امي بتموت حصري لصفحة روايات رولا

​”أمي بتموت ومش معايا ثمن التذكرة”.. الصرخة دي طلعت مني وأنا واقفة في طابور محطة المترو والمطار، والناس بتترقبني بنظرات فيها قرف وتأفف.. لحد ما قرب مني راجل ببدلة وقال بصوت هادي: “تعالي معايا.”

​”لو أمك ماتت الليلة دي، مش ذنبي عشان مديتكيش فلوس.”
​دي كانت آخر رسالة بعتتهالي بنت خالي “شرين” قبل ما تعملي بلوك.

​كنت واقفة قدام شباك التذاكر في المطار، لسه بلبس التمريض بتاع القصر العيني، كعكة شعري منكوشة، وجزمتي عليها بقع كلور ودم، وتليفوني في إيدي بيرعش.

​”يا كابتن، أنا بكررها لحضرتك وللأسف شديد،” الموظفة قالتها وهي بتوطي صوتها عشان باقي الطابور ما يسمعش، “آخر كرسي فاضي لطيارة سوهاج بـ 2800 جنيه. ومقدرش أحجزه من غير ما تدفعي.”

​”أمي في العناية المركزة،” قلتها للمرة الرابعة، “جالها جلطة في القلب. أنا بنتها الوحيدة ولازم أكون جنبهـا.”

​البنت بصتلي بنظرة شفقة عاجزة، كأنها عايزة تساعد بس السيستم قدامها قافل.
“والله ما عندي صلاحية أطلع تذكرة ببلاش.”
​فتحت أبلكيشن البنك تاني، كأني لما أبص في الرصيد الفلوس هتنزل من السماء من كتر الاحراج.
​136 جنيه.

​ده كل اللي معايا.

​كنت بعت التلفزيون في التليفون، ورهنت حلقي عند السايغ اللي جنب المحطة، وصرفت الباقي كله عشان ألحق شيفتي. السفر بالأتوبيس بياخد 8 ساعات. وطيارة الساعة 6 أرخص، بس هتوصل متأخر أوي.

​الحاجة “أم سيد” جارتنا كلمتني من ثلث ساعة وصوتها متقطع من العياط: “الحقي يا فايزة.. الإسعاف أخدت أمك، وأنا هنا لوحدي مش عارفة أعمل إيه.”

​وأنا اللي طول الوقت بقول لأهالي المرضى: “اتنفسوا.. ادعوا.. تفاءلوا خير”، مش عارفة أشتري كرسي يرجعني للإنسانة الوحيدة اللي باقيلالي في الدنيا.
​كلمت خالتي.. ماردتش.

كلمت شرين، بنت خالي اللي أنا لسه دافعالها إيجار 3 شهور لما جوزها اتطرد من شغله.
ردت عليا بفويس:

“فايزة.. بلاش دراما والنبي. طول عمرك فاكرة نفسك بطلة عشان ممرضة وبتقولي بتنقذي أرواح.. طب روحي انقذي أمك بمرتبك بقى!”
​وبعدها بعتت الرسالة:

“لو أمك ماتت الليلة دي، مش ذنبي عشان مديتكيش فلوس.”
وبلوك.
​حسيت بقلبي بيتعصر ومفيش نفس.
ورايا، راجل ببدلة رمادي اتنهد بصوت عالي:

“أنستي هتنجزي ولا إيه؟ ورانا طيارات ومصالح!”
​بصيتله.. كنت عايزة أصرخ في وشه وأقوله إن أمي بتموت، وإني مش برغي وخلاص، وإني لو ينفع أطلع قلبي وأدفعه ثمن التذكرة هعملها. بس مفيش صوت طلع مني.. اكتفيت بالدموع.
​الموظفة قالتلي وهي حزينة: “في طيارة قاطرة الساعة 6.. بـ 1200 جنيه.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *