جوزي بقي يقفل اللوكيشن حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
جوزي بقى يقفل اللوكيشن بتاع الموبايل كل ما يخرج من البيت..
في الأول أقنعت نفسي إنها مجرد تهنيجة في الموبايل أو العيب من الأبلكيشن. بس بعد فترة، الأعذار بقت أقدم وأرخف من إنها تتصدق.
وفي يوم، قررت أمشي وراه وأشوف بيمشي ويروح فين..
ولما عرفت الحقيقة، اكتشفت إن الموضوع أكبر وأعقد بكثير من مجرد خيانة أو ست تانية في حياته زي ما كنت فاكرة!
الدنيا اتكركبت في دماغي في ثانية. بدل ما ألاقي ست تانية زي ما الشيطان كان بيفوز في ودني، لقيتني واقفة قدام سر عيلتي كلها كانت عايشة فيه ومحدش قالي عليه.. طرقني السر اللي بقاله سنين مدفون.
طارق وأنا متجوزين بقالنا ست سنين، ولحد وقت قريب، كنت حاسة إن جووزي دا أقرب حد ليا في الدنيا. ما بنتخانقش كتير، وإيدينا في إيدين بعض وأحنا ماشيين في الشارع زي زمان. ومن أربع شهور بس، ربنا كرمنا بعد طول انتظار وتعب وتطعيمات وتدعي بدعوات الليل، بـ ياسين ويوسف.. التوأم بتوعنا.
من ساعة ما اتعرفنا، كنا مفعيلين الـ Location على الموبايلات. مش شريطة شك، بس عشان نتطمن على بعض، بالذات لما حد فينا يكون سايق بالليل أو مسافر.
وفي يوم، كنت محتاسة بالولدين، واحد بيبكي والتاني عايز البزازة، واكتشفت إن اللبن الصناعي خلص. فتحت الأبلكيشن أشوف طارق قريب من السوبر ماركت ولا لأ..
لقيت موقعه غير متاح.
لما جه، سألته بالراحة وببساطة: “هو اللوكيشن عندك مقفول ليه يا طارق؟”
حط أكياس الطلبات على الرخامة وهو باصص بعيد: “أكيد التحديث الجديد للبرنامج، الأبلكيشنز دي بقت تهيس كتير.”
عديتها.. أول مرة.
بس الموضوع اتكرر. مرة.. وتانية.. وتالتة.
خلال أسبوعين، لاحظت حاجة تجنن..
اللوكيشن يشتغل زي الفل وهو قاعد معايا في البيت، وأول ما عربية طارق تطلع من جراج العمارة، اللوكيشن يختفي تماماً!
كل ما أفتحه في الكلام يتنرفز: “هو أنتِ بتراقبيني ولا إيه يا مريم؟”
”أنا مش براقبك، أنا بس باخد بالي!”
يتنهد بعصبية: “أنتِ تعبانة يا مريم، قلة النوم مع التوأم مخلية أفكارك تروح وتيجي.. أنتِ بتهيجي الموضوع من ولا حاجة.”
الكلام كان بياكل في قلبي، بس اللي عمله بعد كده كان أوحش.
بقى بياخد الموبايل معاه وهو داخل يستحمى، غير الباسورد بتاعه، وبقيت أصحى في نص الليل ألاقي جنبه في السرير فاضي.
أما أسأله، يقولي: “كنت بشرب”، “طليت على الولاد”، “جالي أرق.”
لحد ما جه يوم الخميس. طارق شد مفاتيحه فجأة وقال: “عندي اجتماع طارئ في الشركة.”
بصيت له وأنا قاعدة على الكنبة: “في الشركة دلوقتي؟ الساعة 9 بالليل؟”
قرب باس دماغي: “اه يا حبيبتي، شكلنا هنطول، متستنينيش ونامي.”
أول ما باب الشقة اتقفل، اتصلت بأمي: “تعاليلي بسرعة يا ماما، معلش خليكي مع الولاد ساعة.”
20 دقيقة وكنت راكبة عربيتي وبمشى وراه. مش فخورة باللي عملته، بس الشك كان بينهش في صدري.
طارق عدى مبنى الشركة في التجمع.. وعدى المولات.. وعدى المستشفى.. وفضل ماشي لحد ما خرجنا على طريق السويس، وكسر على منطقة هادية وفاضية قريبة من المقابر القديمة وفيها جاردن صغيرة بين الشجر.
ركنت بعيد عشان ما يشوفش عربيتي، ومشيت وراه بالراحة بين الشجر.
كان ماسك في إيده علبة كرتون صغيرة.. وكانت فيه بنت مستنياه هناك.
بنت صغيرة في السن، يجي عندها 16 أو 17 سنة.
في الأول قلت يمكن حد من الشغل؟ بس قلبي اتقبض. هي دي اللي كنت خايفة منها؟
طارق وقف قدامها وفتح العلبة.. كان فيها صور ياسين ويوسف الجداد.
البنت بصت للصور بطرف عينها ورمت العلبة في إيده بزهق.. وبعدين قالت جملة خلت الدم يتجمد في عروقي:
”أنا مش عايزة صور تاني يا بابا!”
بابا؟!
إيدي جات على بوقي عشان متطلعش مني صرخة.
طارق وطى صوته بلهفة: “يا حنين…”
ردت بصوت مليان غل ودموع: “أنا إخواتي الجداد طالعين في الصور وأنا قاعدة هنا بتفرج؟ لحد إمتى هفضل عايشة في السر ومحدش يعرف عني حاجة؟”
إخواتي..
في ثانية واحدة، كل الجبال اللي بنيتها في خيالي اتهدت.
دي مش واحدة بيمشي معاها.. ولا خيانة بالمعنى اللي جه في بالي.
طارق عنده بنت.. بنت أنا معرفش عنها أي حاجة من يوم ما عرفته!
وفي لحظة، طارق لف بوشه.. وعينه جات في عيني وأنا واقفة بين الشجر.
الدم هرب من وشه وبقى زيه زي اللوح.
“مريم…!”
بصيت للبنت.. ورجعت بصيت لراجل حياتي.
دلوقتي بس، كل حاجة بقت واضحة.. شبهه جداً. نفس العينين، نفس رسمة الوش والمناخير..
أنا مش قدام راجل بياخدني في داهية مع ست تانية.. أنا قدام راجل مخبي عني جزء كامل من حياته وعيلته بقاله ست سنين.. ويمكن أكتر.
صوتي طلع بالعافية، ومكسور:
“عملت إيه يا طارق؟ أنت عملت فينا إيه؟”
”متألفيش سيناريوهات من دماغك، بس أوعي تخليه يقنعك إنك متخيلة أو إن اللي شفتيه دا سراب!”
دي كانت نصيحة أمي ليا في التليفون صبحة اليوم ده.
طارق حاول يحصلني، يمسك إيدي، يفهمني.. بس أنا كنت زي التمثال. ركبت عربيتي ومشيت وأنا مش شايفه قدامي من الدموع. طول الطريق للبيت وسؤال واحد بياكل في عقلي: يعني إيه؟ يعني إيه جوزي اللي بقالي ست سنين عايشة معاه ومفكرة إني أسراره كلها معايا، طلع مخبي عني بنته؟
لما دخل الشقة، كان شكله مكسور.
يقرب، أبُعد.. لحد ما نطق بصوت واطي:
“مريم.. حنين بنتي من جوازة قديمة.. قبل ما أعرفك بكتير.”
قفزت من مكاني: “قبل ما تعرفني؟! وطول الست سنين دول معرفتش تقولي؟! كنت بتخرج من بيتنا وتسيبني أنا والولاد عشان تروح تشوفها في السر؟!”
قعد على الكنبة وحط وشه بين إيديه وقال:
“أمها سابتني من زمااان وسافرت، وأهلها شرطوا عليا لو اتجوزت تاني مش هشوف البنت.. ولما عرفتك وخفت أخسرك أو تخافي من المسئولية، قررت أخبي. كنت بدفع مصاريفها وأشوفها في السكيتي من غير ما حد يعرف.. لحد ما كبرت وبقت تفهم وتسأل عن إخواتها وعايزة تعيش معايا بلعن الحقيقة.”
الدموع كانت نازلة من عيني مش بس عشان الخدعة، عشان كمية الشك والرعب اللي عشتهم وأنا فاكراه بيخونني مع ست تانية، وطلع بيخون ثقتي فيه بأكبر سر ممكن راجل يخبيه على مراته.
”أنت حرمتني أكون أم ليها.. وحرمت بنتك إنها تكبر وسط إخواتها عشان خوفك وأنانيتك يا طارق!”
الموضوع أخد أسابيع من الكلام، الدموع، والقعدة مع أهلي وأهله. المسألة مكنتش سهلة، والكسر اللي حصل في ثقتي فيه كان محتاج وقت عشان يلم.
بس في الآخر.. حنين ملهاش ذنب. البنت دي كبرت محرومة من أب موجود قدامها ومعترف بيها قدام الدنيا.
النهارده.. بعد ست شهور من اليوم ده..
حنين قاعدة في أوضتها في بيتنا، شايالة ياسين بتلعبه، ويوسف بيعيط فبتجري تجهزله البزازة قبل ما أنا أقوم..
طارق اتعلم الدرس الصعب، وعرف إن السرية مبتجيبش غير الخراب.. وأنا اتعلمت إن مش كل غياب معناه خيانة، ساعات بيكون وراه أسرار محتاجة شوية رحمة عشان تتبني من جديد.