حنان 9
الفصل الخامس والعشرون
= الحمد لله، ما عندوش أي أورام خبيثة.
هتف بيها الدكتور لوالدين أحمد، عشان يتنهدوا هما الإثنين براحة، والأب قعد يردد بعض الأذكار بيحمد ربنا.. عاد الدكتور وقال:
= المريض لازم يمشي على نظام غذائي صحي مع العلاج، وهيرجع طبيعي بإذن الله.
وش نجية اتملى بالفرحة، فمن وجهة نظرها ربنا استجاب لدعاها.. وربما دي كانت عين وصابت ابنها وزوجته.. قاموا الإثنين وسابوا مكتب الدكتور وراجعين لأوضة ابنهم.. دخلوا عليه وكان باين عليه شويه تحسن رغم اصفرار وشه.. والمحاليل لسه معلقة في وريده.. دخلت أمه عليه بلهفة وقعدت تبوسه وتحضنه وهتفت بفرحة باينة:
= الحمد لله يا حبيبي.. الدكتور قال إنك هتتحسن قريب إن شاء الله..
أحمد اتألم وهو بيحط إيده الفاضية اللي مافيهاش محاليل على معدته مكان الوجع، وابتسم ابتسامة خفيفة وقال بصوت واطي:
= خدي بالك يا ماما، العملية لسه بتوجعني..
بعدت أمه حبة وملامح الزعل رجعت لوشها تاني وقالت بأسف:
= ولا يهمك يا حبيبي.. بكرة ترجع زي الحصان الرهوان..
رد أبوه وهو بيسبح على سبحته اللي لسه جايبها جديد:
= الحمد لله.. قدر الله وما شاء فعل..
سأل أحمد بصوت خافت:
= هي إلهام عيانة ولا إيه؟
وش أمه اتكدر ونظرت لأبوه بأسى، فرجع أحمد يسألها تاني:
= اتكلمي يا ماما.. في حاجة أنا ماعرفهاش؟
عضت على شفتها ومحتارة تقول له إزاي على اللي حصل.. فضلت ساكتة وتبادل أبوه نظرات متوترة، لحد ما أحمد هتف بصوت قلقان:
= قولولي إيه اللي حصل؟!
رد أبوه بضعف:
= نتيجة التحاليل ظهرت و..
حس أحمد إن في سر، فحث أبوه يتكلم:
= ظهر إيه في التحاليل يا بابا؟
بص أبوه للأرض وقال بحزن:
= التحاليل أثبتت إن الطفل نزل بسبب مشاكل وراثية عشان أنتوا قرايب.. والمشكلة دي هتتكرر مستقبلاً في أي حمل جديد يحصل.. ومافيهاش علاج..
عنيه اتسعت بحزن وأسى وضياع أمل، وحس بألم بياكل في كيانه كله.. هل مكتوب عليه إنه ما يترزقش بعيل؟ هل ده حصل عشان اعترض على حكمة ربنا؟ وجواه عمال يتردد اسمها.. “غمزة”.. وصرخ صوت جواه بيقول له: “إن ربك لبالمرصاد”.. جواه نار شاعلة في روحه، وغضب مش قادر يطفي ناره، عشان يفضل معلق بين نارين: طعنة أبوته الممزقة، ورجولته المشروخة!
الكلمة اتكررت في دماغه أكتر من مرة، عشان تنزل من عينيه دمعتين ندمانين على اللي عمله واقترفه.. هو ظلم وده نتيجة ظلمه، هو غلط يوم ما طلقها لذنب مالهاش يد فيه، اعترض على مشيئة ربنا فلا يلومن إلا نفسه.. ولما أمه شافت دموعه مغرقة وشه، شدته لحضنها تاني وهي بتضمه بقوة عشان تواسيه في مصيبته في صحته وذريته.. كان محتاج حضنها ومحتاج مواساتها، بل كان محتاج حد يأخذ بإيده ويرجعه من ضلاله للطريق المستقيم.. كان بين قوسين أو أدنى من الموت، وفكر إزاي كان هيقابل ربنا وهو ظالم لنفسه، وظالم لـ “غمزة”.. البنت الطيبة دي اللي ما أترددتش لحظة إنها ترضيه واستحملت طول لسانة وضربه وإهانته ليها وقابلت كل ده بطيبة ورضا بحالها.. وأخيراً ظالم لـ “إلهام”.. البنت اللي عشقته من طفولتها عشان يتجوزها بس كوعاء يخلف منه من غير ما يراعي مشاعرها كأنثى.. هو ظلم الكل معاه.. بكى في حضن أمه وهو بيهتف بندم:
= أنا ظلمت الإثنين يا أمي.. ظلمتهم يا أمي..
أمه أتحيرت من كلامه، فربتت على ظهره وسألته:
= ظلمت مين يا بني؟
ومالحقش يترد أو يشرح، لما سمع صوت باب الأوضة بيتفتح.. فمسح دموعه بسرعة ومش عاوز حد يشوف ضعفه، وعدل عدلته في القعدة وسمع صوتها الملائكي وهي بتهتف بصوت واطي:
= إزيك النهاردة؟ إن شاء الله تكون بقيت أحسن؟
التفت عشان يشوفها، كانت زي الملاك بصوتها وشكلها، هالة نور طالع منها سحر وجمال.. ست جميلة اعتادت تدخل عليه طول الأيام اللي فاتت بحكم شغلها كممرضة، خدودها بتحمر كل ما عينها تجي في عينه، وهو كمان كان بيحس بطيبتها وراحة بتجيله كل ما يشوفها.. قال وهو بيشوفها بتتأكد من المحاليل:
= إزيك يا ست أم رحمة؟
ردت بابتسامة واسعة:
= أنا الحمد لله، وأنت؟
بص لها بابتسامة ساخرة وقال:
= الحمد لله…
بصت له سماح وبعدين بصت لوالديه واستأذنت ومشيت.. وكل الألم والحزن اللي كان في صدره اتبدل لراحة ورضا أول ما شافها.. مش عارف إيه اللي بيحصل لما عينيه بتيجي عليها، طاقة إيجابية بتنشرها في المكان حواليها.. ورجع يفكر في الحال اللي وصل له، ونوى جواه إنه يكفر عن اللي عمله في حق زوجاته، وهيبدأ من عند إلهام، فالدرس كان قاسي ولازم يرجع ويصلح مساره عشان مش عارف إمتى ساعته هتتيجي وإمتى ربنا هيسترد أمانته.
اتحركت عضلة في فكه وذكرى بعيدة دخلت دهاليز ظلامه بصوت “غمزته” المعذب..
تقهقرت دوافعه وبقى عريان قدام الكل، وتطلع ابتسامة مريرة على شفايفه وهو بيغمغم:
= أنا ذبحتها.. وذبحت روحي..
اتنفس أحمد باختناق وهو بيرفع رأسه للسقف عشان الضوء القوي يعميه شوية، ونزل رأسه وهو بيغمغم بنبرة محروقة:
= دلوقتي بتحرق بذنوبي.. سأموت في اليوم ألف مرة وأنا عاجز إني أصلح اللي جنيته بإيديا..
شحوب وشه، ونظرات عينيه اللي بتحكي عن ألم هو كان بارع يوجهه للي ما تستاهلوش، قرأته أمه اللي هي الوحيدة اللي بتقرأ روحه.. تخبطات إيديه، ورعشة جسمه.. والبرودة اللي في جسمه كله غلط..
التفت أحمد للحيطة بكل الألم والغضب والكره لنفسه.. عشان يكلم الحيطة بكل غل، وهو بينفذ آخر كلماتها عن قطع الإيد.. وبيتمنى دلوقتي لو إيده اتقطعت قبل ما يتجرأ عليها بالضرب والإهانة والذل.. انفجر يصرخ بأغلاله اللي قيدته..
= افتكرت إني هقدر أواجه نفسي وجنوني، بس ماقدرتش.. أنا مش عارف أنا عملت إيه!
لقد قتلتها بإيديا العريانين! بص لإيديه ومش مصدق، هو أهان وقتل ست قلبه دق ليها لأول مرة..
ذنوبه الكثيرة ما بقتش تشفع له عندها، بقى ملوث ومليان ذنوب وخطايا..
واقترف جري\مته العظمى فيها، وحلم عروسته بفستانها الأبيض حوله لحرب دماء..
ريحتها معلقة في مناخيره، ليهمس بعذاب:
= أنا خذلتها..
حطت نجية إيدها على قلبها وبتطبطب بوجع، وجع على ابنها وعلى غمزة اللي حظها المايل جابها كنة ليهم عشان يذوقوها كل ألوان العذاب والمرار.. أما عن بنت أختها إلهام فماكانش حظها أحسن من ضرتها غمزة.. رغم إنها كانت بتلاقي كل احترام ودعم عكس ضرتها بس عمرها ما نالت حبه ولا قلبه.. بكت في صمت وهي بتستقبل صدمات تخبطات ابنها، والضحية الوحيدة هنا هي اللي ذبحوها على مقصلة التجبر والظلم، عشان تنالها العدالة السماوية.. وتحصد نتيجة أفعالها وظلمها لبنت ذنبها الوحيد يتيمها وفقرها اللي رمى بيها في براثن اللي ما بيرحمش..
لمس إيدها بحذر وقال:
= سحر.. أنا معجب بيكي…
بصت له بهلع وهي مش مصدقة اللي بيقوله، ليزيد هو:
= بعد مرور عدة أسابيع استدعى منير سحر لمكتبه، خطت لمكتبه بقدمها وكأنها خطت من قدر لقدر.
أسرته عيونها البندقي.. بتلقائيتها وخفة روحها وشفافيتها.. هطلت وعودها حبال تربط قلبيهم للأبد، شائت أم أبت دي الأقدار والقلوب قالت كلمتها.. ولتتوالى الوعود بتوالي العيون في روايتك الملحمية الأحداث.. الرقيقة المشاعر.. القوية الألفاظ.. المجنونة المشاهد.. والمليانة بحبكة ما نسجتهاش إلا أنامل قرنفلة خبيرة في عالم الخيال والأدب.
عيونه السوداء وكأنها الوضوح كله.. لقاء عينها اللي امتزجت بلون قهوته وكأنها جنية نزلت عليه من عالم الأساطير.
رفعت خصلات شعرها الفحمي وراء أذنها وهي بتهتف:
= الله! الجو هنا بارد جداً، يا حظك! إحنا هنموت من الحر برة!
وقالت وهي بتعض على شفتها التحتانية بتمني:
= إيه رأيك يا بشمهندس أشاركك المكتب ده وأساعدك في كل شغلك؟
أنطز بوسطه واقف واكتحرك وهو بيشير ليها تقعد على الكرسي اللي قدامه وهو بيعد يقعد قدامها مباشرة..
وهو بيبيبتسم بكياسة وعينيه مثبتة بمكر عليها وهو بيقول لها:
= أنتِ عاوزة تشاركيني مكتبي عشان تساعديني في شغل صح؟
بهزت رأسها ببلاهة: نعم.. بينما هو استرسل قائلاً:
= حقاً أنتِ عاوزة تشاركيني المكتب ده عشان التكييف والهواء البارد؟
وقعد يشير بإيده على أنحاء غرفة مكتبه وكأنه بيأكد على غرضه من الكلام.. ولما قام واقف وقرب منها وهو بينحني بوسطه قائلاً:
= أنتِ عاوزة تشاركيني المكتب، وأنا عاوزك تشاركيني حياتي لآخر نفس.. لتكوني النسمة الناعمة في حياتي…
رفرفت برموشها وهي مش مستوعبة وبفوق مفتوح أردفت:
= مـ.. مـ.. ماذا؟ قـ.. قـ.. قلت إيه؟
هتف لها وهو بيبرع في رسم ابتسامة رائعة ويقول وهو مبتسم:
= من أول مرة شفتك وأنا حسيت برابط قوي بيشدني ليكي، بيجذبني زي المغناطيس.. والانجذاب ده بيزيد يوم عن يوم.. لقيت فيكي كل اللي بتتمناه في البنت اللي نفسي أرتبط بيها رغم تحفظي على بعض الحاجات.. مش عارف يمكن نقاءك وتلقائيتك وطفولتك فيهم سر؟ سحر أنتِ اللي كنت بدور عليها، ومن أول يوم شفتك عرفت ده رغم إني حاولت أهرب من الإحساس ده..
بصت له بدهشة وبلاهة، وسحبت إيدها الملامسة لإيديه قبل ما تقول بصعوبة:
= إيه اللي بتقوله ده لو سمحت؟ سيبني!
أجابها مكملاً من غير ما يعلق على كلماتها:
= أنا عاوزك معايا طول العمر.. عاوز أتجوزك.. وعارف إنك موافقة.. حتى قبل ما تقوليها صراحة..
وفجأة تحول خجلها لعناد من كثرة غروره وثقته بكلماته، فجاوته بتحدٍ:
= تتجوزني وعارف إني موافقة؟! إيه الغرور ده! ده على أساس إني عاشقة وولهانة حضرتك؟ ولا على أساس إنك معتقد لما تقول العبط ده هصدقك وأقول لك يا ريت؟! حضرتك أمين شرطة اسم الله ولا دبلوماتسي…؟
فتح بقه بشدة وهو بيقبض على رأسه بمحاولة لكتم ضحكاته وهو بيدعي الثبات قدامها…
= طبعاً حضرتك مش في اعتقادك ولا تصورك إن في حد ممكن يقول لك إنك مش فتى أحلام أي بنت..
أجابها بثقة:
= وليه لأ؟
ارتفع حجب من حواجبها من تحذلقه وقالت:
= وليه لأ!! لا هقول لك أنا ليه.. يا تقول لي أنت إيه اللي يجبرني أربط حياتي ب واحد مغرور كده ومش شايف على الكورة الأرضية حد غير نفسه وأوامره؟!
وإيه اللي يجبرني أضل مع واحد عابس ومكشر طول الوقت وجد؟ وأزيدك كمان شايفاك بتعشق الرقم 111!!
في الحقيقة أنت مش الشخص اللي شايفة حياتي معاه.. آسفة وأعتذر بشدة..
طالت نظراته الصامتة وسط ابتسامته الجانبية لحد ما رد متصنعاً عدم الحيلة:
= اعتذار مقبول من زوجتي المستقبلية…
خانتها ابتسامة غصباً عنها وهي بترد بفم ملتوي:
= زوجتك… ههههه… أظنك بتعشق أحلام اليقظة…
مال بوجهه على جسمها المليان بجانب جسمه الطويل والعريض لحد ما بقى في وشها تماماً وركز عينيه على عينها بيسألها بترقب ونبرة لها معنى:
= نعم زوجتي المستقبلية، عندك اعتراض؟!
قالها وهو بيلتقط مفتاح عربيته وهاتفه من على مكتبه وسحبها من إيدها زي طفلة صغيرة وخرج بيها من مكتبه وهو بيمر سكرتيرته بأنها تقول للساعي يجيب شنطة سحر وأغراضها من مكتبها لعربيته.
جالها حالة من الدهشة وعرقت وارتبكت من نظراته وقربه، ففضلت ساكنة وبتتطلع فيه بصمت وعيون زاغية من شدة الخجل.. عقلها ولسانها ما أسعفهاش للإجابة، فنظرت للأرض بتهرب من نظراته ومن الإجابة.. ضحك بصوت مكتوم وقرر يلعب على أعصابها شوية، فرسم ملامح الغضب والضيق على وشه بمهارة ووقف وبعدين هتف:
= بالطبع يا زوجتي المستقبلية، بعد طلبي ده مش هسمح لك بالتقصير أو التأخير عن شغلك..
وبعدين ألقى نظرة أخيرة ماكرة قبل ما يستدير ويهُم يركب عربيته في حركة مدروسة منه، حاولت تطلع من حالة الدهشة والابتعاد عنه وعن مرمى عينه وهتفت بعفوية:
= لا في طبعاً!
اتسعت ابتسامته بس خفاها بسرعة ورسم الجدية على وشه قبل ما يلتفت بجسمه ليها من جديد وقال:
= إيه هو؟!
بلعت ريقها بتوتر وعيونها راحت تتجول في كل مكان حواليها زي الكورة الدوارة من شدة اضطرابها، وبعدين بالعافية خرج همسها ضعيف ومتردد وهي بتفرك إيدها المليانة في الثانية:
= وأنا مش هعتبر نفسي سمعت منك حاجة، لحد ما تتقدم لطلبي من أهلي!
قالتها وهي بتعض على شفتها التحتانية..
الجنية دي مش عارفة إنها بالحركة دي أثارت رجولته.. وهو بيتأملها بأعين هائمة بتطلق سهام العشق.. وسط ابتسامته اللي حكت أكثر من شفايفه.. ود للحظة إنه يأخذها بين دراعاته ويمطرها بوابل من قبلاته بس هيهات!
خرج صوته الرجالي ممتزج ببحة غرامية تدوب القلوب:
= آه لو تعرفي أنتِ عملتي إيه في قلبي دلوقتي…؟
نزل عينيها الأرض خجلاً وسط ابتسامة رقيقة منها، وبعد لحظات معدودة عادت تتطلع له بحماس طفولي وسعادة:
= هروح بيتي دلوقتي..
ما ردش واكتفى بابتسامة ونظرة أجابت بداله: نعم هأخدك لبيتك يا جنيتي التختوخة.
مرت عدة شهور والحال زي ما هو من اختفاء آياز، وده زاد من حزن أدهم على اختفاء حبيبته..
عوضة للوقت الحالي..
قعدت الشهق ببكاء مرير.. القاسي المخادع.. إزاي طاوعه قلبه المتحجر على خيانتها؟
لعنته في سرها، مش عارفة ليه اعترفت له بحبها.. وبقت زوجته قولاً وفعلاً.. يخذلها في أول امتحان ليهم مع بعض؟ هل كان بارع في التمثيل للدرجة دي وهي شايفه في عينيه خوفه عليها وكلامه واهتمامه بيها؟!
يعقل تكون غلطانة؟ تكون أخطأت في الحكم على مشاعره ناحيتها؟!
همست بذعر:
= مستحيل! مستحيل يكون شايفني كابنة عمه بس! مستحيل! أكيد اللي حصل بينا كان نابع من حبه ليا.. مش ممكن كل اللي حسيت بيه معاه سراب! (وأكملت بقهر) آه.. آه.. لو بيحبك فعلاً يا آياز ما كانش قدر يخونك ويلمس ست غيرك! يعقل يكون بيحب الست دي؟ بس ليه.. ليه.. آه يا ربي هفقد عقلي!
انهارت في موجة جديدة من البكاء، تبكي حب مش عارفة مصيره، تبكي شوقها ليه، تبكي فرحة ما كملتش واغتيلت في مهدها.. تبكي وتبكي وتبكي لحد ما حسيت بجفاف دموعها..
وقفت بعنف تمسح دموعها رافضة ضعفها وانكسارها بالشكل المهين ده..
هي آياز سليم رضوان القاضي، ما اتولدش اللي يكسرها.. يكفي اللي مرت بيه من انكسارات..
دخلت الحمام الملحق بأوضتها تضرب وشها بالمية الباردة تخفي آثار دموعها اللي لوثت وشها..
اترمت على سريرها بإرهاق وعقلها مش بيبطل تفكير.. يدور في اللي فات.. بقت إنسانة مش طبيعية وعارفة ده كويس بعد اللي عانته طول سنين عمرها.. بقت تخاف من أي علاقة تربطها بأي راجل أياً كان.. ما كانتش قادرة تتغلب على النفور ده ومش قادرة تعيش حياة طبيعية، في أسباب كثيرة بتمنعها، في عقد وأزمات نفسية اتراكمت عليها عبر تجربتها الصغيرة في الحياة اللي فقدتها الثقة في نفسها كأنثى مرغوبة بتحب وتتحب..
كانت آياز تتقلب في سريرها زي اللي بيصارع حيوان مفترس.. العرق ينزل من جبهتها بغزارة من الكابوس ده اللي أرقها وسلبها النوم..
استيقظت بعد عدة ساعات حاسة بعطش شديد وإحساس تاني بتقل قاعد على صدرها ينبأها حدسها إن في حاجة وحشة هتحصل لأدهم.. فحطت إيدها على قلبها وهي بتسحب نفس عميق محاولة تطمن دقات قلبها اللي أعلنت حالة طوارئ..
دخلت صفية لأوضة آياز وشافت حالتها المزرية وحبات العرق بتلمع على جبهتها ووشها.. أسرعت بالذهاب ليها وقعدت جنبها على طرف السرير بعد ما جابت فوطة صغيرة وقعدت تمسح وشها بعناية وعاطفة أمومة انحرمت منها…
ربتت صفية على ظهرها وبحنان جارف همست:
= مالك يا آياز؟ أنا قلقانة عليكي.. ليه كل الحزن ده؟ مش اتفقنا تنسي وتهتمي بصحتك وطفلك اللي جاي؟
ازدادت دموعها نزول ورجفت شفايفها وهي بتقول:
= شفت كابوس مرعب يا خالة لأدهم.. كان بينادي باسمي وأنا كنت بدور عليه في كل مكان لحد ما مشيت ورا الصوت وكان طالع من بئر عميق.. (وأكملت بقلب مقبوض) وأنا كل ما أمد إيدي لأدهم عشان أطلعه ألاقيه بيبعد وهو بيصرخ باسمي!
أشفقت عليها صفية ومسحت على رأسها بحنان وقالت:
= اذكري الله ورددي الدعاء، دي أضغاث أحلام يا آياز.. بصي لوشك الشاحب كأن الدم هرب منه، وافتكري قلقنا عليكي وخوفنا إن الحمل يتأثر بحالتك النفسية يا بنتي..
= ما تقلقيش عليا يا خالة..
احتضنتها صفية برفق وهي بتربت على ظهرها بخفة وأردفت:
= يا آياز إزاي ما أخافش أنا وأبوكي عليكي ونحنا شايفينك يوم عن يوم بتدبلي قدام عينينا؟ أنا فرحت إنك وافقتي نيجي هنا نغير جو وقلت هتنسي وهتقدري تتخطي المرحلة دي، مع إني عارفة إن ده صعب وصعب عليكي بس أنا واثقة إنك قوية ومش هتتكسري مهما الظروف كانت ضدك.
كانت بتسمع لها وعيونها بتفيض بدموع غزيرة مش قادرة توقفها، فالجرح جواها ملتهب لسه ما التأمش، فمسحت وشها بأطراف صوابعها الرقيقة بقوة ومش عاوزة تضعف من جديد.. هي فقدت كل حاجة، سعادتها وحبها وجوازها، أيوه، بس قررت تاخد حريتها بأي تمن.. أدهم هيطلقها، مش هتفضل على ذمتهشاء أم أبى.. مش هيكون لها علاقة بيه بعد دلوقتي، ما بقتش تثق فيه ولا بأي راجل..
كلهم مخادعين.. غشاشين ومخادعين.. مش كانت حمقاء لما كانت بتدوب عشق وهو بين أحضانها وهو بيبثها حبه المزعوم اللي افتكرت إنه مش هينتهي أبداً، وبعدين يروح للثانية ويتبادلوا الحب مع بعض؟!
صفية:
= هااا.. قررتي إيه يا حبيبتي؟
آياز:
= انتهى.. انتهى.. كل حاجة انتهت ومش عاوزة غير الطلاق بس يا خالة صفية.. أدهم انتهى من حياتي للأبد!
= فكري تاني يا حبيبتي وما تتسرعيش في قرارك، أنتِ شايالة طفل في أحشائك دلوقتي، عشان كده لازم تفكري بهدوء في مصير الطفل ده.. إيه اللي هيحصل بعد ما تنفصلوا؟ خدي كل الوقت اللي محتاجاه عشان تحددي مصيرك، ولما تصلي لقرار نهائي قولي لنا، وصدقيني سنكون جنبك في أي قرار تتخذيه في حياتك..
وكأن عقرب لسعها، فقعدت تردد: الطلاق.. الطلاق..
= إيه اللي بتقوليه ده؟ هتطلبي منه الطلاق؟ هل أصابك الجنون؟! قلت لك ألف مرة إنها نزوة وهتعدي، وفي استطاعتك تعاقبيه بأي طريقة إلا إنك تهدمي وتدمري حياتك! ويبقى ابنك من غير أب قبل ما ييجي الدنيا! إحنا مش هندوم لك طول العمر.. حياة لحد دلوقتي ما أستيقظتش من غيبوبتها، وأبوكي وسليم ما بقاش عندهم رغبة في الحياة إلا عشانكم، بيتجرعوا المر ويلات.. وكل يوم بيلد نفسه بعذاب الضمير وهو بيحمل نفسه مسؤولية اللي حصل لأنه كان ضعيف الشخصية قدام قرارات أبوه الظالمة من بداية كتابة ورثه لأخوه ضياء الدين ووضع مصيره في إيد أخ انعدمت الرحمة في قلبه ومات ضميره واستحل ورث أخوه وطمع في الباقي وجوز ولاده للبنات أخوه بطريقة مهينة طمعاً في باقي الورث الفاني.. اسمعيني يا آياز يا بنتي، ما أصعب على المرء من جلد الذات، ده موت على الحياة.. أيوه أبوكم دلوقتي صورة بس قدامكم لكنه في الحقيقة مع موتى، ده بيحاكي الموتى! أنا شفته وهو قدام قبر أمك وأبوه وأمه.. تتوقعي إيه من راجل عايش بروحه مع أشباح الموتى؟ اعيدي تفكيرك تاني يا آياز.. عاقبيه وحطي شروطك كلها وتدللي عليه، أدهم أخد درسه ويكفي عذابه في بعدك وهو بيدور عليكي زي المجنون في كل مكان.. جوزك يستحق فرصة إكراماً لطفلك يا بنتي.
خرجت صفية من أوضة آياز وهاتفت سليم على طول وأخبرته إن آياز صحيت النهاردة بقلب مقبوض، فبرغم سعادتها الأيام اللي فاتت إلا إن النهاردة مختلف، شافت حلم عكر صفو مشاعرها وبعثر سعادتها..
وهي بحاجة لدعمه وحنيته.. فمهما كبرنا فنحن دايماً بحاجة لعاطفة أبوينا، هما بس اللي بنقدر نبوح ليهم باللي في صدورنا واللي بأرقنا..
دار المفتاح في الباب عشان يظهر أدهم بوجه آدم، ما بقاش زي زمان بحيويته وإقباله على الحياة، انطفأ في عينيه نجم أضاء طويلاً، حاسس باليتم زي طفل خطفوه من أهله.. يا لده التعلق اللي بيأسرنا ويأسر جونا! إيه اللي هيعمله في حياته من غيرها وهي مستسلمة للغيبوبة دي؟ وأي حياة دي اللي بتخلو من أسرار؟ الرمل لو ما كانش جنب البحر مش هيكون إلا في صحراء العطش والجوع.. فين هيروح ضله بعدها ومين بيتابع؟ هيعيش راجل من غيرضل..
ماذا لو خذلته الحياة في حياته واستكثرتها عليه.. يوم.. ويوم.. وراء يوم وشهور مرت يكبر ولاده في رحمها وهي لسه على حالتها مش بتستجيب لأي مؤثرات، عقلها رافض يرجع للحياة.. وهي الحياة بالنسبة له، أليست معادلة صعبة عشان تقسى عليه الحياة بالشكل ده؟
ما توقعش وجود موشجان للوقت المتأخر ده، حاول يتفادى مواجهة مش عاوزها في الأيام دي اللي بيحاول يتجاوزها بكل ما يحمل من ضعف وألم.. يكفيه اللي هو فيه، يكفيه عمر منسكب وأمل ضائع وقلب انذبح هناك قدام عينيه.. كل ده بيطوف على وش وشه فيثير في نفس موشجان أمل، قامت تستقبله وهي بتدور على شعاع أمل يدفئ قلبها المتجمد ويطمن روحها الشاردة، بينما هو ما كلفش نفسه حتى يبص لها! الحب من طرف واحد هو المهلكة الحقيقية اللي بنرمي قلبنا فيها، الموت الحي اللي بيخطف الروح والوجدان ويخلينا أجساد خاوية من أي معنى للحياة.
بعد معاناة طويلة مع أحزانها استسلم جسمها للنوم.. وسط تلاطم الأمواج سبحت على وش المية الباردة وناظرة للسماء المظلمة، كان صوت البحر يخوف وبدأت تحس بخمول في جسمها فأدركت إنها على وشك الغرق.. قاومت كثير عشان تستقر على سطح المية لأطول فترة ممكنة، بس عضلاتها ضعفت وجسمها هزل وسابها فريسة لوحوش البحر، والدلوقتي مش قادرة تتنفس، في حد بيشدها لتحت بقوة وبيمزق جسمها، نسيت إزاي الناس بتعوم واستسلمت وهي بتبكي..
ولما فتحت عينيا.. لقت إنها على سريرها في أوضتها في بيت جوزها، حست إنها مش قادرة تحرك جسمها، الدموع كانت مالية مخدتها.. وجسمها بيرتجف من البرد، لتدرك بعد لحظة إن الشباك مفتوح وهو السبب في الصقعة دي..
اتحركت ببطء ناحية الشباك عشان تقفله.. بس وقفها.. خيال ضخم ونصل س\كينة بيلمع عارفة إنه هيذبحها دلوقتي! فأطلقت صرخة عالية تردد صداها في بيت (آل القواس) وده خلي (آيهم) يجري لأوضتها الملاصقة لأوضته حافي القدمين وناعس العينين..
قرب من سريرها على النور الضعيف اللي طالع من المصباح الجانبي، فوجدها مستلقية بتلهث بانفعال وعيون واسعة..
اتجعدت ملامح وشه.. وحس بالغصة دي بترجع تاني.. فباين أوي من ملامح وشها إنه كابوس بسبب حالتها النفسية اللي مرت بيها الفترة الأخيرة..
هتف باسمها بصوته الناعس عشان يصحها:
= موشجان.. موشجان..
بس كالعادة ما صحيتش من أول محاولة.. بدأ جسمها يرتجف بين إيديه وهي بترجع تضربه وتبعده عنها.. وبدأت نبرتها تعلى وهي بتقول بصوت باكي:
= مش هخلف لك طفل.. من رحمي.. مش هكون أم أبداً.. أنت هيكون عندك أطفال كثير وأنا لا!
هتف آيهم بيها مرة ومرة:
= موشجان!
وهو بيهزها بقوة من كتفها عشان يصحها، فقد بدأت ترتجف أكتر ويزيد نحيبها.. شهقت موشجان بفزع وهي بتتنفض من نومتها وبتبص حواليها برعب.. سألها آيهم بحنان وهو بيتفحص ملامح وشها المذعورة:
= حبيبتي، أنتِ بخير؟
سألها بقلق شديد وهو بيحضنها بقوة وهو قاعد، فتمسكت بوسطه وهي مش قادرة ترد، وبعدين همست بزيق ناشف:
= عاوزة شوية مية..
التفت للمنضدة الجانبية وأخد كوباية المية اللي بتحطها جنبها دايماً وأداها لها وهو بيساعدها تقعد..
راقب شربها للمية بوش متألم وهو بيمسح على رأسها بحنان بيهديها زي الطفولة وهو بيلهمس لها بحنان:
= عدت على خير.. ده كابوس يا موشجان.. ما تستسلميش لمخاوفك وكوابيسك..
عبوس خفيف جه على جبهتها والصوت اللي الصادح من جواها بيهتف إن لو ما كانش اكتشف علة موشجان إنها مش هتقدر تكون أم لأولاده أبداً، ولولا ضغط أبوه المستمر عليه عشان يتمم جوازه بيها.. والحيرة دي اللي تملكتها: هل ارتباطه بيها بناء على إنه أمر واقع لا بد منه.. ولا احتياجه لإنجاب أطفال منها؟
يا إلهي! أيصير مأمنك خوفك؟!
ده آيهم هو نفسه اللي ما كانتش بتطيقه وبتحاف منه وتهاب حضوره…
لسه كلمات أمها بتتردد في أذنها:
= عيشي يا بنتي وتقبلي حياتك مع جوزك.. فهو بيعشقك وبيتمنى رضاكي.. صعب يا بنتي الأيام دي تلاقي راجل بالمواصفات دي.. تقبليه برضا عشان تنعمي بالسعادة معاه.. فالراجل مع مراته زي الطفل، أي حاجة ترضيه وأقل حاجة تزعله.. وأطفالك محتاجين لأب.
بعد كلام كثير وتفكير طويل وافتقادها لصديقتها “حياة” بسبب مرضها.. وسحر اللي انشغلت في دوامة شغلها الجديد.. ما كانش قدامها غير اتخاذ قرار مصيري غير مجرى حياتها وهيضمن لأطفالها إنهم يكبروا في كنف أب انحرموا منه قبل ما تتفتح براعمهم في الحياة…
أقسمت إنها مش هتتخلى عن موشجان ومش هتسيبها لدوامة الحزن اللي اتخذتها ملجأ للهروب من واقعها..
اتنفست بعمق والتفكير بيشكل ملامحها الجميلة عشان ترتعش عيونها باهتزاز خفيف وخوف ضئيل بيجري في عروقها لما حست بحركة برة، فمالت على جنب بخوف سكن عينيها وجلها باين على ملامحها قبل ما عيونها تتوسع بذهول وهو بيدخل الأوضة اللي بابها مفتوح وبيحط جاكيته على ساعده وهاتف بتعجب وهو بيبص لوشها الشاحب:
= أنتِ صاحية؟! افتكرت هجي ألاقيكي غرقانة في النوم!
رفعت حجبها بدهشة وفضلت ساكتة قبل ما تقفل النور الخافت اللي طالع من المصباح اللي جنب سريرها وتستلقي في وضعية النوم وهي بتديله ظهرها، وهي بتردد جواها: هو الراجل المتحول ده لو نمت قبل ما ييجي مش هخلص من القطم والنقرصة وتأنيبه؟! زفرت بقوة وسحبت الغطاء فوق رأسها في إعلان صريح لمخاصمتها له!
كتم ضحكة كانت هتطلع من شفايفه وهو بيمشي بهدوء للناحية الثانية للسرير فقعد على طرفه بعد ما رمى جاكيته على الكرسي القريب عشان يقلع جزمته وشرابه قبل ما يتحرك بهدوء يقلع هدومه بهدوء وبعدين يستلقي جنبها بعد ما أبعد الغطاء وينضم ليها تحته وينظر لجسمها المنكمش على نفسه.. يتأمل ظهرها المشدود في غضب واللي باين في سترة بيجامتها التقيلة رغم حرارة الجو، واللي لأول مرة يشوفها منذ ما اتجوزها، فالجانب المتزمت ده منها ما شافوش قبل كده، فهي كانت دايماً بتظهر قدامه ببيجامات مختلفة وقذابة ورائعة عليها.. لوى شفايفه بإحباط قبل ما يتحرك ناحيتها بتؤدة ويجذبها في حركة سريعة عشان يديرها ليه ويجبرها تتوسد صدره وهو بيلهمس لها بجدية لما حاولت تملص من بين كفيه:
= هششش.. ما تتشنجيش ولا تنفعلي، اهدئي يا فراشتي الذهبية…
هتفت بصرامة ما شافهاش قبل كده:
= سيبني يا آيهم!
عبس في وشها بغضب عشان يسيطر على جسمها سيطرة تامة وهو بيلزقها بصدره العريان وهادر بخشونة:
= مش هعمل كده يا ذهبيتي…
هزت رأسها بعنف عشان تبعد خصلاتها اللي اتبهدلت حول وشها وتتذمر بغضب:
= أنا زعلانة منك وقلت لك إني مش عاوزة أوفك، فأنت من يوم ما رجعت موشجان وأنت مش بتروح لها وهي مراتك ولها حقوق عليك..
غمض عينيه ويهمس بتساؤل ماكر:
= أنا عارف إنك زعلانة وجيت ألمس خاطرك عشان ما تناميش زعلانة، وأما عن موشجان فهراضيها بعدين بس مش قبل ما أفرح قلب أبا بطفل تشيليه في أحشائك مني عشان يكون أول نطفة عشق بيننا..
صمت شوية وهو متأكد إنها بتتطلع ليه، ليرفع عينيه ليها بيسأل بهدوء:
= حقاً مش عاوزة تشوفيني يا ذهبيتي؟
ضمت شفايفها وبصت بعيد، فهي حقاً لسه بتكابر ومش عاوزة تعترف إن الآيهم ده بقى بيخترق حصونها رغم إنها حرصت تحصنها كويس، فضمت شفايفه بتفكير:
= تمام، مش هفرض وجودي عليكي، هروح مكتبي..
(رواية إغتصاب حياة، بقلمي: حنان محمود “قرنفلة النيل” – الرواية مسجلة حصرياً باسمي وممنوع منعاً باتاً النقل أو الاقتباس أو النشر على أي موقع أو مدونة أو جروب من غير إذن، ومن يفعل يعرض نفسه للمساءلة القانونية…)
قرب برأسه منها عشان يبوس جبينها برقة ويهمس:
= أعتذر منك يا ذهبيتي، كنت زعلان فما فهمتش معنى كلامي ولا مدى سخافته.. مش هأنكر إني مشتاق لطفل من صلبي بس كمان عاوز تكوني أنتِ أمه عشان يقوى الرباط بيننا لأني وقعت صريع هواكي يا فراشتي..
سابها بهدوء وأكمل وهو بيهُم يقوم وهمس:
= تصبحي على خير يا ذهبية القلب..
رجفت روحها علشانه، فهمست بصوت بحاح خافت لما قعد على طرف السرير عشان يبدأ يلبس هدومه:
= آيهم..
ابتسامة ماكرة تسللت من بين شفايفه لتزيده وسامة، ليهمس بشقاوة وهو بيستدير ليها برأسه نص استدارة وينظر ليها من فوق كتفه:
= عيون آيهم يا ذهبيته..
ابتسمت برقة، فحقاً بقت بتعشق اللقب ده وهو بيختصها بيه، لتهمس بجدية:
= ما تمشيش دلوقتي، الفجر قرب يؤذن ولو مشيت مش هتاخد قسط كافي من النوم.
ساب بنطلونه اللي كان هيلبسه ليرجع ليها وهو بيهمس وهو بينام جنبها على جنبه:
= مش عاوز أتقل عليكِ يا فراشتي…
يا لده الآيهم اللي بيتفنن في سحرها وإدابة ثلوجها! سحبت نفساً عميقاً عشان تهمهم وهي بتبعد نظرها عنه:
= مش هتتقل عليا..
تمتم وهو بيقرب منها ببطء:
= أنتِ زعلانة مني يا ذهبية الروح؟
ابتسامة مرتعشة شكلت بقه لتهمس بخفوت:
= لأ، تقبلت اعتذارك وتفهمتك..
ابتسامة واسعة رسمت ملامحه ليهمس وهو بيشدها ليه وبيلزقها بصدره:
= “في وصف رائع للحضن قال أحدهم: هو أكثر الأماكن الضيقة اتساعاً.”
ومش عاوزة تشوفيني وبتتمنعي على احتضاني ليكي ولابسة بيجامة شتوية تقيلة مريبة بلون أصفر باهت ما شفتش أبشع منه…
ضحكت رغم عنها لتجيب بخفوت وهي بتفرد كفيها على صدره العاري:
= ممكن أساعدك في التخلص منها لو عاوز بسهولة عشان لونها مستفز وبيضايق..
همس بصوت أبح وهو بيمرر ظهر صوابعه على دراعاتها من فوق قماش البيجامة:
= أنا بأكره اللون الأصفر بكل درجاته بس بما إن الأذان هيؤذن بعد عشر دقائق على الأكثر فالأفضل إنك تفضلي محتفظة بيها.
تعالت ضحكاتها ليتنهد بقوة قبل ما يرجع يبوس جبينها تاني:
= أنا بكرر اعتذاري يا بشرتي، ما تزعليش..
ابتسمت برقة وعيونها بتقول له قد إيه بتعشقه، فتجيبه بهدوء:
= يكفي إنك جيت عشان ما أنامش زعلانة..
زفر بقوة ليقول ببساطة:
= ما قدرتش أنام لوحدي على ما يبدو إني اتعودت على السرير هنا وعليكي وأنا بشدك تتوسدي دراعي وتتمسكي بيه.. أتعرفين قد إيه كنت مشتاق للحظة دي؟
تخضب وشها بالحمرة، أشرقت عيونها ببهجة خالصة لتلهج أنفاسها بمشاعر كثيرة تماوجت جواها قبل ما تتعلق برقبته وتضم نفسها ليه بقوة، فيحتضنها مستجيباً وهو حاسس إنها تستحق إدائها أمان واطمئنان بيحتاجه معاها زي ما بتحتاجه هي كمان جنبه.. بتبعد رأسها شوية وتبص له، فبتغيم عينيه بتوق ليها وقبل ما يقرر يبوسها كانت هي بتبوس شفايفه بقبلة شغوفة متلهفة فتمنحه عن طريقها مشاعرها المشتاقة ناحيته..
رف بعينيه وهو بيستوعب قبلتها العميقة ليه، فيبادلها قبلاتها بتوق وهو بيضمها أكتر ليه وبياخد منها زمام المبادرة، فيميل بيها لتصبح تحته وكفاه بتشيل عنها سترة بيجامتها اللي مش عاجباه.. وقبل ما يفقد نفسه فيها، كان صوت المؤذن بيصلح عالياً، فيرتد لورا عنها وهو بيلكث.. ضايق.. وبيدور استغفارات كثيرة متتالية وهو مغمض العينين وقافل فكيه قبل ما ينط واقف ويهمس من بين أسنانه:
= هروح أصلي في الجامع القريب، نامي وما تستنينيش..
أومأت برأسها وهي مدركة إنه مش شايفها، لتبتسم برقة ابتسامة ظافرة ومضت بعينيها لتتسع تدريجياً فتشمل ملامحها كلها وهي بترجع تلبس سترة بيجامتها قبل ما تستلقي ضاحكة في سريرها وهي بتهمهم لروحها إنه رجع ليها وما قدرش ينام في سريره من غيرها.. آيهم جه عشانها وده يكفيها.. أما آن لهذا الخافق أن يستريح؟
ال26:
ما قدرتش تمنع نفسها وهي بتقول بهمس رغم الرجاء اللي في صوتها:
= هو.. هو ينفع تبوسني.. دلوقتي؟!
بس هو امتلك من القوة اللي خلت يتنفض ويقرب منها..
قطع السنتيمترات اللي بينهم وشد وشها بين كفيه.. واقتنص شفايفها برغبة سرت في أطراف كل واحد فيهم، عشان تهد حصونهم بشكل يدعو للانبهار..
بادلت قبُلتها بتوق للراجل ده.. للمشاعر دي.. للانتظام والاهتمام ده منه.. لإيديه اللي حوطت وشها بشكل يدعوها للاستكانة والتحفز في نفس الوقت..
وكأنه.. وكأنه مش عاوز يسيبها، ولا ناوي يعمل كده!
عند النقطة دي، كانت قبُلتها بتحول لأكثر جرأة..
وإيديه تحولت بشكل لا إرادي لأداتين فضول لاكتشاف جسمها..
وفجأة، أنامله انطلقت وكأنها أخذت جائزة للعزف على أوتار قيثارة اتصممت بس على قد مهارته في اللعب على أوتاره المشدودة بإحكام.. وبينما أنامله بدأت تمشي على جسمها وتدغدغها، سمع صوت ضحكات بدأ يعرف مصدرها.. تململ في سريره.. وبدأ يفتح جفونه ببطء مع تشبث الطفلة بخالها.. منير اللي قام ضمها، وهو بيغمغم مع نفسه إن حبيبة خالها جت في الوقت المناسب قبل ما يتهور! الطفلة ما فهمتش حاجة من كلام خالها، غير إنها قالت بصوت طفولي:
= خالو.. خالو.. مامي قالت إننا هنروح بيت العروسة النهاردة..
منير مسح على رأسه وعينيه ألمعت بسعادة وهو بيقول:
= أيوه يا حبيبة خالو، هنروح النهاردة بيت العروسة..
هيا بنا نعقد صلحاً مؤجلاً..
مع النهايات البديهية؛
لنحمي قلوبنا من فجيعة النهايات الحتمية،
هيا بنا نمهد لها الفكرة بأنها سوف تذوق مُر الفراق ووجعه..!!
سمعها عند السكون.. ذات الشَدّة، بأطفق دامعاً، نار الاشتياق.. أشعلت حروف الضمّ، فأطبق بكلتا يديه على صدره.. وألاح للسماء بتمتمات سمعتها منه هناك على صحائف السطور، كأنها طيور تزجل بمناجاتهما عبر الأثير..
اند مجت سريعا مع غمزة وخفة ظلها عشان يشكلوا الإثنين مزيج عجيب وثنائي غريب.. بينما العيلين بقت تهتم بيهم غمزة، اللي أول ما عرفت من اختها باللي حصل بعد ما اتصدمت من منظر وشها المتورم والجرح اللي جنب شفتها الناتج عن صفعة عمر لوشها بقسوة وقوة.. لحد ما بدأت تسألها عن غرابة وضعها هي في بيته، وتحس بحرج شديد.. بعد ما صديقة يوسف وصلت للحي اللي كانت ساكنة فيه أمل وأسرتها، وعلم بقصتها كاملة مع الدكتور اللي كانت شغال عنده سكرتيرة.. وصلته قصتها بالشكل اللي حكته زوجة الدكتور اللي حرصت تشوه صورة أمل وسمعتها قدام أهلها والمجتمع.. بينما عمر اللي ما كانش بيرجع بيته إلا بعد نص الليل، بيلتزم أوضته وبيعتزل الكل حتى ابنه.. وأول ما بيصحى بيسارع بالهروب تاني..
مر يومين لحد ما الكل رجع لشغلهم مشغولين بيه، فمرت عليهم أيام بطيئة.. ينتهي نهار شغلهم سريعاً عشان يعانوا من طول ليلهم وسهرهم.. والنهاردة مش مختلف عن اللي قبله، فقعدوا الثلاثة جنب بعض على أريكة عاقدين إيديهم على صدورهم.. قاعدين في صالة المبنى الخارجية تحاوطهم الجبال العالية من كل مكان، وتحاوطهم سماء صافية شديدة الزرقة، راقب بدرها حيرتهم وسهرهم بفضول.. كل واحد قاعد في حيرة وفي عالم مختلف عن الثاني، فكل واحد بيغني على ليلاه.. عمر بيثكر في اللي خدعته ونار الغضب لسه بتاكل في قلبه بعنف ومن غير رحمة.. قد إيه عارف إنه كان على وشك يقتلها يومها.. وقد إيه أنبه رؤية الدم النازل على وشها وتحول وشها لكورة منتفخة من غير أي أثر لملامحها.. بس في نفس الوقت بيغلي جواه كأنه على جمر ولعان عاوز يتأر لكرامته.. عاوز يسفك دمها.. يقطع لحمها لحتت صغيرة جداً.. دي اللي أذاقته دفئها عشان يكتشف إنه مش الوحيد اللي نال قربها! إزاي راجل زيه طول عمره العفة سلوكه وأخلاقه يستحمل إنه يتصدم بوقع تورطه مع واحدة باعت شرفها وجسمها، بل وفضحها بين خلق ربنا؟! هو اللي كانت أحسن البنات تتمنى قربه، فضلها هي! وأخد إيه؟ قعد يفكر بعيون بتبرق غضب وغيظ وحقد في اللي يقدر يعمله.. بينما “مختار” بيثكر في اللي شغلت عقله وزادت سهره.. إيلا جميلته الشقراء اللي ما بقاش قادر يقاومها.. بيشتاق لها وبقوة بس اللي بيصبره إن لما يرجع هيكون عذرها انتهى ويكون قربه منها حلال وشديد.. وأسند رأسه لورا وبدأت ابتسامة خفيفة تطلع على شفايفه.. هي بتبعث له رسائل.. ساعات رسالة فيها نكتة وكأنها صاحبته.. وساعات لهفة وعشق فهي حبيبته، وساعات حكمة بليغة يبدأ بيها يومه.. بقت كذا ست في ست واحدة، فشغلت عقله وقلبه بطريقة أثارت عجبه وحار فيها.. بس النهاردة ما بعتتش رسالة شوق واحدة.. ما قالتلوش بحبك ولا بثت أشواقها، فإيه اللي حصل لها؟ بكده انشغل عقله ورجعت التكشيرة لوشه.. مالها معشوقته؟ بينما “جاسر” المرح عادة وصاحب الابتسامة الواسعة، أخدته السرحة هو كمان في اللي دخلت حياته وعقله من غير استئذان.. ولقاها من غير ميعاد وكأنها حورية مستنياه.. أعجب بجمالها وروحها حتى لو ما اتكلمش معاها غير مرتين، بس كانوا كفيلين إنه يعرف إنه لقى ضالته واللي دور عليها طول شبابه في وشوش نساء كثيرة.. بس الحلم الوردي ده اقتحمته أمه وهي بتهدم جدرانه وسقفه محتارة لاختياره فبتوصفه بالجنون مرة، وساعات تقول له إنها سحرت له.. فكر.. يمكن فعلاً عملت كده.. بس عيونها هي اللي سحرته، العيون اللي ما شافش في جمالها وسحرها.. يمكن اتجن فعلاً بس بروحها وطلتها.. إيه اللي مفروض يعمله وأمه قالت له بكل وضوح وهي بتنهي مناقشة ولعانة بينهم سادها الاستنكار لكل اللي قاله ومحاولته الفاشلة لإقناعها لحد ما صرخت وتنهي الكلام بجدية وحسم وكبرياء:
= فخر عائلة “العصعوص” وابني الوحيد يا جاسر مش هيتجوز مطلقة!
وهنا قضت على أحلامه الوليدة اللي كانت بتحلم بحياة سعيدة.. يمكن كان يقدر يقنعها و.. (وزفر بغضب أنفاس سخنة) ويمكن مش هيقدر.. وبكده حط بؤسه جنب بؤس صحابه، ويمكن كان ينفع يطلقوا على كنبتهم دي: “كنبة البؤساء”.. رجع “جاسر” يزفر بضيق وبعدين فك إيديه وقال بملل:
= إيه القعدة الهباب اللي إحنا قاعدينها دي؟! شبه اللي قاعدين في جنازة ومجمعين في عزاء! وحدوا الله يا أسيادنا..
غمغم مختار وعمر بصوت واطي وهما بيطلعوا نفس ضيق من صدورهم:
= لا إله إلا الله..
أخرج مختار من جيبه علبة سجاره وطلع واحدة وولعها بولاعته، فالتفت عمر اللي قاعد وسطهم وبص لسيجارته اللي بدأت تولع وشاور لمختار وقال:
= هات واحدة..
عبارة التفت ليها مختار وجاسر باستغراب، فنظر له مختار وعينيه واسعة:
= يا سبحان الله! فين راحت نصايحك وحكمك عن التدخين يا لورد؟!
أجابه عمر بقلة صبر:
= اللورد عاوز يجرب..
قال جاسر بحيرة:
= وده من إمتى يا جانب اللورد عمر؟
صرخ فيهم عمر بعصبية:
= أنت وهو عاوزين إيه؟! بتعملوا معايا تحقيق؟! خلاص خلاص مش عاوز.. هشتري!
بص جاسر لمختار ومتحير من طباع صاحبهم السخيفة.. فهو طول الأسبوع سرحان وقليل الكلام معاهم ومتجهم وصبره نفاذ.. رفع مختار كتافه كإشارة إنه مش عارف سبب حالته دي، فسأله جاسر بجدية:
= مالك يا عمر؟ إيه اللي بيحصل لك؟ وليه التغيير ده اللي حصل لك مؤخراً؟!
حس عمر بإيد بتقبض على قلبه وتلويه، وحابسة أنفاسه في زوره وممزقة خلاياه.. هيقول لهم إيه؟! هيفضح نفسه بنفسه؟! هيقول إيه؟! اتملت عينيه بالدموع بس منعها بقسوة إنها تطلع للعلن، فيكفيه اللي حصل واللي عرف.. إزاي هيرفع عينيه في وش يوسف الشريف العفيف ده، اللي رغم فقره وحاجته ما دنش روحه ولا أهله بحاجة مخالفة للقانون أو لديدنه، وكان يقدر وقتها يجيب فلوس كثيرة بس حافظ على شرفه وسمعته العطرة.. إزاي هيرفع عينيه فيه وهو حتماً عرف بجوازته ويمكن خمن مين الزوجة المصونة، وأكيد عرف إنها رأس الفساد والخلع!
= ……
هتف جاسر بمرح وهو بيشده من سرحانه:
= مالك يا عمنا؟ غرقان في حب جديد على مراتك وخايف تعرف ولا إيه؟
قالها وغمز بعينيه ناحية مختار بمرح.. ليرتسم مختار ابتسامة باهتة وشفايفه شايالة هموم أطنان، فسأله جاسر بضيق:
= مالك أنت كمان؟!
أشاح مختار وشه ورجع لسيجارته، هيقول إيه لصاحبه وأخو مراته؟ إن روحه مشتاقة لها وبتتمنى لمسة منها؟! ففضل السكوت هو كمان.. فصرخ جاسر وهو بيطلع نفس بضيق:
= أظن الظاهر صابتنا عين محترمة جابت بنا الأرض! طبعاً إحنا رجالة طول بعرض ومهندسين ومسمسمين ووسيمين وخصوصاً أنا، واصل مسبسب..
وتحسس شعره بإيده بجدية، فتلوت شفايف مختار بسخرية، وبعدين طلع تليفونه وبص تاني على رسالة من مراته فما لقاش، فطلع دخان السيجارة بحدة وغضب وتساءل: هل نامت دلوقتي؟ الساعة قربت على الثانية بعد نص الليل..
وعلى عكس ظنه، كانت هي قاعدة مع أخته فوق سرير جوزها القديم، مستلقية بالعرض ورجليها الطويلة متدلية، بينما إيلا قاعدة قدامها وسألتها بحيرة:
= هاا، وبعدين يا هناء؟ أخوكي قدامه يومين ويرجع، هعمل إيه؟
قعدت هناء تفكر وقالت بقلة حيلة:
= مش عارفة يا إيلا.. حاسة إنه لسه محتاج تكّة كمان..
رفعت إيلا حواجبها فوق مستغربة، فهي كمان مشتاقة لحضنه وقربه.. بس هتسمع كلام هناء فهي اللي ساعدتها وقفت جنبها لحد ما عقل جوزها بقى مشغول بيها.. وقالت بحيرة:
= طب هعمل إيه تاني؟
حطت هناء صباعها جنب جبهتها ومضيقة عينيها بتفكر، وبعد لحظات فرقعت صوابعها وقالت بفرحة:
= لقيتها! نقول له إن بابا تعبان شوية ومحتاج يعمل فحوصات وأشعة، وبكده يقضي الإجازة مع بابا!
عارضتها إيلا:
= نسيتي يا ذكية إنه بييجي يوم الجمعة؟!
ضربت هناء كفها بآلوشها وقالت:
= آه نسيت.. بصي هفكر في حاجة وأقول لك..
بصت هناء في ساعتها وقالت بمرح:
= يلا، دلوقتي الوقت بقى مناسب.. كلميه!
بصت إيلا لهناء وبعدين لتليفونها، وضغطت بصباعها على اسمه عشان يرن، وقعدت تراجع في سرها اللي حظرته له.. سمعت صوته اللي بتعشقه بعد كذا رنة، وباين إنه ما نامش لسه.. وأول ما سمعت صوته برقت عيونها بشوق ليه.. افتكرت وجود هناء جنبها فنظرت لها وهي فاكرة اللي وصتها بيه وقالت بدلال بقت متعودة عليه وبثت فيه مشاعر صادقة حقيقية:
= حبيبي، اشتقت لك..
(رواية إغتصاب حياة، بقلمي: حنان محمود “قرنفلة النيل” – الرواية مسجلة حصرياً باسمي وممنوع منعاً باتاً النقل أو الاقتباس أو النشر على أي موقع أو مدونة أو جروب من غير إذن، ومن يفعل يعرض نفسه للمساءلة القانونية…)
حس بصوتها بيسافر أميال وأميال يعانقه، فزادت دقات قلبه المشتاقة لحبيبته، فقال بنعومة وحلم بعد ما قام وساب الصحاب البائسين بعد ما شاف اسمها على الشاشة:
= وأنا كمان اشتقت ليكي يا إيلا الروح..
بص جاسر ناحيته بغيظ وحقد ولغد عمر في دراعه وكأنه مش أخو مراته اللي بيبص له بنظرات حسد:
= بص صاحبك السعيد وأنا هنا مرمي في الهم!
بص له مختار بنظرة حادة ما انتبهش ليها جاسر اللي لسه بيبص لمختار:
= بص وش حصله إيه ونقلب 180 درجة من أول ما تليفونه رن! باين مراته إدته جرعة حب وحنان ودلوقتي اتصالحوا..
صرخ فيه عمر بحدة:
= خد بالك! مراته دي تبقى أختي الوحيدة هااا!
بص جاسر ناحيته وقال:
= تمام يا جانب اللورد، حبة حبة ما تدقش فينا! الحق عليا أنا، كنت عاوز أطلعك من الهم اللي أنت فيه ده واللي كاتمنا بيه من ساعة ما رجعت الشغل!
واحتد عمر أكتر وكان على وشك الانفجار من غير حاجة تنزع فتيله زي ما عمل جاسر، وصرخ فيه بلهجة تخوف وبعيون واسعة:
= جـــاســـر!
أشاح جاسر وشه وحرك دراعاته قدام وش عمر وقال:
= أنا رايح أنام ما تضايقش نفسك.. يخرب بيت معرفتكم! معرفة سودة ومنيلة بستين نيلة.. معرفة غم! مافيش حد فيكم حتى خطر على باله يسألني مالك يا صاحبي ولا أي حاجة!
وحين قالت شيئاً جميلاً مؤثراً وخاصاً عن حياتها، رحت أنفض المخيخ القابع في رأسي عن كل لفظ وحرف ولغة تعلمتها منذ قص الطبيب حبلي السري حتى صباح اليوم؛ في سبيل أن أخرج بإجابة مختلفة!!
أي إجابة كفيلة بأن تسحرها وتجعلني مهماً في نظرها.. ورغم أني كنت أتوقع الهدوء من الخارج فإن المرجل الذي كان يغلي في صدري خرج بإجابة غبية لا دخل لها بأي شيء..
صَمَتَت قليلاً وراحت تنظر لعيني مباشرة.. وكنت في ذلك الوقت أسبني بألف كلمة على تلك الإجابة وأشد قبضتي بلا شعور..
وإذ بها تضحك..
ضحكت ببساطة.. بعفوية كالربيع.. ثم قالت:
= أتعلم.. أنت مختلف! أي شخص كان ليواسيني بنفاق الآن ويفكر كيف سينال إعجابي ولكنك أنت بسيط جداً..
ومنذ ذلك اليوم أدركت بأن الغباء نافع أحياناً..
سابهم ومشي وهو لسه بيبراطم ببعض الكلام اللي ما وصلش لأذن عمر، واللي سرعان ما أنب نفسه على حال صاحبه.. يمكن هو محتاج حد يكلمه فهو مختلف عن طبيعته الأيام دي.. بص ناحية جاسر تاني وبعدين طلع هو كمان لأوضته، بينما مختار غرق في وصف مشاعره لها وتقابله إيلا بشوق، وقالت:
= عارف نفسي في إيه؟ تضمني ليك بقوة دلوقتي يا حبيبي..
الكلام ده ما كانش بيربحه بل كان بيزيد لهيب عشقه في صدره، فيتمنى لو يقدر يقطع المسافات دي دلوقتي ويتمتع بدفء حضنها، فقال بوعد ووعيد:
= يوم الجمعة يا إيلا.. لا أعذار ولا دياولو ولا أي بلا أزرق!
ابتسمت برقة هلكت اللي فاضل من تحكمه بمشاعره، فقال:
= منك لله أنتِ وعذرك ووظيفتي يا إيلا يا بنت أم عمر!
”وما كان الحُلمُ سوى حبٍ لا ريبَ فيه…!!”
قامت تدور حوالين نفسها بتلمس الأرض بأطراف صوابعها وهي بتتمايل على مزيكا كلاسيك..
شايالة الدب ده اللي أهداه لها صبيحة عقد قرانهم.. هو اللي افتكر كلام عابر كانت بتقوله له زمان عن العرايس الفرو القطنية بتاعة أمها اللي كان بيديها لها أبوها من سفرياته الكثيرة عشان شغله كقبطان بحري.. ففاجأها صبيحة عقد قرانهم بالدب الكبير ده بلونه الوردي، جه كطرد معاه علبة شوكولاتة فاخرة وبوكي ورد ناضر وبطاقة ناطقة بصوته، ما سجلش فيها غير كلمة واحدة: “أحبك”.. ونبرة صوته عشق تاني!
شالته من تحت دراعاته عشان تضمه من ظهره لصدرها وهي بتدندن مع المزيكا الكلاسيك وتردد المقطع المكرر في الأغنية وكأنها بتغني معاه..
اشرأب عنقه..
في انتظار قصيدة معتّقة تسكبها في قلبه لتوقد نار الشوق بين الحنايا..
صوتها ملاذه الآمن..
ذات البحة الخفية..
أبهرته بالإلقاء..
هزت مشاعره..
عند النظر إليه..
عيناها أ خبرته..
أنت العشق.. يا منيري!
رنين رسالة جت لتليفونها شتت انغماسها مع الأغنية واللحن، فرفعت عيونها للتلفزيون فلقته ماسك تليفونه، فتضايقت بتساؤل.. وتأكدت من إجابته لما لقته هو اللي بيراسلها، فنظرت للرسالة على الفور عشان تحترق خدودها بخجل وهي بتقرأ سؤاله اللي جه مختصر: “ترقصين؟!”
بصت حواليها بهلع صابها، فحست إنها عاوزة تقعد وهي بتتلقفت حواليها بتوتر، فتكتب بعفوية من غير تفكير: “كيف تراني؟!”
رنت ضحكته بصوت عالي دغدغت مشاعرها، وهو بيقول لها:
= أنا واقف قدام بيتكم وبشوفك بقالي نص ساعة وانتِ بتتمايلي زي البالرينا التختوخة على أنغام الأغنية الشعبية دي!
لوى بقه بابتسامة ماكرة وهو بيقول لها:
= سحر، أنتِ من اللي بيسمعوا لـ “شاكوش وحمو بيكا”؟!