قبل الفرح بيوم حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
قبل الفرح بيوم واحد، مسكت أمي كل هدوم حيلتي وقطعتها حتت صغيرة بالمقص، ورمت القماش المتبهدل تحت رجلي وقالتلي بقلة أدب وشماتة: “دول لايقين عليكي أوي”. خاتي كانت واقفة جنبها بتضحك وقالت: “يمكن لما يشوفوكي شحاتة كده، حد يتشفّق عليكي ويرضى يتبلي بيكي ويجوزك!”. كانوا فاكرين إني هروح الفرح مكسورة، وحيدة، وسهل يبقوا يتريقوا عليا قدام القرايب. بس لما دخلت القاعة وجنبي جوزي الملياردير اللي كنت مخبية جوازي منه، الضحكة اتجلطت على وشوشهم، وشهم جاب ألوان، والدم هرب من عروقهم.
الجزء الأول: الفستان اللي حاولوا يبوظوه
عصر اليوم اللي قبل فرح أخويا “أحمد”، كنت واقفة في أوضة الضيوف في شقتنا في مدينة نصر، مبحلقة في الفستان الوحيد اللي كنت جيباه معايا.
شنطة هدومي كلها كانت متقطعة ومترشوقة بالمقص.. تقطيع مخدوم ونظيف عشان يضمنوا إن مفيش فتلة تنفع تتصلح.
”أوعي تكوني فاكرة نفسك هتطلعي للناس بالبتاع ده في العشاء النهاردة؟”
أمي كانت واقفة ورايا، مربعة إيديها وعلى وشها ابتسامة نصر وشماتة. بصت على الفستان الكحلي المتقطع وقالت كأنها عملت فيا جميلة: “كده أحسن، لايق عليكي وعلى خيبتك.. عشان تعرفي حجمك الطبيعي”.
لفيت لها ببطء، وكنت بغصب على نفسي أبان هادية رغم إن إيدي كانت بترعش من كتر القهر.
“ليه عملتي كده يا أمي؟ عملتلك إيه؟”
ردت ببرود ومن غير ما يطرق لها جفن:
“عشان أنتي طول عمرك نرجسية وعايزة تسرقي الأضواء من أخوكي. ده أسبوع أحمد، ولازم تفهمي مقامك كويس وما تظهريش فوق حقيقتك.”
قبل ما أرد بكلمة، طلعت خاتي “ماجدة” من المطبخ وفي إيدها كوباية شاي، وقالت وهي بتكركر بالضحك:
“عندها حق يا نور.. يمكن لما يشوفوكي ماشية بشراشيب ومخرقة كده، يصعب عليا أي راجل غلبان ويتجوزك رحمة بيكي!”
صوت ضحكهم المبتذل كان مالى الأوضة، وأنا واقفة ماسكة قماش فستاني المتقطع بين إيديا.
دي مكنتش أول مرة يكسروني فيها.. بعد ٢٦ سنة، بقيت حفظت خلاص هما شاطرين إزاي يخلوني أحس إني ولا حاجة، وإني أقل واحدة في الدنيا.
بس هما مكنوش يعرفوا الحقيقة..
أنا مكنتش سنجل..
ومكنتش لوحدي..
ومكنتش الفاشلة ولا العانس اللي هما فاكرينها.
أنا بقالي أكتر من سنة متجوزة في السر من “زياد الشافعي”.. رجل أعمال وملياردير معروف. أنا اللي اترجيته نكتفي بكتب الكتاب وما نعلنش الجواز للكل، عشان أبعده عن قرف عيلتي وطمعهم، وما يعيشش في الدراما السمجة بتاعتهم.
بالنسبة لهم، أنا كنت لسه “نورهان”.. البنت المنسية اللي ملهاش أي قيمة ولا لازمة.
قبل أربع ساعات بس، كنت بعت لزياد رسالة واحدة على الواتساب حكيت له فيها على اللي أمي عملته.
رد عليا بأربع كلمات بس:
ابعتيلي عنوان البيت فوراً.
على آخر العصر، كنت قاعدة في الأوضة في هدوء تام، والبيت كله مقلوب ومستعد للفرح. أصوات السشوارات في السالة، والقرايب داخلين طالعين، ومحدش واخد باله إني ساكتة تماماً ومش بتكلم.
وفجأة.. جرس الباب رن.
أمي زعقت من جوة: “يا نورهان! فزّي افتحي الباب، أنتي كده كده مفيش منك أي فايدة!”
نزلت مشيت ببطء وفتحت الباب.
كان واقف برة.. “زياد”. لابسه بدلة رمادي تفصيل متفصلة عليه بالملي، وملامحه الهادية الحادة اتغيرت أول ما شافني واقفة بقميص بهتان وبنطلون جينز مقطوع ووشي باين عليه التعب.
بصلي بحنية وسألني: “أنتي كويسة؟”
هزيت رأسي وأنا بحارب دموعي: “أنت جيت بجد؟”
قرب وباس دماغي وقال: “هو أنا أقدر أسيبك؟”
أول ما حط رجله جوة الصالة، خاتي ماجدة إيدها اترعشت وكوباية الشاي وقعت من إيدها اتدشدشت على السيراميك.
صوت الكسرة سكت البيت كله.
أمي لفّت من المطبخ وتنحت.. واقفة مذهولة ومش مصدقة عينها.
زياد مد إيده بتهذيب وثبات وقال: “زياد الشافعي.. جوز نورهان.”
البيت بقى عبارة عن مدافن.. هدوء مرعب.
أحمد أخويا وقف في نص السلم مبرق، وأبويا نزل الجرنان من إيده لأول مرة طول اليوم. كل شتيمة، كل تريقة، وكل كلمة قالوها عن إني هعنس وأموت لوحدي.. طارت وتبخرت من على وشوشهم في ثانية.
زياد حط إيده في جيب الجاكيت وطلع علبة قطيفة صغيرة.
مكنش جواه مجوهرات.. كان فيها مفتاح لشنطة هدوم كبيرة متغلفة بالبلاستيك ومتعلقة جنب الباب.
بصلي وقال بصوت مسموع للكل: “أنا عارف اللي حصل.. بالليل هاخدك وننزل جاردن سيتي نعمل شوبينج كامل، بس عشان النهاردة، قلت الفستان ده هيعجبك.”
بعدين لف وبص لأمي في عينها مباشرة بنبرة تلج:
“أنا مبسمحش لأي مخلوق يزعل مراتي أو يمس كرامتها.. لا بكلمة فارغة، ولا بمقص.”
حط إيده حوالين وسطي ومسكني بحنية وهو بيوجهني ناحية الباب:
“يلا بينا يا حبيبتي.. عشان نجهز.”
وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
“ورانا فرح محتاجين نروح نبوظه.”:
الجزء الثاني: الزوج اللي محدش كان يعمل حسابه
خرجت أنا وزياد من البيت من غير ولا كلمة زيادت، وسيبناهم في حيرتهم ياكلوا في نفسهم ويسألوا يا ترى مين ده!
على ما وصلنا المطعم اللي على النيل في الزمالك عشان عشاء المقرَبين قبل الفرح، كانت الشائعات والأخبار سبقتنا. القرايب كلهم كانوا قاعدين يبصوا علينا بذهول، ومش قادرين يستوعبوا إزي البنت اللي كانوا بيتريقوا عليها طول عمرها، داخلة على دراع واحد من أكبر وأهم رجال الأعمال في البلد.
زياد مسبش إيدي ولا لحظة وأحنا ماشيين بين الطاولات. ولاد عمي وخالتي عينهم كانت هتطلع من مكانها، وداليا خطيبة أحمد كانت واقفة متلخبطة ومش فاهمة حاجة، لحد ما واحد من أصحاب أحمد المقربين لمح زياد، ومال على أحمد ووشه جاب ألوان:
“هو ده مش… زياد الشافعي؟!”
في ثانية واحدة، الثقة والغرور اللي كانوا على وش أخويا أحمد اتقلبوا لخوف ورعب.
بعدها بـ١٠ دقايق دخلت أمي، وكانت بتحاول تتفادى تبص في عيني، وقعدت جنب خالتي ماجدة كأن شيئاً لم يكن، فاكرة إن السكوت هيمحي اللي عملته. الجو كان متوتر ومحشوق بالكهربا لحد ما أحمد مسك المايك ووقف عشان يرحب بالناس:
“بكرة يوم كبير أوي بالنسبة لي.. بس النهاردة.. النهاردة للضحك، وللحب، وللعيلة.”
بص ناحيتي، ولمحت على وشوشهم نفس الابتسامة الصفرا الخبيثة اللي حفظتها من زمان قبل ما يتكلم:
“طب إيه رأيكم نبتدئ بحدوتة صغيرة عن أختي العظيمة نورهان؟”
زياد تحرك حرك خفيفة جنبي، بس أنا مسكت إيده وأنا هادية تماماً.
أحمد رفع كاسه وقال بتريقة:
“نورهان.. البنت اللي وقعت وهي في ثانوية عامة وجابت صينية الشربات كلها على الأرض في خطوبتي الأولى.. ما تقلقوش، مش متوقعين منها تعمل نمرة النهاردة.. رغم إن الطقم اللي كانت لابساه الظهر كان شوارعي أوي وصايع!”
ضحكات مكتومة وبايخة اتسمعت في القاعة. عيلتي متعودة طول عمرها إنها تهينني عشان يسرقوا اللقطة ويضحكوا الناس، وأحمد كان فاكر إن النهاردة زي كل يوم.
بس المرة دي.. زياد قام وقف بمنتهى الهدوء.
القاعة كلها سكتت تماماً قبل ما نطق كلمة واحدة.
زياد بص للناس كلها وقال بصوت ثابت ورخيم:
“في الحقيقة.. لو فيه حد هنا المفروض يقف ويرفع الكاس.. فهو أنا.”
ابتسامة أحمد اختفت من على وشه في ثانية.
زياد بصلي بفكره وفخر، وبعدين لف بص للناس وقال:
“لنورهان.. البنت اللي فضلت قوية في الوقت اللي الكل كان بيتريق عليها.. البنت اللي شالت نفسها بكرامة وهيبة لما عيلتها حاولت تكسرها.. والبنت اللي أصلها وأخلاقها في فستان متقطع، أكتر بمراحل من ناس تانية لابس بديل وماركات غالية.”
خالتي ماجدة كانت هتتخنق بالعصير، والقرايب كلهم بقوا يبصوا لبعض ويبصوا لعيلتي.
زياد رفع كاسه وبص في عين أمي وأخويا:
“لمراتي.. ولأي حد عارف قيمة نفسه كويس.. حتى لو اللي حواليه نسيوا دي.”
خبط كاسه في كاسي بالراحة، وصوت الخبطة كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع في الصالة كلها.
ساعتها بس، أحمد فهم اللي الكل كان استوعبه خلاص.
تنح وقال في المايك بصوت متلخبط: “استنى هنا.. مرتك؟!”
رد زياد بمنتهى البرود ومن غير ما يعلي صوته:
“أيوه.. أنا جوز نورهان. كنت جريب أتعرف على عيلتها بأسلوب أصول، بس باين إني اتعرفت عليهم خلاص.”
قعد مكانه بكامل هدوءه وكمل أكله ولا كأن حاجة حصلت.
في الناحية التانية.. أمي شوكتها وقعت من إيدها على الطبق، أحمد كان واقف زي التمثال والمايك متعلق في إيده ملوش لازمة، وداليا خطيبته نازلة زن ووشوشة في ودنه بmodelغضب.
ولأول مرة في حياتي كلها.. مكنتش أنا البنت المكسورة اللي الناس بتتفرج عليها.
ومكنوش يعرفوا إن بكرة في الفرح.. المستخبي هيكون أتقل بكثير.
الجزء الثالث: الفرح اللي عمرهم ما هينسوه
تاني يوم بالليل، كانت القاعة في فندق كبير على النيل في المعادي بتبرق تحت النجف الكريستال. المعازيم ماليين المكان، المصورين شغالين، والفرقة الموسيقية بتعزف ألحان هادية، وأمي وأبويا وأخويا بيحاولوا يعملوا نفسهم نسيوا اللي حصل امبارح ويمثلوا إنهم عيلة مثالية.
دخلت أنا وزياد في هدوء، وقعدنا في مكاننا من غير ما نعمل أي هيصة. بس رغم كده، الهمس والوشوشة مكنوش بيبطلوا، خصوصاً لما بدأ رجال أعمال كبار ومستثمرين وبعض الشخصيات المرموقة يدخلوا القاعة ويسلموا على زياد بالاسم. أمي وأبويا كانوا قاعدين على نار، وشهم جايب ألوان كل ما يستوعبوا أكتر مين هو الراجل اللي واقف جنب بنتهم.
كتب الكتاب والفرح عدوا بسلام، بس أول ما البوفيه اتفتح والعشاء بدأ، كل حاجة اتغيرت.
حما أحمد (والد العروسة داليا) مسك المايك عشان يرحب بالحضور، وشكر كل الناس اللي شرفوهم. وبعدين ابتسم وبص ناحية الطاولة بتاعتنا وقال:
“وأحب أرحب بشكل خاص بباشمهندس زياد الشافعي.. وجودك معانا يا فندم شرف كبير لينا وللفرح كله.”
القاعة كلها لفت وبصت على الطاولة بتاعتنا.
ابتسامة أمي المزيفة اختفت من على وشها.
خالتي ماجدة نزلت كوباية العصير بالراحة وهي خايفة.
وأحمد كان يتمنى الأرض تتشق وتبلعه في اللحظة دي.
زياد وقف بتهذيب، وشكر والد العروسة، وبعدين سكت ثواني وبص للناس وقال:
“في الحقيقة.. الشرف ليا أنا.. لأني متجوز أقوى وأجدع ست أنا قابلتها في حياتي.”
القاعة بقت هس هس.. مفيش صرصار حقل ناطق.
كمل زياد بصوت هادي بس واصل لكل القاعة:
“نورهان عاشت سنين بيتعامل معاها كأنها مش كفاية أو مالهاش قيمة.. بس أنا أتمنى إن اليوم ده يفكر الكل إن قيمة البني آدم مش برأي الناس اللي رافضين يشوفوا نظافته وأصله.”
كلماته مكنتش بصوت عالي.. بس كانت زي الس\كينة. الكل فهم هو يقصد مين بالضبط.
فضلت القاعة ساكتة لعدة ثواني مرعبة.. لحد ما أبويا قام وقف من على كرسيه بالراحة.
بصلي وقال بصوت مكسور قدام الناس:
“نورهان.. أنا آسف يا بنتي.”
نزّل عينه في الأرض وكمل: “كان المفروض أحميكي وأقف في وش أي حد يزعللك.. بس أنا سكت واستسهلت الصمت.”
أمي فضلت متثمرة في مكانها، ولأول مرة دموعها تنزل بجد، زقت الكرسي وقامت وقفت قدامي:
“أنا بوظت حاجة مفيش حاجة في الدنيا تقدر تصلحها.. كنت فاكرة إني لما أكسرك، هكبر أخوكي.. بس أنا طلعت غلطانة وغبية.”
الهدوء كان سيد المكان، كل كلمة كانت بتسمع في أركان القاعة.
قربت منهم ببطء وقلت بنبرة هادية:
“أنا مكنتش محتاجة غير عيلة تحس بيا وتحبني.. مش أكتر.”
محدش فيهم قدر يرد ولا يدافع عن نفسه. لأول مرة في حياتهم، يعترفوا بغلطهم من غير أعذار ولا هري ولا رمي بلا على حد.
زياد مسك إيدي بحنية وابتسم: “جاهزة نمشي؟”
بصلته وابتسمت: “جاهزة.”
مشينار سوا ناحية باب القاعة، ومئات العيون بتبص علينا وأحنا خارجين. المرة دي، محدش كان بيبصلي بشفقة ولا بصة تقليل. البنت اللي دخلت من ٢٤ ساعة بس بقميص بهتان وهدوم متقطعة، طالعة دلوقتي وراسها مرفوعة للسما، ومعاها كل الاحترام والكرامة اللي حاولوا يسلبوها منها طول سنين.
أول ما خرجنا للهوا والنيل قدامنا، زياد بصلي وابتسم:
“تفتكري هينسوا الفرح ده؟”
ضحكت من قلبي لأول مرة في الأسبوع ده وقلتله:
“تؤ.. ولا عمرهم هيعرفوا ينسوه!”
تمت