم هما!
افتكرت عزومة الشوي اللي كانت في بيت إسلام من الصيف اللي فات. أنا ساعتها ماعرفتش أروح عشان كان عندي تسليم مشروع مهم في الشركة. بعتّ مع هشام تورتاية وسلاطات.. وفي الليلة دي رجع وقاللي إن القعدة كانت عادية جداً.
​في واحدة من الصور اللي لقيتها على اللابتوب، لقيت الحقيقة!
نادين واقفة جنب حماتي ثريا، والإثنين بيضحكوا قدام الشواية.. حماتي كانت لابسة عقد اللؤلؤ اللي أنا أهديتهولها في عيد الأم! ونادين حاطة إيدها على دراع هشام!
وفي الخلفية على الترابيزة.. كانت التورتاية بتاعتي! تورتايتي أنا! وشغلي أنا! وفلوسي أنا!
غيابي اتحول لإذن وموافقة منهم!
​— إياكي تتصلي بيا تاني — قلتلها.
— أنا معايا مسجات! — هددتني — معايا إثباتات بكل اللي كان ناوي يعمله!
— ممتاز.. اديهم للمحامي بتاعك.
وقفلت السكة في وشها.
​تاني يوم الصبح، جالي جواب بعلم الوصول. نادين، عن طريق مكتب محاماة، بتدّعي إنها كانت في علاقة مستقرة مع هشام ولديها “توقعات مشروعة” في بعض الممتلكات بناءً على وعود منه قبل وفاته!
شهيرة المحامية ردت عليهم في أقل من ساعة.
الجواب مالوش أي أساس قانوني.. أي محاولة للضغط أو التشهير هتنتهي في النيابة.
​نادين اختفت.. بس عيلة جوزي ما اختفوش!
الجنازة والسرادق كانوا عبارة عن حقل ألغام.
​الحجة ثريا استقبلتني وهي لابسة أسود في أسود، وبتعيط بطريقة ممثلة قدام الكاميرات. لما قربت من الخشبة عشان أودعه، ووشوشتني في ودني:
— انتِ اللي تسببتِ في ده.. لو كنتِ ست عدلة ومرتاحة في بيتك، ابني ما كانش بَصّ برة ولا دور على الحنية عند غيرك!
​ولأول مرة من أيام، حسيت بنار طالعة في وشي. مارديتش.. بس بصيت حواليا.
لقيت نادين قاعد في أخر صف، لابسة نظارة شمس سودا، وجنبها إسلام.
لقيت حمايا وحماتي بياخدوا العزا وكأني غريبة أو واحدة دخلت عليهم غلط.
ولقيت بوكيه ورد ضخم مكتوب عليه: “من زوجة الفقيد مريم وعائلة عبد الله”.
أنا ما اشتريتش الورد ده ولا طلبت كتب اسمي!
​في اللحظة دي، جه موظف دار المناسبات ماسك فايل:
— مدام مريم، محتاجين توقيع حضرتك عشان نأكد الباقة الكاملة ونخصم المبلغ المتبقي من الكارت المسجل.
​الحجة ثريا رفعت راسها وقالت بثقة: — أمضي يا مريم.. بلاش تفضحينا قدام الناس أكتر من كده!
​مسكت الفايل وفتحت الحساب.
المبلغ كان خيالي ومستفز! تابوت خشب زان فاخر.. نقل خاص.. ورد مستورد.. سرادق مكيف.. وبوفيه مفتوح لمتين شخص! كل حاجة هما اللي اختاروها بنفسهم!
​رفعت عيني وبصيت للموظف: — مين اللي طلب واختار الحاجات دي؟
محدش اتكلم.
حد ما الموظف قال: — الحجة ثريا عبد الله.. هي اللي بلغتنا إن حضرتك اللي هتتدفعي وتغطي التكاليف كلها.
​قفلت الفايل بالراحة.
وقدام الناس كلها.. وهشام محطوط في خشبيته.. ونادين قاعدة تبص من أخر صف.. قلت بصوت واضح وسمعه الكل:
​— يبقى الأفضل إن الحجة ثريا هي اللي تدفع حسابه بنفسها!
​القاعة كلها سكتت والناس بقوا يتهامسوا.. بس اللي جاي كان أصعب وأمرّ بكتير!

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *