ابني بالتبني
حصري لصفحة روايات رولا
الفصل الأول:
وصلت فرح ابني وأنا لابسة الفستان الأزرق اللي فضلت أحوش عشان أشتريه سنتين كاملين، والبنت الصغيّرة اللي واقفة على الباب قالت لي بكل جفاء إن اسمي مش مكتوب في كشف المعازيم.
لثانية واحدة، افتكرت إن الموضوع مجرد غلطة مش أكتر. الفيلا في الجونة كانت متغرقة بالورد الأبيض، وصوت الكمانجة الهادي طالع من الجنينة، والستات بفساتين السواريه من أشهر مصممي الأزياء واقفين يتصوروا جنب النافورة الرخام كأنهم بيصوّروا غلاف مجلة.
كنت ماسكة شنطة صغيرة قدمت من الاستعمال، ولابسة جزمة مريحة، وفي إيدي ظرف تقيل فيه جواب كتبته الليلة اللي قبلها. لأن الأم—مهما كانت المسافات أو الإهانات—بتفضل دايماً فاكرة إن فيه حاجة حلوة فاضلة تقولها لابنها في يوم فرحه.
قلت لها بصوت واطي ومؤدب وأنا بقرب من الترابيزة: “تأكدي تاني معلش يا حبيبتي.. أنا أم العريس، كريمة الألفي.”
البنت بصت في التابليت تاني، وصاباعها المتظبط بمناكير شيك بيعدي على الشاشة. وبعدين رفعت عينها.. ما كانش استغراب اللي شفته في عينها، كانت شفقة.
قالت لي بصوت واطي ومشدود: “آسفة يا فندم.. مفيش إذن بدخولك.”
الكلمة دي نزلت عليا أشد من ضربة على وشي. مفيش إذن! كأني واحدة غريبة حافية محتاجة تتسلل لمكان مالهاش أي حق فيه.
وبعدين شفته..
كريم كان واقف عند الجنينة الرئيسية لابس بدلة توكسيدو سوداء شيك جداً، وبيضحك وبيبتسم للمصورين بتكلف. ده الولد اللي أنا تبنيته وهو عنده تلات سنين بس. الطفل الصغير اللي لقيته بيعيط في مكتب رعاية أطفال معقم في الإسكندرية، وماسك لعبة عربية بلاستيك في إيده. الطفل اللي كان ماسك في طرف طرحتي في أول يوم لينا سوا وبص لي بعينين كبار ومرعوبين وسألني: “أنتِ كمان هتمشي وتسيبيني؟”
مشيت ناحيته قبل ما البنت أو أفراد الأمن يلحقوا يمنعوني. أول ما أخد باله مني، وشّه ما نورش.. ما كانش متفاجئ، كان باين عليه الضيق والزهق التام.
قال لي من تحت أسنانه وهو بيبعد عن كاميرا التصوير: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟”
قلت له بصوت ثابت بالعافية رغم الرعشة اللي في إيدي: “جيت فرحك يا ابني.. قالوا لي اسمي مش في القائمة.”
قلّب عينه بقلة صبر. دي حركة شفتها منه آلاف المرات وهو في سن المراهقة، بس هنا والنهارده.. كانت كأنها س/كينة بتتقلب في ضلوعي. بص لي كأني شحاذة تاهت في الشارع ودخلت جوة صورته المثالية.
”هو أنتِ بجد كنتِ فاكرة إنك معزومة؟”
لثانية، الهواء اتقطع من صدري تماماً.
من وراه، طلعت عروسته شرين. كانت بتبرق بفستانها الأبيض المصمم خصيصاً لها، ومغرقانة لؤلؤ وشيك كأنها متصنعة مخصوص عشان الكاميرات الغالية. كانت لابسة الابتسامة الصفراء الضيقة دي اللي الستات بيستخدموها لما يعوزوا يذلوا حد من غير ما يوسخوا إيديهم.
دندنت شرين وهي بتحط إيدها برقة على ذراعه: “كريم يا حبيبي، ما تطولش الموضوع وتعمل سالفة.. التصوير هيبدأ والتقاط الصور في الإضاءة دي مظبوط بالملي.”
بصيت لابني.. أنا إديته اسمي، بيتي، وشبابي كله. اشتغلت موظفة استقبال في المستشفيات الصبح، وكنت بخيط وأفصل يونيفورمات للسيدات بالليل عشان أقدر أدفع له مصاريف المدارس الخاصة. بعت دهب أمي الانتيك لما جاله التهاب زائدة دودية وكان محتاج عملية طارئة. لبست نفس بالطو الشتا لمدة اتناشر سنة عشان أقدر أجيب له لاب توب، ومدرسين فرنسي، ومخيمات برمجة في الصيف، ورحلات تبع المدرسة لفرنسا وأوروبا.
همست له، والوجع أخيراً ظهر في نبرة صوتي: “كريم.. أنا أمك.”
بؤه اتلوى بقسوة: “أمي كانت هتحترم حياتي ومقامي! شرين عندها حق.. أنتِ دايماً بتفرضي نفسك، دايماً عايزة تخلي الناس تشفق عليكِ بقصصك الحزينة دي، دايماً عايزة تعملي كل حاجة عنك أنتِ وبس!”
شرين اتنهدت بدراما كأنها بتتعامل مع طفل عنيد: “طنط كريمة، الموضوع مش شخصي والله،” وهي بتظبط حلق الألماس في إذنها: “إحنا بس كنا عايزين فرح راقي، متظبط بالملي، ومعانا فيه ناس تليق بالمكان وتناسبنا.”
ناس تليق بينا.
أنا.. الست اللي شالته من الملجأ والضياع، بقيت ما أليقش بفرحه.
افتكرت أول مرة شرين أهانتني في مطبخي. كانت داقّت طاجن البامبة اللي عملته، وعملت وش قرف وتصنع وقالت إنها مش فاهمة كريم كبر إزاي وهو بياكل “أكل مستشفيات حزين”. يومها استنيت ابني يدافع عني.. يقول كلمة.. بس هو كمل أكل ولا كأنه سمع حاجة.
بعدها بدأت التعليقات السخيفة المتواصلة عن هدومي القديمة، سني، مكالماتي، بيتي الصغير، الكوبونات اللي بجمعها عشان الخصومات، وعربيتي المستعملة القديمة. ولما اتخطبوا، كنت أخر واحدة تعرف. وصلت مطعم فخم وأنا فاكرة إننا بنحتفل بترقية كريم، لأتفاجأ بشريب رافعة خاتم ألماس ضخم قدام عيلتها الغنية، والكل بيصرخ “مفاجأة!”. ابتسمت وسقفت، بس جوايا، فهمت أخيرًا.. هما كانوا بدأوا يقصوني من الصورة خلاص.
كريم كان قال لي في مكالمة مستعجلة بعدها بأسابيع: “الفرح هيكون عائلي ومحدد أوي يا أمي.. الأقارب المقربين جداً وكبار المستثمرين بس.”
وأنا بهبلي افتكرت إن الأم تعتبر من “الأقارب المقربين”.
وأنا واقفة هناك في شمس الجونة، وباصة لهم هما الاتنين، تحول عميق حصل جوايا. كان ممكن أعيط.. كان ممكن أترجاه.. كان ممكن أفصّله كل دور سخونية طببته فيه بكيمادات مية باردة، كل قسط تعليم شفط حسابي في البنك، وكل ليلة نمت فيها بجوعي عشان هو يشبع.
بس ما عملتش كده. الخوف والحزن تبخروا، وسابوا مكانهم حاجة تانية خالص.. حاجة باردة، ناشفة، وساكنة برعب.
ابتسمت.
قلت له: “أنا فهمت كويس أوي.”
شرين بربشت، ووشها المغرور اترسم عليه اللخبطة. كريم كشر، وفجأة بقى قلقان من هدوئي ده.
حذرني: “بلاش تعملي شوشرة يا أمي وتفضحينا.”
قلت له وأنا بفرد طرف فستاني الأزرق: “أنا مش هعمل شوشرة خالص.. ألف مبروك، وأتمنى لكم فرح جميل.”
لفيت وضهري للمكان ومشيت ناحية البوابة. محدش مشي ورايا. محدش وقفني. محدش قال: استنوا، دي صاحبة البيت.
أول ما قعدت في العربية المخصوص اللي كانت مستنياني برة السور الحديد، طلعت تليفوني وكلمت الأستاذ سامح، المحامي بتاعي وصديقي المقرب بقاله أكتر من عشرين سنة.
رد من ثاني رنة: “أستاذة كريمة؟ كل حاجة تمام؟ الفرح عامل إيه؟”
بصيت من الشباك المتفيم على الفيلا الواسعة اللي ابني بيتجوز فيها وبيبيع حياته لست بتكرهني.
قلت بصوت هادي بشكل يرعب: “لأ يا سامح.. بس رؤيتي بقت واضحة زي الشمس دلوقتي. ما رضوش يدخلوني.”
سامح سكت تماماً. كان عارف كل حاجة أنا ضحيت بيها.
”عايزة تعملي إيه؟”
قلت: “كريم لسه موريّني قيمتي عنده بالظبط.. نفّذ خطط الطوارئ. كل اللي اتكلمنا فيه.. احرق كل حاجة.”
كان فيه تنهيدة تقيلة من الناحية التانية: “أنتِ متأكدة يا كريمة؟ أول ما أضغط على الكيبورد هنا، كل الدومينو هيقع.. ومفيش رجوع في السكة دي.”
بصيت للظرف اللي في حجري. الجواب اللي جوة كان مليان حب، مسامحة، ذكريات الطفولة، ودعوات.. كلام عمره ما هيقرأه.
قلت له: “متأكدة.. طالما أنا مش أمه قدام الناس، مش هبقى شبكة الأمان بتاعته في السر.”
سامح قال: “مفهوم.. هبدأ تجديد وتجميد الحسابات والأصول الليلة دي. بس يا كريمة.. قبل ما أعمل كده، فيه حاجة لازم تعرفيها.. حاجة المحققين بتوعي اكتشفوها الصبح عن شركة التكنولوجيا بتاعة كريم.”
مسكت التليفون جامد: “إيه هي؟”
سامح قال بصوت واطي وجاد: “كريم مش بس قفل الباب في وشك في فرحه.. ده هو على وشك يتقفل عليه باب السجن! وعيلة شرين؟ هما داخلين في نصبية تانية خالص بعيد عنه!”
الفصل الثاني: قلعة الورق
تاني يوم الصبح، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ سامح في الدور العالي، الموُطل على النيل من فوق. فنجان القهوة على مكتبه الخشب كان برد، ومحدش لمسه.
قال لي سامح وهو بيزق ملف أصفر تقيل قدامي: “لازم تشوفي الأوراق والحسابات دي بنفسك يا كريمة.”
ما مدّيتش إيدي للملف على طول، فضلت باصة للقفل النحاس بتاعه بس.
على مدار عشرين سنة، كان كريم فاكرني مجرد ست تعبانة وشقيانة بتخيّط هدمتين وتقصقص كوبونات التخفيضات. ما كانش يعرف إن البيت الصغير القديم اللي اشتريته زمان في منطقة شبرا، اتعاد تسعيره واتباع لشركة تطوير عقاري بمبلغ وقدره. ما كانش يعرف إن الفلوس دي أخدتها واستثمرتها صح في البورصة والعقارات، وعملت منها ثروة طائلة بملايين الجنيهات.
أنا داريت ثروتي عنه تماماً. ليه؟ عشان كنت عايزاه يتربى عنده شغف وطموح للشغل، كنت خايفة الفلوس الجاهزة تعميه وتهد حيله. كنت بديله بالظبط اللي يحتاجه عشان ينجح، وأمرر الفلوس من تحت لتحت عن طريق منح دراسية وهمية وشراكات مستترة.
كريم ما كانش عنده أدنى فكرة إن الشقة الفاخرة المطلة على النيل في الزمالك اللي عايش فيها مملوكة لشركة مساهمة أنا اللي بديرها في السر. وما كانش يعرف إن شركته الناشئة للتكنولوجيا “نوڤا تك” كانت عايشة على دعم “مستثمر خفي”، اللي هو في الحقيقة شركة محاماة سامح بيمولها بفلوسي. كل حياته اللي بناها على وهم “العبقري اللي بنى نفسه بنفسه” كانت متمولة بالكامل من الست اللي لسه سايبها برة البوابة زي الكلب الضال!
سألته ونبرتي مفيهاش الرعشة اللي في صدري: “هو عمل إيه يا سامح؟”
ظبط سامح نظارته: “شركة نوڤا تك مش مجرد شركة بتخسر يا كريمة.. دي عملية نصب متكاملة! خوارزمية ضغط البيانات اللي كان بيعرضها على المستثمرين في القرية الذكية؟ ما كتبش فيها سطر كود واحد بنفسه!”
غمضت عيني: “أمال مين اللي كتبها؟”
”واحد صاحبه قديم من أيام الجامعة.. ولد عبقري بس كان مديون وطالع عين أهله اسمه مازن. كريم سرق الكود من سيرفر مازن، بس مازن قفشه. وبقاله 18 شهر، كريم بياخد السيولة اللي بنحولهاله كل شهر من فلوسك أنتِ، وبيدفعها لمازن من تحت الترابيزة عشان يسكت.. إتاوة وابتزاز تحت مسمى ‘استشارات’.”
دمي اتجمد في عروقي. ابني ما كانش مجرد ولد مغرور وناكر للجميل.. ده طلع حرامي ومجرم!
سألته واسمها طالع في بؤي زي الرماد: “وشرين؟ تعرف حاجة؟”
سامح ضحك ضحكة مريضة: “شرين بتلعب لعبتها هي كمان! عيلتها متغرقة في الديون للرُكب، وأبوها شركة الشحن بتاعته أفلست من تلات سنين. ورهنوا فيلتهم في التجمع عشان بس يعرفوا يصرفوا ويظهروا قدام الناس في النادي إنهم هاي كلاس. شرين اتجوزت كريم عشان فاكراه المليونير الجديد، وفاكرة إن شركته هتنزل البورصة السنة الجاية وهتسدد ديون عيلتها في غمضة عين!”
السخرية المرة كانت مالية الأوضة. اتنين طفيليين عايشين على وهم نجاح بعض، ومتمولين بالكامل من الست اللي شايفينها “بيئة ومتقامش” عشان تظهر في صور فرحهم الفخم.
قلت له بصوت واطي بس صلب زي الحديد: “اقطع كل حاجة.. اقفل الحنفية.”
سامح قرب مني وحط إيده على المكتب: “كريمة، اسمعيني كويس.. لو سحبت التمويل النهارده، الفلوس اللي بتروح لمازن هتتقطع فوراً. وأول ما مازن يحس إن الفلوس وقفت، هيطلع على النيابة العامة ورجال الشرطة فوراً. البلاغات والقضايا هتنزل على دماغ كريم قبل ما يرجع من شهر العسل في المالديف.”
قلت له: “قلت لك اقطعها.”
سامح هز رأسه ونظرة الشفقة والاحترام في عينه. فتح اللابتوب بتاعه، ومع كل ضغطة زِرار، كان فيه قالب طوب بيتهد من القصر المزيف اللي كريم بناه بالنصب.
أولاً: الشركة اللي ملكيتها شقة الزمالك فسخت العقد، وشركة الأمن أخدت تعليمات بتغيير الكوالين والتهديد بالإخلاء يوم الجمعة.
ثانياً: المستثمر الخفي لشركة “نوڤا تك” سحب دعمه رسمياً وسحب السيولة، وسحبت كل الحسابات الجارية للشركة.
قمت وقفت عند الشباك الكبير المطل على القاهرة والنيل. أنا قضيت عمري كله ببني حصن أحمي بيه ولد كبر وبقى وحش.. ودلوقتي أنا اللي بهدم الحصن ده بإيدي.
تليفوني رن في الشنطة. كان إشعار من صفحة شرين على الانستجرام.. كانت لسه نزلت صورة.
واقفة هي وكريم بيشربوا عصير في درجة رجال الأعمال في الطيارة، وكاتبة: “في الطريق للجنة مع ملكي العصامي.. الحمد لله إننا خلصنا من الحمول التقيلة وحوطنا نفسنا بالناس اللي تليق بينا وبمستوانا. #شهر_عسل #المالديف #الحمد_لله”
بصيت للشاشة وابتسامة باردة اترسمت على وشي.
انبسط بالجنة يا كريم.. قلتها في سري، عشان الجحيم مستنيك أول ما تيجي تدفع الفاتورة.
الفصل الثالث: السر القذر
بعد تلات أيام، كنت قاعدة في جنينة بيتي الصغيرة في المعادي، بنضف شجر الورد بهدوء، لما تليفوني رن. كان رقم دولي طويل غريب، فسبته يرن وما رديتش.
بعد خمس دقايق رن تاني.. وبعدين تالت، برنة ملحة ومرعوبة.
دمست إيدي من الطين بفتلة قماش ورديت.
”أمي؟ أمي.. الحمد لله إنك رديتِ!”
كان كريم. النبرة المظبوطة والمغرورة اللي كان بيتكلم بيها في الفرح اختفت تماماً. كان صوته عالي، ومشدود، وطالع بالعافية، وصوت موج البحر والهوا باين في الخلفية.
سألته بهدوء تام كأننا بنتكشف عن الجو: “أهلاً يا كريم.. شهر العسل عامل إيه؟”
قال بصوت متقطع ونفسه رايح: “أمي! فيه حاجة غلط في البنك بشكل مجنون! كارت الفيزا البلاتيني بتاعي اترفض في المطعم بتاع الفندق! جربت كروت الشركة، كلها موقوفة وتالفة! بقالي ساعتين بحاول أكلم مدير الحسابات في البنك وبيقولوا لي الرقم غير متاح! أمن الفندق بيهددوا يرموا شنطنا برة الشاليه لو مادفعتش مصاريف الإقامة!”
قلت له وأنا بمصمص شفايّ وبقص ورقة شجر ميتة بالمقص: “يا ساتر.. موضوع يوتر فعلاً.” تك.
زق في الكلام بغضب: “يوتر؟! أمي أنا بتهان! شرين قافلة على نفسها الحمام وبتعيط! اسمعيني، محتاج تحولي لي 200 ألف جنيه فوراً! هيرجعوا لك بفوائدهم أول ما أحل المشكلة دي.. انزلي فرع البنك اللي جنبك وحوليهم دلوقتي!”
كمية الاستحقاق والانانية اللي عنده كانت تصدم! من أقل من أسبوع موقف لي أمن على الباب عشان يطردني من فرحه، ودلوقتي بيطالب بتحويشة عمري عشان يحفظ ماء وشه قدام مراته المادية!
قلت له: “مش هقدر أعمل كده يا كريم.”
”يعني إيه مش هتقدري؟! أنتِ مش عندك حساب التوفير اللي دايماً بتتفشخري بيه؟! طلعي منه! أنا محبوس ومزنوق برة مصر!”
”معنديش فلوس أديهالك يا كريم.. أنت راجل ‘بنيت نفسك بنفسك’ زي ما بتحب تفكر الناس دايماً. وأنا متأكدة إن عبقري تكنولوجيا زيك هيعرف يتصرف في مشكلة سيستم بسيطة في البنك.”
زعق وعبر عن وشه الحقيقي: “أمي! بلاش الحركات الخبيثة دي! عيلة شرين لو عرفت هتبقى كارثة!”
قلت له وأنا ساندة على السور الخشب: “يعرفوا إيه يا كريم؟ إنك معندكش ملليم؟ ولا إن الشقة الفاخرة اللي عايش فيها مأجراها شركة أنت ما تملكهاش؟ ولا إن شركتك بيت من قش مبني على كود مسروق؟”
سكوت تام ساد على الخط، باستثناء صوت الوشوشة وصوت البحر البعيد. كنت سامعة دقات قلبه وهي بتقف من الصدمة.
همس بصوت بترعشه الرعب: “أنتِ.. أنتِ عرفتِ منين موضوع الشقة؟ وعرفتِ منين موضوع الكود؟”
قلت له: “توصل بالسلامة يا كريم.. لو لقيت فلوس تشتري بيها تذاكر الطيران.”
قفلت السكة، طفيت التليفون، ورميته على الترابيزة.
بعدين عرفت من سامح اللي حصل. بعد ما كل الحسابات اتجمدت، كريم اضطر يعترف لشرين إنه مفلس ملليم. شرين اتجننت وعملت مناحة، وكلمت أبوها تترجاه يلحقهم بفلوس.. وأبوها، اللي كان بيهرب من محامي الضرائب والديون اصلاً، اضطر يسحب بفيزة كارت فوايده عالية جداً عشان بس يشتري لهم تذاكر طيران اقتصادية يرجعوا بيها على القاهرة.
ولما وصلوا بعد أربع أيام—تعبانين، هربانين، ومتهانين—أخدوا عربية أوبر وركبوا مباشرة على شقة الزمالك.
وحسب كلام أمن العمارة، الكارت الذكي بتاع كريم أدى إشارة حمرا عند الأسانسير. وموظف الاستقبال سلم له ظرف رسمي مقفول.
كان إنذار بالإخلاء.
العقار رجع لمالكه الأساسي (الشركة)، الكوالين اتغيرت، وعفشه وهدومه الماركات اتقفلت في كراتين واتنقلت لمخزن قديم في منطقة عشوائية.
ما كانش عندهم أي مكان يروحوه. بيت عيلة شرين في التجمع كان عليه حجز وتحفظ من البنوك—وده السر اللي ما قدرتش تخبيه عن جوزها خلاص.
كنت عارفة إنها مسألة وقت قبل ما ييجوا للمكان الوحيد اللي بيحتقروه. عملت كوباية شاي بالنعناع، وقعدت على الكرسي بتاعي جنب الشباك، واستنيت في النور الهادي.
الساعة 9:45 بالليل، إضاءة عربية ضربت في الصالة عندي. عربية تاكسي مكسرة وقفت قدام الباب. شفت من ورا الستارة كريم وشرين نازلين. شرين كانت طالعة زي المجذوبة—شعرها منكوش، وترنجها الحرير الغالي متبهدل ومترب. وكريم جاي على المشاية الرخام وإيده متشنجة ووشه أحمر من الغل.
ما خبطش.. ضرب بقبضة إيده بغل على الباب.
”افتحي الباب! افتحي الباب يا أمي!”
حطيت كوباية الشاي، ومشيت للباب وفتحته، وسيبت الباب الحديد الفورفورجيه مقفول بينا.
صرخ كريم والتُفال بيطير من بؤه وعينه حمرا: “عملتِ إيه؟! المستثمر سحب فلوسه من الشركة! والشقة اتسحبت! أنتِ كلمتِ مين يا أمي؟! كلمتِ سامح المحامي؟! عايزة تخربي بيتي وتدمريني عشان مقعدتكيش في الفرح؟!”
بصيت له.. بصيت له بجد. الولد اللي أنا انقذته زمان ما بقاش موجود.
قلت بصوت هادي يرن في سكون الليل: “أنا ما دمرتكش يا كريم.. أنا بس بطلت أنقذك.”
قبل ما يرد، شرين زقته وجت عند السلك الحديد وعيونها زي المجانين.
صرخت شرين: “هي بتقول إيه يا كريم؟! دي ست خياطة فقيرة عايشة في بيت قديم! إزاي تقدر تاخد شقتك؟!”
بصيت لشرين، وحسيت بشفقة لحظية غريبة عليها. هي كانت حد سيء، بس اتنصب عليها بمعلمة.
قلت لها وأنا باصة في عينها: “عشان الشقة ملكي يا شرين.. أنا المالك للشركة اللي مولة شركته، وأنا المستثمر الخفي اللي إداله رأس المال في الأول. كريم مش عبقري تكنولوجيا، ولا مليونير عمل نفسه بنفسه.. كريم ولد عاش 20 سنة بيصرف من مصروف أمه السري.”
شرين لفت وشها ببطء لكريم، وبؤها مفتوح من الصدمة. السكوت اللي نزل على الباب كان أتقل من الحديد. كريم اتكمش لورا، ووشه اتخطف منه الدم كلياً والحقيقة البشعة بانت قدامه.
وفجأة، صوت قطع سكون الشارع كله..
سرينة بوليس.
عربيات شرطة بوكس ونجدة دخلت الشارع بسرعة وسريناتها مكسرة الضلمة، والأضواء الحمرا والزرقا ضربت في بيت الصغير.
وما كانوش جايين عشان يعملوا محضر إزعاج!
الفصل الرابع: الانهيار
العربيات فرملت بعنف قدام التاكسي مباشرة. نزل منها اتنين أمناء شرطة ورجل مدني لابس بدلة، ووشوشهم صارمة وجادة، وإيديهم محطوطة بحذر جنب أسلحتهم.
كريم اتجمد مكانه على العتبة. الغضب اللي كان في وشّه اتبخر في ثانية، وحل مكانه رعب أصفر، ورجليه حرفياً ما بقتش شايلاه.
طلّع الراجل اللي بالبدلة كارنيه شارة مباحث مباحث الأموال العامة ومكافحة جرائم الإنترنت، وقال بصوت حاسم: “كريم الألفي؟”
شرقَت شرين بصرخة نصها صويت ونصها شهقة، وبعددت عن كريم كأنه شايل مرض معدي، ولزقت ظهرها في سور بيتي الرخام.
رد كريم وهو بيرفع إيده بشكل تلقائي وصوته بيرتعش: “أ.. أيوة؟”
”معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة العامة بتهم النصب والإحتيال الإلكتروني، والاستيلاء على ملكية فكرية، واختلاس أموال مستثمرين.”
كريم صرخ وصوته بيتكسر: “لأ استنوا! فيه غلط كبير! فيه حاجة غلط!” وبص لي من ورا السلك الحديد بعيون واسعة، مبلولة، وتترجى: “أمي! أمي أرجوكِ! قولي لهم! قولي لهم إن فيه غلط! كلمي الأستاذ سامح! قوليله يفك الحظر عن الفلوس! أنا هسوي الموضوع مع مازن، وهدفع له اللي عايزه، أنا هصلح كل حاجة!”
كان بيكر في العياط خلاص. الراجل المغرور والشيك اللي كان بيقَلّب عينه من الفستان الأزرق بتاعي من كام يوم بس، اختفى تماماً. وجيه مكانه الطفل المرعوب أبو تلات سنين اللي لقيته بيعيط في دار الرعاية بالإسكندرية وبيترجاني ما أسيبوش.
قلبي اتوجع عليه.. اتوجع جداً وبصدق. غريزة الأم الفطرية بتخليها تحذف نفسها قدام قطر عشان تحمي ابنها من الدنيا. كل خلية في جسمي كانت بتصرخ عشان أفتح الباب، وأكتب شيك بمليون جنيه، وأأجر له أكبر وأحسن محامي في البلد يطلّعه منها.
بس افتكرت بوابة الفيلا في الجونة.. افتكرت كلمة “مفيش إذن بدخولك”.. افتكرت نظرة القرف من شرين وسكوت كريم الجبان.. افتكرت إزاي بص لي كأني زبالة أو عار في حياته.
قلت له بصوت هادي من ورا السلك: “مازن هو اللي راح للنيابة النهاردة الصبح يا كريم.. أول ما الفلوس اتقتعت عنه، عرف إن مفيش حاجة يخسرها، وسلمهم كل تسجيلات السيرفرات والتاريخ بالثانية.. أنا ما أقدرش أحميك من القانون.. ومش هعمل كده.”
صرخ وهو بيتمسك من ذراعين الأمناء وبيتكبش إيده ورا ظهره بصوت الكلبشات الحديد الصلب: “أنتِ اللي عملتِ كده! أنتِ اللي دمرتِ حياتي! أنتِ وحش!”
رديت عليه بدمعة سخنة نزلت على خدي: “لأ يا كريم.. أنا إدتك حياة كريمة وجميلة.. أنت اللي رميتها في الزبالة عشان ما كانتش بتبرق كفاية بالنسبة لك.”
شرين حتى ما بصتش عليه وهو بيتسحب على المشاية ويترمى في ظهر عربية البوليس. كانت ماسكة تليفونها وبتبعت ورسايل بنرفزة، غالباً بتحاول تتوصل لمحامي يرفع لها قضية بطلان جواز أو خلع قبل ما اسمها يتبط بـ “مسجون ونصاب” وتضيع بقية وجاهة عيلتها الاجتماعية.
ولما عربيات الشرطة مشيت وأخدت ابني في الضلمة، لفت شرين وبصت لي.
لأقل من ثانية، افتكرت إنها ممكن تعتذر.. افتكرت إنها هتعرف إننا إحنا الاتنين كنا ضحايا لصحيفة كذبه.
بدل كده، ظبطت الجاكيت الماركة المتبهدل بتاعها، وبصت لي بنظرة غل وسم صافي، وتفت على شجر الورد بتاعي. ومشيت بخطوات سريعة بكعبها على الأسفلت عشان تسبق تاكسي تاني.. وما نطقتش معايا بكلمة واحدة بعدها.
قفلت الباب الخشب التقيل، ودخلت المطبخ الصغير الهادي، ودلقت بقية الشاي بالنعناع في الحوض.
السكوت في البيت كان تقيل ومرعب.. بقاله عشرين سنة المكان ده مليان قلق وتربية ولد، وضغط إخفاء الثروة عشان أديه درس في الحياة، والشقا المجهد عشان أطلع من طفل مكسور راجل صالح وأمين.
أنا فشلت في الأخيرة دي.. بس ولأول مرة في حياتي، السكوت ما كانش حاسسني بالوحدة.. كان حاسسني بالنظافة.
طلعت سريري ونمت اتناشر ساعة متواصلين.. بس لما صحيت، الكابوس ما كانش خلص تماماً.
الفصل الخامس: مواجهة الواقع
المحاكمة استمرت تمان شهور كاملين.. كانت سيرك إعلامي. “الفتى الذهبي المزيف للقرية الذكية” كان عنوان المجلات والمواقع الصحفية.
ما حضرتش ولا جلسة.
محامي كريم اللي عينته له المحكمة حاول يوصل لي ييجي ست مرات يترجاني أجي أشهد شهادة شخصية عن أخلاقه وطفولته، على أمل إن أم بتبكي تكسر قلب القاضي ويخفف الحكم.. بس سامح كان بيمسك كل المكالمات ويرفض بشياكة بس بصرامة.
اتحكم على كريم بالإدانة في كل التهم.. واخد خمس سنين سجن مشدد، مع رد المبالغ والمستحقات المادية لمازن وللمستثمرين اللي نصب عليهم قبل ما تدفقات فلوسي تقف.
شرين رفعت قضية بطلان عقد جواز والمحكمة حكمت لها في أول شهرين، وطلعت في البرامج والجرائد بتعيط وتقول إنها كانت ضحية لخداعه المالي والنفسي. وأخر حاجة سمعتها عنها إن البنك حجز على فيلتهم في التجمع، وهي شغال دلوقتي بائعة في محل ملابس حريمي براند فخم في مول شهير، وبتحاول بشدة تشقط زبون غني يتجوزها قبل ما شبابها يروح.
أما أنا، فأخدت قرار أخير ونهائي.. طلبت من سامح يبيع كل المحفظة العقارية والأسهم والأصول.. كل حتة أرض وكل شركة وكل سهم.
قعدت في مكتب سامح في صباح يوم ثلاثاء مشرق، وكان فيه كومة أوراق تحويلات مالية بيننا.
قال لي سامح بصوت مليان تأثر وهو باصص للأوراق بذهول: “دي مؤسسة خيرية ضخمة يا كريمة.. مؤسسة الألفي للتنمية.. أنتِ هتغيري حياة آلاف الشباب.”
ابتسمت ومسكت القلم الحبر التقيل: “هو ده الهدف الوحيد يا سامح.”
حولت 95% من ثروتي لمؤسسة خيرية جديدة وغير قابلة للتلاعب، مخصصة بالكامل لتقديم المنح الدراسية الجامعية الشاملة، والدعم النفسي، وسكن للشباب والأيتام اللي بيخرجوا من دور الرعاية بعد سن الـ 18 عشان يبدأوا حياتهم.
سيبت لنفسي بس اللي يكفيني: المبلغ اللي يضمن لي بيتي الصغير، وجنينتي اللي بحبها، ومعاش هادي ومريح ما اضطرش فيه أبص لورقة السعر في السوبرماركت تاني.
عرفت، بعد شهور من جلسات العلاج النفسي، إن غلطتي الكبيرة مع كريم ما كانتش إني حبيته زيادة عن اللزوم.. غلطتي كانت إني حاولت أشتري كرامته بإن أحميه من قسوة الواقع وتجارب الحياة. أنا بنيت حواليه قصر زجاجي فخم ومش شايفه، ولما قرر يرمي حجر، القصر كله اتكسر عليه.
الشباب اللي مؤسسة الألفي هتساعدهم مش هيلاقوا شبكة أمان سرية ولا حسابات مقفولة.. هيلاقوا أدوات.. هيلاقوا تعليم.. هيلاقوا فرصة حقيقية يتبنى بيها مستقبلهم، طوبة بطوبة ومن عرق جبينهم.
مضيت على آخر ورقة.. وسامح وثقها.. وكده كل حاجة انتهت.. وأنا بقيت حرة.
وأنا طالعة من مكتبه، موظفة الاستقبال سلمتني ظرف صغير متبهدل جيه على عنوان بيتي القديم.. كان عليه ختم البريد الخاص بالسجن العمومي.
الفصل السادس: الإرث الحقيقي
عرفت خط كريم المفركش والمنكوش على طول أول ما بصيت للظرف.
ما فتحتوش في المكتب.. أخدت الأتوبيس ودمت راجعة البيت، وأنا بستمتع بهدوء المدينة وإيقاع الشارع العادي. قعدت على ترابيزة مطبخي الصغير، والظرف كان تقيل وفيه إحساس بالرعب بين إيديا. افتكرت الجواب اللي كنت واخدة معايا يوم فرحه—الجواب اللي كان مليان دعوات وبركة من غير شروط وهو حتى ما كلّفش نفسه يقرأه.
مشيت صباعي على ختم الظرف المقفول.. هل كان بيعتذر؟ هل كان بيطلب فلوس عشان الأمانات في السجن؟ ولا كان بيلومني لآخر مرة؟
وفجأة، وحسيت براحة وسلام نفسي عميق أوي، وعرفت إني ببساطة ما بقاش يهمني أعرف.
ما فتحتش جوابه.
وما رميتوش في الزبالة برضه. قمت مشيت للصالة وحطيت الظرف المقفول زي ما هو جوة علبة خشب صغيرة على الرف عندي. هيقعد هناك.. زي أثر مقفول وساكت لشبتر وفصل من حياتي اتفصل واتقفل للأبد.
أنا أدّيت واجبي.. أنا كنت أم. ربيته، وأكلته، وحميته من الملجأ والضياع، وفي الآخر.. علمته الدرس الوحيد اللي كان فاضل يتعلمه: إن للأفعال عواقب مفيهاش مجاملة.
خرجت من الباب الخلفي ونزلت الجنينة. شجر الورد والفل كان طالع وجميل السنة دي، مالي المكان ومغروز بجذوره في الأرض. أخدت نفس عميق ونظيف من هوا الصبح، وحسيت إني خفيفة أواني ما حسيتش بيه من عشرات السنين. عبء وتقالة ذنب الأمومة اللي كنت شايلاها أخيرًا اتزاحت من على كتفي.
الماضي راح خلاص، وادفن تحت ثقل غروره وكبرياءه. والمستقبل بقى بتاع الناس اللي مستعدة تتعب وتشتغل بجد.. للشباب والأطفال اللي هيستغلوا إرثي عشان يطلعوا من ضلمة الضياع للنور.
ولأول مرة في حياتي كلها.. بقيت أنا الكاتبة الوحيدة والمالكة لقصة حياتي.