أبويا الغني جوزني لممرض فقير
حصري لصفحة روايات رولا
أبويا الغني جوزني وأنا حامل لممرض فقير عشان يداري “عار العيلة”، وسابني في بيت بسيط بشنطة هدوم واحدة. أنا ما جادلتش؛ شلت خاتمي ووافقت. بعد سنة رجع وهو مستني يشوفني مكسورة ومتدمرة، بس أول ما عدى الباب وبص لبنتي، قعد قدامي وهمس وهو بيعيط بحرقة: “أنا ايه اللي عملته ده؟”… قبل ما ينفجر في البكاء.
الجزء 1
—هتتجوزي الراجل اللي اختاره يا مريم. لو قلتي لا، بكرة الصبح تخرجي من الباب ده بشنطة هدومك ومن غير ولا مليم.
أبويا ما رفعش صوته وهو بيقول الجملة دي. ما كانش محتاج يرفعه.
عصام بيه كان رجل أعمال مشهور في القاهرة، راجل متعود إن الموظفين والموردين وحتى أقرب الناس ليه ينزلوا عينيهم في الأرض أول ما يدخل أي مكان. كنا عايشين في فيلا كبيرة في التجمع الخامس، مع سواق وشغالة في البيت، وعزومات عشا دايماً الشغل والأرقام هي الكلام الوحيد فيها.
أنا كان عندي تلاتة وعشرين سنة، وحامل في الشهر التالت.
أبو اللي في بطني كان شريف، ابن واحد من شركاء بابا في الشغل. ست شهور وهو بيحلفلي إنه بيحبني، ولما وريته تحليل الحمل، ما أخدش أكتر من عشر دقايق عشان يهد كل الوعود دي.
—أنا مش جاهز أكون أب. ما تبوظيليش حياتي يا مريم.
وبعدها بطل يرد عليا خالص.
أمي، هدى، قعدت تبكي معايا. أما أبويا، فما فكرش غير في كلام الناس وسمعته.
—عارفة الناس هتقول ايه؟ بنت عصام بيه حامل ومترمية؟ عاوزة تخليني لسان اللي يسوى واللي ما يسواش؟
—دي حياتي يا بابا!
—عشان كده بالظبط! عشان أثبتيلي إنك مش عارفة تتصرفي فيها.
بعدها بأسسبوع دخل أوضتي وحط صورة على السرير.
الراجل اللي في الصورة كان عنده حوالي تلاتين سنة، بشرته قمحاوية من الشمس، شعره أسود، وعينيه فيها هدوء مش طبيعي. كان لابس قميص بسيط وواقف قدام وحدة صحية صغيرة.
—اسمه أحمد. عنده اتنين وتلاتين سنة. ممرض وشغال في قرية في أرياف المنوفية.
افتكرته بيكلمني بهزار.
بس ما كانش بيهزر.
أبويا كان بيسأل عن شباب مش متجوزين في القرى اللي ليه فيها معارف شغل. أحمد كان فقد أبوه وأمه من سنين، وشغال من زمان في الوحدات الصحية ومأجر أوضة صغيرة جنب الوحدة.
—أنا اتكلمت معاه —أبويا كمل كلامه—. وعارف إنك حامل.
حسيت إن النفس اتطرد من صدري.
—أنت حكيت أسرار حياتي لواحد غريب؟
—أنا عرضت عليه بيت.
بصيتله وأنا مش فاهمة.
—في بيت هناك في القرية. أوضتين وصالة وبيت صغير. لو اتجوزك وعمل معاكي بيت، البيت هيبقى باسمكم أنتوا الاتنين.
—أنت بتبيعني!
ولأول مرة أمي تضرب بإيدها على الترابيزة.
—خلاص يا عصام! حرام عليك!
أبويا ولا حتى بصلها.
—أنا مش ببيع حد. أنا بصلح غلطة بنتي اللي ما عرفتش تصون نفسها ولا تعرف تعيش لوحدها.
بالليل أمي قعدت جنبي.
—أنا ما أقدرش أجبرك تروحي يا مريم —همستلي وهي بتعيط—. بس لو قررتي تروحي، افتكري حاجة واحدة: ما تطلعيش غلك وغضبك في الولد ده. أبوكي هو اللي عمل اللعبة دي، مش هو.
تاني يوم مشينا بالساعات في السكة.
ولما سيبنا الزحمة والشوارع الكبيرة ودخلنا في الطرق الضيقة بين الغيطان والأراضي الزراعية، حسيت إن حياتي القديمة بتتمحي.
أحمد كان مستنينا قدام باب الوحدة الصحية.
كان أطول من الصورة. إيديه كبيرة ومتبهدلة من الشغل، وعينيه العسلي الغامق دي حستني بشعور غريب مش قادرة أفسره.
ما حاولش حتى يلمسني أو يمد إيده.
—أهلاً يا مريم.
قال اسمي وبس.
بس في حاجة جوايا اترجت.
أنا حلمت بالصوت ده قبل كده كذا مرة.
أبويا أخدنا لحد البيت: بيت قديم مبني بالطوب اللبن ومدهون أبيض، أرضية بسيطة، وحوش صغير فيه شجرة جوافة ومطبخ ضيق.
—هنا هتتعلمي يعني ايه عيشة بجد —قالها أبويا بنبرة ناشفة.
بعدها حط ظرف على الترابيزة، ورمى المفاتيح لأحمد ومشي ناحية عربيته.
—أنت ماشي؟ —سألته.
—أهو بقى ليكي جوز وبيت وسقف يلمك. عاوزة ايه تاني؟
احنا حتى ما كناش لسه كتبنا الكتاب رسمياً.
وأبويا سابني هناك، وانا حامل، بشنطة هدوم واحدة ومع راجل ما أعرفوش.
فضلت باصة على العربية وهي بتبعد والعفرة طالعة وراها.
أحمد قرب مني بس وقف على بعد خطوتين.
—تقدروا تاخدي الأوضة الكبيرة. أنا هنام على الكنبة في الصالة. ما حدش هيلمسك ولا هيغصبك على حاجة طول ما أنتِ معايا.
بصيتله.
ولأول مرة من ساعة ما الكابوس ده بدأ، حسيت بحاجة أغرب بكتير من الخوف:
حسيت إن الكلام ده أنا سمعته قبل كده بنفس النص.
وما كنتش اعرف إن اللي جاي أغرب من الخيال…
عايز تعرف ايه اللي حصل بعد كده؟