دفعت لبنت خالتي

دفعت لبنت خالتي مصيف مكلف حوالي سبعين ألف جنيه، وعلى اليوم التالت، كانت خلاص بتزعق للجرسونات: “بنت خالتي هي اللي بتدفع، دي فلوسها كتير”. متناقشتش؛ رحت الاستقبال وسحبت كارت الأوضة بتاعي. ولما حبت تحسب خروجة بـ 8,600 جنيه، اكتشفت إن صبري ليه آخر برضه… والأسوأ كان لسه بيبدأ.
​الجزء الأول
​—قلت لك هاتي لي تيکیلا مستوردة مش الزفت الرخيص ده! إيه اللي مش فاهماه؟ إحنا في أوتيل خمس نجوم!
​نرمين رمت منيو المشروبات على ترابيزة الإزاز اللي جنب البسين. الشاب الجرسون رجع خطوة لورا وهو مستغرب، بينما كذا حد لف وبص علينا.
​أنا حسيت إن وشي بيولع من الكسوف.
​—نرمين، كفاية —قلت لها بصوت واطي—. الباكدج بيشمل المشروبات المحلية. الأنواع البريميوم بتدفع لوحدها.
​بنت خالتي ضحكت بصوت عالي.
​—وأيه يعني؟ إنتي اللي بتدفعي. ما انتِ الهانم المديرة في العيلة، مش كده؟
​الجملة دي كانت بتلخص تماماً اللي حصل في أول تلات أيام ليا في شرم الشيخ.
​اسمي داليا، عندي 43 سنة وعايشة في القاهرة. ماسكة قسم اللوجستيات في شركة قطع غيار. أنا مش غنية، بس بعد سنين شغل اتناشر ساعة في اليوم بقى عندي شقة ملك، وشوية تحويش، وإمكانية إني أبدلع نفسي بكم حاجة كدة.
​واحدة من الدلع دي كانت أول أسبوع إجازة ليا من حوالي تلات سنين.
​خطتي الأصلية كانت بسيطة: أسافر لوحدي، أنام براحتي، أقرأ قدام البحر ومحلش مشاكل حد.
​بس قبلها بست أسابيع، في عيد ميلاد خالتي ليلى، عملت الغلطة وقولت إني بدور على أوتيل كل الخدمات شاملة.
​—ياه، يا بختك يا داليا وحياتك الرايقة —تنحت خالتي قدام الكل—. لا عيال، لا جوز، ولا حد تصرفي عليه. أومال نرمين دي اللي بقالها سنين مش قادرة تخرج في حتة.
​نرمين، اللي عندها أربعين سنة، وطت راسها كأنها هتعيط.
​كانت لسة مطلعة عينيها من الطلاق، وبتشتكي طول الوقت إن طليقها مش بيديها فلوس كفاية وبتقول إن الشغل بيقللوا الموظفين.
​—معايا تسع آلاف جنيه محوشاهم —تمتمت—، بس دول بتوع كاوتشات العربية.
​حسيت بذنب العيلة اللي كنت عارفاها كويس أوي.
​وإحنا صغيرين كنا قريبين من بعض. افتكرت المصايف في بيت جدو، والقعدات واحنا بنلعب سوا، وكل المرات اللي قالت لي فيها إني زي اختها.
​فضعفت.
​الرحلة لينا الاتنين كانت تكلفتها حوالي سبعين ألف جنيه.
​—حطي التسع آلاف بتوعك —قلت لها—. وأنا هكمل الباقي. بس كل واحدة تدفع مصاريفها الشخصية، الفسح، الشراء وأي خدمة زيادة.
​نرمين عيطت، حضنتني ووعدتني إنها مش هتسبب لي أي مشاكل نهائي.
​الوعد ده كمل لحد المطار.
​في محل هناك اشترت برفان غالي ببطاقة الكرديت بتاعتها وبعدها بعشر دقايق طلبت مني أدفع حق الفطار عشان، بحسب كلامها، “الرصيد خلاص خلص تقريباً”.
​لما وصلنا الأوتيل اختارت على طول السرير اللي جنب الشباك الكبير.
​—أنا محتاجة السرير ده عشان ضهري تعبان.
​بعدين ملت الحمام كله بميكب، كريمات وهدوم مبلولة.
​بس الأسوأ خالص كان طريقتها مع العاملين.
​كانت بتقرص بصوابعها عشان تنادي الجرسونات، وتسيب أطباق مليانة أكل عشان “الأكل كده كده مدفوع ثمنه” وتتضايق لما حد يقول لها إن في خدمة عليها فلوس زيادة.
​في اليوم الرابع طلبت مساج وتريتمنت للجسم بحوالي تلات آلاف جنيه.
​ولما خلصت قالت بكل برود:
​—حطيتها على حساب الأوضة. نبقى نشوف بعدين.
​—لا يا نرمين. إنتي اللي هتدفعي.
​ملامح وشها اتغيرت.
​—هو إنتي للدرجادي هتعملي مشكلة عشان تلات آلاف جنيه؟ إنتي بتاخدي أضعاف اللي أنا بقبضه.
​—الموضوع مش موضوع أنا بقبض كام. الموضوع إني مش موافقة تصرفي فلوسي من غير ما تسأليني.
​نرمين قامت وهي زعلانة ومتعصبة.
​—كنت متأكدة إنك في يوم هتعايريني! إحنا نازلين مع بعض عشان تحسي إنك أحسن مني.
​قررت إني متناقشتش.
​وكانت غلطة.
​الليل اللي بعده، وقت العشاء السبيشيال جنب البسين، نرمين شربت من بدري. ولما الجرسون رفض يجيب لها إزازة بريميوم من غير ما يسجل الحساب، صرخت قدام الكل:
​—بنت خالتي هي اللي بتدفع! دي فلوسها كتير!
​قلت لها لأ.
​نرمين قامت بعصبية، خبطت بالصدفة ترابيزة وكوباية نبيذ أحمر نزلت كلها على بنطلوني الأبيض.
​لمدة ثواني محدش تكلم.
​هي بصت على البقعة.
​أنا كنت مستنية، على الأقل، كلمة اعتذار.
​نرمين هزت كتفها ببساطة وقالت:
​—خلاص ابقي اغسليه. بعدين، ما إنتي السبب عشان عصبتيني.
​وبعدين راحت على البار.
​فضلت قاعدة مكانها بينما جرسونين جريوا يساعدوني.
​وفي اللحظة دي فهمت إن في حاجة جوايا اتكسرت خلاص.
​بس لسه مكنتش أعرف إن نرمين تاني يوم هتعمل مصيبة أكبر بكتير.
الجزء الثاني
​لما صحيت، كانت نرمين نايمة عرض السرير، وفستان ليلة امبارح لسه مرمي على الأرض. خرجت أفطر لوحدي. ولأول مرة من ساعة ما وصلنا قدرت أشرب قهوة وأنا باصة على البحر من غير ما أسمع شكاوي عن طليقها، زمايلها في الشغل، ولا قد إيه الحياة كانت ظالمة معاها. رجعت في حدود الساعة عشرة. نرمين كانت قاعدة بالملابس الداخلية وبتأكل شيبسي. وعلى السجادة كان فيه طبق مقلوب، بقايا بيض وبقعة صلصة حمراء كبيرة.
​—إيه اللي حصل هنا؟
​—وقعت مني.
​مرفعتش وشها حتى.
​—روحي الاستقبال وقولي لهم يبعتوا حد. ريحتها بدات تطلع.
​بصيت لها كذا ثانية.
​—ممكن تتصلي إنتي. أو تنضفيها قبل ما البقعة تنشف.
​نرمين بطلت أكل.
​—نعم؟
​—إنتي اللي وقعتيها.
​راحت رامية العلبة على الترابيزة.
​—أنا في إجازة! عشان كده فيه ناس بتنضف.
​—دول عمال، مش خدامين بتوعك.
​وشها اتشد.
​—متأثليش دور مديرتي عليّ. عشان دفعت جزء من الرحلة ده مش معناه إنك ليكي الحق تقولي لي أعيش إزاي.
​—أنا دفعت معظم الرحلة.
​—عشان إنتي اللي عوزتي.
​الكلمتين دول وجعوني أكتر من أي شتيمة. عشان إنتي اللي عوزتي. فجأة فهمت إن بالنسبة لنرمين مساعدتي عمري ما كانت هدية. في دماغها اتحولت لفرض.
​قامت وقفت.
​—بعدين، إنتي اللي كنتِ محتاجاني. والا فاكرة إني مش عارفة؟ كنتِ مكسوفة تيجي لوحدك. جبتيني عشان متظهريش كإنك واحدة ست في الأربعين ومتروكة.
​معليتش صوتي.
​—عندك حق في حاجة واحدة.
​نرمين ابتسمت، وهي فاكرة إنها كسبت.
​—هتفضلي تستمتعي بإجازتك زي ما إنتي عوزة بالضبط.
​خدت شنطتي وخرجت.
​في الاستقبال طلبت أتكلم مع مديرة الشفت. شرحت لها إني عايزة أنقل أوضة تانية فوراً. كان فيه غرف فاضية في مبنى أهدى، مخصص أساساً للكبار. النقلة دي هيكون ليها تكلفة كبيرة.
​—هادفعها —رديت.
​وبعدين سددت التلات آلاف جنيه بتوع السبا اللي نرمين حطتهم على الحساب.
​—دلوقتي عاوزة تشيلوا كارت الكرديت بتاعي من حساب الأوضة القديمة. أي مصاريف جديدة تخص المدام نرمين لازم هي اللي تدفعها.
​المديرة بصت في الكمبيوتر. ملامح وشها اتغيرت.
​—مدام داليا، قبل ما أعمل كده محتاجة أتأكد من حاجة.
​لفت الشاشة شوية.
​—النهاردة الصبح حاولوا يحجزوا رحلة خاصة بمركب كاتاماران. تكلفتها تمان آلاف وستمائة جنيه.
​حسيت بقبضة في بطني.
​—أنا ما حجزتش أي كاتاماران.
​—الطلب باسم الأوضة بتاعتكم. وكتبوا إن حضرتك اللي موافقة على الحساب.
​نرمين كانت محاولة تصرف تمان آلاف وستمائة جنيه تانيين من كارتي من غير ما تسألني حتى.
​المديرة لغت الحجز فوراً. وكتبت ملاحظة كمان: أي مصاريف تانية ممنوع تنزل على الحساب من غير دفع كاش ساعتها.
​طلبت فوق ومعايا عامل الشنط، لميت حاجتي وسبت كارت الأوضة على الكومودينو.
​بعد تلات ساعات بدأت المكالمات. الأول نرمين. بعدين عشرين رسالة. وبعدين فويس نوتس.
​—يا داليا! إنتي فين؟ في السبا بيقولوا لازم أدفع. والكاتاماران اتلغى! إنتي عملتي إيه؟
​مردتش.
​بعد ساعة كمان اتصلت خالتي ليلى.
​—ازاي تسابي بنت خالتك لوحدها في مكان مش عارفااه؟
​—دي في أوتيل خمس نجوم يا خالتو، ومعاها أوضة وأكل وشرب ومواصلات وتذكرة الرجعة مدفوعة.
​—بس نرمين معيش فلوس تقريباً!
​—يبقى مكنش المفروض تشتري برفانات، تطلب مساج ولا تحجز كاتاماران.
​حصل سكون.
​—كاتاماران؟
​قبل ما أقدر أشرح لها، خالتي ووطت صوتها.
​—يا داليا… نرمين قالت لي كلام تاني خالص. قالت لي إنك وعدتيها تدفعي كل حاجة تماماً.
​ساعتها فهمت إن الموضوع ده مابداش من الأوتيل. نرمين كان بقالها أسابيع بتحكي قصة تانية خالص عن رحلتنا. ولما فتحت شات العيلة عشان أتأكد، لقيت رسالة منها خلتني مصدومة. الكلام اللي قالته عني قدام العيلة كلها كان هيغير علاقتنا للأبد.
​أتشرف بقراءة تعليقاتكم قبل ما نكمل الجزء الثالث.
​الجزء الثالث
​رسالة نرمين في جروب العيلة كانت واضحة وصريحة ومكتوبة بحرفية عشان تطلعني أنا الظالمة:
​”داليا جابتني معاها عشان مكسوفة تسافر لوحدها وشايفة نفسها علينا بفلوسها، وكل شوية تعايرني إنها بتصرف عليا.”
​تحت الرسالة دي، كان فيه ردود من خالاتي: “عيب يا داليا، دي بنت خالتك وبرضه في ضائقة”، “الناس مبقاش فيها أصل”.
​قريت الرسائل دي وإيدي بتترعش من الغضب والظلم. أول مرة أحس إن الطيبة والجدعنة ممكن تتقلب في وشك بالشكل ده.
​مردتش على الجروب بكلمة واحدة. عملت حاجة تانية خالص.
​بعتّ للكل في نفس الجروب سكرين شوت من الحجوزات اللي بتثبت إن الرحلة مدفوعة بالكامل من عندي، وفاتورة السبا، ومحاولة حجز الكاتاماران، وكتبت رسالة قصيرة:
​”أنا عزمتها ودخلتها أوتيل خمس نجوم عشان أفرحها، لكن قلة الأدب، وسرقة الكارت، والافتراء ده كتير. من النهاردة، نرمين مسؤولة عن نفسها وعن مصاريفها، وأنا نقلت لأوضة تانية ومش مسؤولة عن حاجة تاني.”
​بعدها على طول، عملت كتم للصوت وقفلت تليفوني، وطلبت قهوة وقعدت في البلكونة الجديدة بصيت على البحر.
​باقي أيام الإجازة عدت كأنها حلم هادئ. لا نكد، لا شكاوي، ولا حد بيزعق للجرسونات. بقيت أنام وأصحى براحتي زي ما خططت من الأول.
​أما نرمين؟ فبعد ما خلصت أيامها في الأوتيل، اكتشفت إن الأوتيل بيطالبها بكل المصاريف والمأكولات والطلبات الشخصية اللي عملتها بعد ما سحبت كارتي. ولإنها معاهاش فلوس كفاية، اضطرت تتصل באهلها أو بطليقها عشان يبعتوا لها فلوس تسد بيها الحساب قبل ما تطلع من الأوتيل، وده طبعا عمل فضيحة تانية في العيلة بس بعيد عني تماماً.
​لما رجعت القاهرة، لقيت رسايل اعتذار من خالتي ورسايل ثانية من نرمين، بس مبرّرتش ولا رديت على حد.
​الدرس اللي اتعلمته من الرحلة دي كان غالي أوي، بس عرفت كويس إن: الجدعنة مع الناس اللي مش بتثمر فيها بتبقى خسارة، وأن راحة البال مفيش فلوس في الدنيا تعوضها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *