مطبخي
6 أسابيع بعد ما سامح خد الشقة، والعربية، وحضانة الولدين، مريم خدت آخر 300 جنيه في جيبها، ونزلت ترابيزة خشب تتطبق في أول شارع شبرا، وبلشت تبيع أطباق من كراسة أكل جادتها.
بعد 11 شهر، كانت واقفة قدام كاميرات التلفزيون في برنامج على الهواء.. وكان سامح قاعد بيتفرج ومذهول، مش مستوعب اللي شايفه.
البداية من المطبخ القديم
زيت بيغلي في الطاسة ونسيم مكسور برطوبة الشارع.. مريم كانت واقفة ورا الترابيزة بلمة خشب وكشكول أصفر مصفرّة أوراقه.
هي ماكانتش ناويه تبيع أكل ولا تعمل مشروع، بس الطبيخ كان الحجة الوحيدة اللي إيديها حافظاها عشان تعيش.
مريم اتربت في بيت جادتها “الست عزيزة” في قلب السيدة زينب. بيت طول عمره ريحته سمنة بلدي وشاهي بالنعناع، وحاجة حلوة مخبوزة مستخبية في الهواء ماكانتش تعرف اسمها بس تميزها من وسط ألف ريحة.
الست عزيزة، المولودة سنة 1941، عاشت في البيت ده 52 سنة كاملة. كانت بتطبخ كل يوم من غير ما تكل ولا تمل؛ تطبخ للجيران، للغلاية، ولأي حد يخبط على الباب وباين عليه الإرهاق أو الجوع. عماد بيتها كان الجود، عمرها ما طلبت قرش ولا ردت بني آدم.
في أيام الجمعة، كانت بتعمل أكل يكفي 30 فرد وتحطه على ترابيزة في صالة البيت أو قدام الباب، واللي يدخل ياكل.
كان عندها كشكول جلد بني، قشر من كتر المسك والفرك فيه. 214 صفحة مكتوبين بخط إيدها الأنيق بالحبر الأزرق، تسجيل لـ 31 سنة طبيخ.. وكل صفحة فيها ملحوظات في الهامش:
> “تزوّدي الملح في الآخر خالص.. التقلية ما تتكروتشن.. سيب النار هي اللي تتكلم.”
>
السر اللي سابته “الست عزيزة”
مريم كانت جنبها في المطبخ من وهي عيلة صغيرة بتوقف على كرسي عشان تطول الرخامة. وهي عندها 5 سنين، كانت ماسكة المعلقة الخشب اللي أكبر من كف إيدها. الست عزيزة ماكانتش بتديها مهمات هبلة تسكتها، كانت بتديها الشغل الجد:
> “قلّبي دي.. دوقي دي.. قوليلي إيه اللي ناقص؟”
>
على سن 10 سنين، مريم كانت بتسبك المحشي وتظبط الطاجن من غير ما تبص في حاجة. وعلى 12 سنة، بقت هي اللي بتعمل غدا الجمعة لوحدها، والست عزيزة قاعدة على الكرسي الخشب جنب الشباك بتبص عليها وبتراقب بابتسامة.
الست عزيزة علمات مريم الطبيخ، بس علمتها حاجة تانية أهم بكتير مالهاش دعوة بالبهارات ولا التتبيلة: