الوعد حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
جوزي وعدني إنه هييجي ياخدني من المستشفى أول ما يعملولي خروج. وبدال ما ألاقيه واقف مستنيني، نزلت لقيت منه رسالة: “أنا سافرت خلاص مصيف عيد جواز بابا وماما، طلبي لكِ عربية أو أوبير وتعيلي بها.” كنت ممكن أصدق إن القرار جه فجأة.. لولا إن أخته بعتتلي رسالة قبل حتى ما أوصل البيت.
رسالة “يارا” جتلي وأنا في العربية ولسه ببعد عن مستشفى “دار الفؤاد”:
(شكراً إنك تقبلتي الموضوع بصدر رحب وخليتي كريم يجي.. ماما كانت متضايقة جداً من فكرة إن ممكن يفوته مصيف عيد الجواز).
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين كتبت لها:
(أنا مقتلوش يروح).
نقاط الكتابة ظهرت، واختفت، وبعدين رجعت تاني:
(استني.. إيه؟)
ماردتش عليها في ساعتها.
السواق كان مشغل التكييف على العالي أوي، وكل لفّة بالعربية كانت بتبعتلي الدوخة تاني. دكتور الطوارئ كان قايلي إن الدوخة القوية دي غالباً من الجفاف بعد النزلة المعوية، وإن أهم حاجة أريح، وأشرب سوائل، وأكلم دكتوري يوم الأحد لو الموضوع مفرقش.
حاجة مش درامية..
ومافيش خطر على الحياة..
بس أنا قضيت سبع ساعات تحت الإضاءة الفلورسنت، برجع في طبس بلاستيك وبحاول ما أقعش كل ما أقف.
وكريم كان عارف كل ده.
الساعة 11:40 الصبح، بعتلي:
(أنا لسه هنا، هاجي آخدك أول ما يعملولك خروج).
الساعة 12:26:
(ماما عمالة تسأل هنتحرك إمتى، متشيليش هم).
الساعة 1:18:
(هم بجد متأخرين أوي).
وبعدين، الساعة 2:07، بعد ما الممرضة سلمتني ورقة الخروج:
(أنا آسف أوي يا شيرين، لو ومشيتش دلوقتي هيعدي عليا عشا النهاردة. أنتِ أخدتي خروج خلاص، ينفع تطلبي أوبير؟ أنا مسكت طريق الساحل خلاص).
اتصلت بيه فوراً.
ماردش.
اتصلت تاني.
بعت رسالة: (بنسوق، نتكلم بعدين).
فقعدت على دكة برة باب المستشفى، في إيدي كيس ورقي فيه أزازتين عصير محلول جفاف، وورق الخروج، وإسورة بلاستيك زرقاء في إيدي نسيت أفكها.
أهل كريم كانوا بيحتفلوا بعيد جوازهم الأربعين في شاليه مأجرينه في الساحل الشمالي.
ده مكنش ويك إند عادي لعيلته.
طنط “وفاء” كانت بتخطط للموضوع ده من شهر يناير.
ولادها التلاتة الكبار كان المفروض يكونوا هناك جمعة بالليل. وفيه عشا متأجل يوم السبت، وصور عيلة يوم الأحد الصبح، ومركب مأجرينها لو الجو ضبط.
وأنا اللي كنت مجهزة كل التفاصيل العملية دي:
أنا اللي لقيت الشاليه.
أنا اللي قارنت أسعار الأكل.
أنا اللي حجزت مطعم الجمعة عشان طنط وفاء بتكره تتصل بالمطاعم.
أنا اللي طلبت تورته عيد الجواز.
وقبلها بيومين، كنت مجهزة شنطة أكل للسيطرة على الفطار عشان أخو كريم الكبير نسى يجيب أكل في آخر سفرية عيلة.
أنا كان نفسي أروح.
وديه نقطة مهمة.
الموضوع مكنش إني رافضة عيلته وبعدين زعلت إنه سافر من غيري.
ليلة الخميس، كنت قاعدة على أرضية الحمام وبحاول أقاوم الترجيع، لما كريم قعد جنبي وقال: “لو لسه تعبانة بكرة، هنفضل في البيت ومش هننزل.”
قلت له إني بتمنى مانا نوصلش للدرجة دي.
صباح الجمعة، لما كنت هقع وأنا ماشية من الأوضة للمطبخ، هو اللي ساق بيّ للمستشفى.
وقبل ما ننزل، شاوَرْت على شنطتين المصيف جنب باب الأوضة:
“لو خرجوني بدري، ممكن نلحق نسافر.”
باس رأسي وقال: “هاخد كل حاجة معايا وأنا جاي آخدك.”
دي كانت الخطة اللي كنت مصدقاها لحد الساعة 2:07.
لما العربية نزلتني قدام البيت في المعادي، شنطتي كانت لسه محطوطة جنب باب الأوضة.
شنطة كريم مكنتش موجودة.
ولا شنطة الأكل.
وقفت أبص على المكان الفاضي في المطبخ اللي كانت فيه الشنطة.
هو رجع البيت.
عدّى من جنب شنطتي الملفوفة.
شال الأكل اللي أنا اشتريته لعيلته وحطه في العربية.
وبعدين سافر الساحل من غيري.
موبايلي رن.
يارا تاني.
(أنا بتصل بيكي).
كنت هكنسل.
بس رديت.
– “شيرين؟”
– “أيوة.”
– “أنتِ بجد مقلتيلوش يروح؟”
– “لأ.”
سكتت شوية.
– “بس ده مش اللي قاله لماما.”
قعدت على كرسي المطبخ: “قالها إيه؟”
يارا وّطت صوتها رغم إني كنت سامعة صوت الطريق وراها:
“قالها إنك أخدتي خروج وقولتيله ميبوظش الويك إند ويسافر.”
بطني اتقلبت: “أنا عمر ما قلت كده.”
– “أوه..”
الكلمة دي عرفتني إنها صدقتني.
يارا مكنتش خبيثة، ولا حد من إخوات كريم كان كده.
المشكلة في العيلة دي كانت أعمق من كده.
طنط وفاء بتخطط لكل حاجة قبلها بشهور، وبتتعامل مع أي تغيير كأنه إهانة شخصية ليها.
لو حد فوت عزومة، لازم يقدم مبرر.
لو حد من الأحفاد عنده تمرين يوم السبت في عيد ميلاد، لازم تعرف ليه التمرين ميتأجلش.
وكريم قضى معظم حياته بيحاول يمتص زعلها قبل ما يحصل.
وأنا قضيت أحد عشر سنة بساعده يعمل ده.
سألتها: “هي ضغطت عليه؟”
يارا اتنهدت: “كانت كل شوية تقول أبُوكِ هيلاحظ لو حد فيكم ناقص. كريم قالها إنه ممكن يفضل معاكي، فقالت له: ‘هي في مستشفى مش مرمية على الطريق، مش هيخرجوها إلا لو كانت كويسة وتقدر تتصرف’.”
غمضت عيني.
يارا كملت بسرعة: “أنا مش بقول إن ده يبرر اللي عمله.”
– “هو قالها إني وافقت؟”
– “أيوة.”
– “إمتى؟”
– “قبل الغدا.”
قبل الغدا!
في الوقت ده، أنا كنت لسه مستنية المحلول يخلص.
كريم كان أخد القرار خلاص إن المستشفى لو خرجتني، هو هيسافر.
الرسالة المتأخرة اللي بعتهالي مكنتش قرار سريع..
دي كانت أول مرة يشركني في قرار هو أخدُه وخلص خلاص.
بعد ما قفلنا، شلت شنطتي ودخلت الأوضة.
غيرت هدومي ولبست التيشرت القديم، شربت نص أزازة المحلول، ونمت في السرير.
الساعة 5:43، كريم اتصل أخيراً.
بصيت على اسمه وهو بينور في الموبايل.. لحد ما فصل.
اتصل تاني بعد عشر دقائق.
المرة دي رديت.
“أهلاً،” قالها بحذر.. “حاسة بإيه دلوقتي؟”
– “أنت قلت لعيلتك إني أنا اللي قلتلك تسافر؟”
سكت.
مش كتير.. يمكن ثنيتين.
بس كانوا كفاية أوي.
– “شيرين..”
– “قلت كده؟”
– “أنا قلتلهم إنك متفهمة الوضع.”
– “ده مش سؤالي.”
اتنهد: “أيوة.”
بصيت ناحية باب الأوضة.. شنطتي البيج كانت لسه قاعدة مكان ما سحبتها.
– “ليه؟”
– “عشان ماما كانت كدة كدة هتعمل موضوع، ومكنتش عايز الكل يقضي الويك إند وهو زعلان منك.”
– “فقمت كذبت عليا وعنّي عشان تسسّتم السفيرة لروحك؟”
– “أنا كنت بحاول أحافظ على الهدوء والسلام.”
– “معاهم هم!”
– “ده مش عدل منك يا شيرين.”
– “أنت فين دلوقتي؟”
– “فاضلي حوالي ثلث ساعة وأوصل الشاليه.”
كان بيلف وبيسوق بقاله يجي أربع ساعات..
عدّى على كمية نزلاّت ومخارج كان ممكن يلف ويرجع منها.
قلت له: “انزل وانبسط بالويك إند.”
– “شيرين، بلاش الأسلوب ده.”
– “أنا تعبانة وعايزة أنام.”
– “نتكلم يوم الأحد.”
قفلت السكة.
وبعدين لمحت حاجة طالعة من الجيب الجانبي لشنطة المصيف بتاعتي.
ورقة متطبقة.
كان جدول مواعيد الشاليه اللي طنط وفاء بعتاه في إيميل أول الأسبوع.
كريم كان طابع منه نسختين ليلة الخميس.
عشا الجمعة.
فطار السبت.
صور العيلة.
تأجير المركب.
وجنب بعد ظهر الجمعة، بخط إيد كريم، كانت فيه ملاحظة أنا عمر ما شفتها:
(لو شيرين لسه تعبانة، أتحرك على الساعة 1:30 لوحدي).
هو كان كاتبها قبل حتى ما نتحرك ونروح المستشفى.
الجزء الثاني
صوّرت النوتة اللي بخط إيده وبعتهاله على الواتساب.
اتصل بيّ في أقل من دقيقة.
– “أنا كتبت دي امبارح بالليل،” قالها بتوتر.. “كنت بحاول أعمل خطة بديلة.”
– “خطة بديلة عمرك ما جبتلي سيرتها؟”
– “مكنتش اعرف المستشفى هتقول إيه.”
– “ولا أنا كمان كنت اعرف، وعشان كده كان المفروض تستنى.”
سكت شوية، وبعدين قال الكلام اللي فارق بجد:
“كنت عارف إن ماما هتخلي الويك إند كله جحيم لو اعتذرت. وافتكرت إن الدكتور لو أداكي خروج، ده معناه إنك كويسة كفاية وتقدرِ تقعدي من غيري.”
أهو ده بقى أصل الموضوع.
مش قسوة..
ولا سوء فهم..
ده كان اختيار.
هو قرر إن تصريح الخروج الطبي معناه إني مبقتش محتاجة مساعدته.
قلت له إني هنام وقفت الموبايل على الصامت.
صباح السبت، صحيت بعد الساعة تسعة على ست رسائل في جروب العيلة.
طنط وفاء كانت عايزة تتأكد من موضوع التورتة.
أخو كريم كان عايز عنوان مكان تأجير المركب.
وحد تاني كان نسي يجيب الفلاتر بتاعة القهوة.
في العادي، كنت هرد على التلاتة وأظبطهم.
بدال ده، بعت رسالة واحدة:
(كل الحاجات اللي حجزتها موجودة في الفولدر المشترك بتاعة السفرية. أنا برتاح في البيت حالياً، فمن فضلكم كملوا بقية الترتيبات من غيري).
طنط وفاء ردت فوراً:
(أكيد طبعاً، إحنا بس مش عايزين كريم يتوتر في ويك إند عيد جواز أهله).
بصيت للرسالة..
وحطيت الموبايل على جنب.
على الضهر كده، يارا اتصلت تطمن عليّ.
اعتذرتلي إنها افترضت إني أنا اللي قلت لكريم يسافر.
– “هو محتاج يصلح الفكرة دي عند ماما،” قالت يارا.
– “أنا متفقة معاكي.”
بالليل، كريم اتصل تاني.
صوته كان أقل هجوماً وتدافعاً.
قال إن العشا كان بياخده كلام ومواقف بايخة بعد ما يارا قالت له إنها عرفت اللي حصل.
– “ماما فاكرة إن الموضوع بيني وبينك،” قال كريم.
– “وهو فعلاً بيني وبينك.”
– “بس هي كمان عمالة تقول إنك لو كنتِ بتفكري بصعوبة أو بعقلانية، كنتِ هتبقي عايزاني أسافر.”
ضحكت ضحكة قصيرة:
“كريم.. اسمع أنت بتقول إيه كويس!”
سكت.. وفهم الموقف.
قلت له إن موضوع المستشفى مش هو المشكلة الوحيدة.
المشكلة الأكبر إنه ألّف رد على لساني لمجرد إن الرد الحقيقي كان هيزعل عيلته.
– “أنا بقالي 11 سنة بساعدك تتفادى زعل مامتك،” قلت له.. “أنا خلاص مش هعمل ده تاني.”
– “يعني إيه الكلام ده؟”
– “يعني ترتيبات عيلتك بقت مسؤوليتك أنت تماماً. الحجوزات، الأكل، الهدايا، تغيير المواعيد.. كل ده. أنا مبقتش المصدّد أو البافر اللي في النص.”
قال: “تمام.”
كان باين من صوته إنه فاكر إن دي كل النتيجة أو العواقب.
بس ده مكنش كل حاجة.
صباح الأحد، بعتلي إنهم راجعين بعد الفطار وهيكون في البيت على الساعة اتنين.
بصيت لورق الخروج اللي لسه على التسريحة ولشنطة المصيف اللي ما اتفتحتش.
وبعدين كتبت له:
(مترجعش البيت النهاردة. روح ابات عند أخوك).
رد عليا فوراً:
(شيرين، بتتكلمي بجد؟)
(أيوة. أنا محتاجة كام يوم أكون فيه مش مسؤولة عن إني أسهل عليك أمورك أنت كمان).
علامة الكتابة ظهرت، واختفت، ورجعت تاني.
وفي الآخر بعت بس:
(تمام).
دي كانت أول مرة طول الويك إند يقبل فيها رد من رديداتي من غير ما يحاول يستبدله بحاجة تانية أسهل بالنسبة له.
الجزء الثالث (النهاية)
كريم بات عند أخوه يوم الأحد.
يوم الاثنين، بعت رسالة واحدة:
(ينفع أعدي عليكي بعد الشغل بكرة؟)
قلت له أيوة.
تلات بالليل، وصل الساعة 6:15 وهو ماسك الكيس الصغير بتاع الصيدلية اللي فيه الأدوية اللي الدكتور كتبهالي.
مأجابلنيش ورد.
وكنت مبسوطة بإنه مَجابش.
الورد كان هيخلي الكلام يبدو وكأنه حاجة ينفع تتصلح بحركة بسيطة أو لفتة.
حط الكيس على رخامة المطبخ.
– “ينفع أقعد؟”
هزيت رأسي.
لمدة دقيقة، محدش فينا اتكلم.
البيت كان شكله رجع طبيعي تاني.
شنطتي اتفضت أخيراً.
الإسورة البلاستيك بتاعة المستشفى اتطرحت في الزبالة.
أزايز المحلول اتغسلت وتحطت في إعادة التدوير.
كريم كان شكله مجهد جداً.
– “أنا قلت لعيلتي الحقيقة،” قالها بصوت واطي.
– “حقيقة إيه؟”
– “إني أنتِ عمرك ما قلتيلِي أسافر. إني أنا اللي قررت أمشي، وقلت للكل إنك موافقة عشان مكنتش عايز ماما تزعل مني.”
سألته لو كان قال الكلام ده لطنط وفاء بوضوح.
– “أيوة.”
– “ورَدّت قالت إيه؟”
حك جبهته بتعب: “قالتلي إنها عمرها ما قالتلي أسيبك وأمشي.”
– “دي حقيقة فعلاً.”
– “عارف.”
بص للأرض وكمل: “وقالتلي كمان إني راجل كبير ومحدش يقدر يجبرني على حاجة.”
– “ودي حقيقة برضه.”
هز رأسه.
ولأول مرة، مكنش بيستخدم تصرفات أمه كمبرر أو شماعة يشيل عليها كل حاجة.
وده كان يفرق معايا.
قال: “فضلت أفكر في الكلام اللي قلتيه.. إنك بقالك 11 سنة بتساعديني أدير زعلها وتوترها.”
استنيته يكمل.
– “أنتِ فعلاً عملتي كده.”
وحبيت جداً إنه مَقالش كلمة “بس”.
كريم كبر في عيلة كان الحفاظ فيها على رضا طنط وفاء مسؤولية مشتركة بين الكل.
لو زعلت، الكل بيعدّل أموره.
المطاعم تتغير.
الويك إند يتحرك.
الإجازات تطول.
ولازم حد يتصل يسلك الأمور ويهدي اللعب.
وأنا دخلت النظام ده عشان كنت فاكرة إن الزوجة الصالحة هي اللي تسهل على جوزها التعامل مع أهله.
مع الوقت، بقيت أنا الشخص اللي بياخد باله من أعياد الميلاد، ويحجز الشاليهات، ويشتري الهدايا المشتركة، ويسأل عن الأكل اللي حد مبياكلوش، ويفكّر كريم يتصل بأهله.
وبعدين بقيت بغلي من جوايا عشان محدش مقدّر ده.
والجزء ده كان غلطتي أنا.
– “كان المفروض أوقف كل ده من سنين،” قلت له.
كريم بصلي باستغراب.
– “أنا مش بقول إن اللي عملته كان غلطتي، لأ مكنش غلطتي. بس أنا كنت بتطوع دايماً عشان أخلي كل حاجة تمشي بسلاسة، وبعدين أتصرف كأني مكنش قدامي اختيار تاني.”
هز رأسه ببطء: “طب إيه اللي هيحصل دلوقتي؟”
– “مش عارفة لسه.”
ودي كانت أصدق إجابة عندي.
مكنتش مستعدة أقول إن جوازنا بقى تمام، ولا كنت مستعدة أقول إنه انتهى.
قلت له إني عايزة أسبوع كمان ننام فيه منفصلين.
لما يرجع البيت، هينام في أوضة الضيوف.
وعايزة نروح لأخصائي علاقات زوجية.
وعايزة شرط واحد يتطبق فوراً:
“أنت مابتتكلمش باسمي تاني أبداً.”
بصلي: “يعني إيه؟”
– “يعني لو مامتك سألت إذا كنت هاجي في حتة، تقولها هسأل شيرين. لو أختك سألت إذا كنت أقدر أظبط حاجة، تقولها تسألني أنا. لو أنا تعبانة، متضايقة، مشغولة، أو لسه مقررتش، متترجمش ده للرد اللي يريح بقية الناس.”
– “تمام.”
– “وترتيبات عيلتك بقت بتاعتك أنت من هنا ورايح.”
ابتسم ابتسامة خفيفة: “الجزء ده أنا سمعته كويس.”
– “أنا بتكلم بجد.”
– “عارف.”
أول اختبار جه أسرع مما توقعنا.
الخميس بعد الضهر، طنط وفاء بعتت في جروب العيلة:
(بما إن شيرين عارفة أكل كل واحد بتحب إيه، ينفع تظبط هي حجوزات عزومة رأس السنة السنة دي؟)
شفت الرسالة وأنا واقفة في الطابور في السوبر ماركت.
وقبل ما أقرر هرد أقول إيه، كريم كان رد:
(يا ماما أنا هظبط الحجز. شيرين مبقتش بتنظم عزومات العيلة خلاص).
طنط وفاء ردت: (أنا كنت بسأل بس).
كريم كتب: (أنا عارف، وأنا بجاوب).
ما حصلتش دراما بعد كده.
مافيش خناق.
مافيش قطيعة.
مافيش عشرين مكالمة مائتة.
المحادثة مشيت عادي جداً.
وده كان حاجة جديدة علينا.
جلسات الاستشارات الزوجية كانت أقل راحة.
في الجلسة التانية، كريم اعترف بحاجة كنت شاكة فيها.
لما عرف إني ممكن أفوت سفرية عيد الجواز، حس بالإحراج.
مش عشاني تعبانة..
بس عشان كان عارف إن طنط وفاء هتخلي غيابه هو محور الويك إند والنكد كله.
– “افتكرت إني أقدر أتفاضى كل ده لو بس وصلتك البيت وسافرت،” قالها قدام الدكتور.
الأخصائي سأله ليه قال للكل إن أنا اللي وافقت.
كريم رد: “عشان محدش ساعتها يقدر يقول إني اخترت السفرية على حساب مراتي.”
بصيت له: “بس أنت عملت كده فعلاً.”
– “أيوة.”
دي كانت أول مرة يقولها من غير ما يجمّل الحقيقة.
ده مصلحش كل حاجة فوراً.. بس خلي التصليح ممكن.
الشهور اللي بعد كده، بقيت بركز مع الأفعال أكتر من الاعتذارات.
كريم نظم عشا عيد ميلاد أمه بنفسه.
اشترى هدية أبوه في عيد الأب من غير ما يسألني يجيب إيه.
لما أخوه فتح جروب عشان طلع صيد في الربيع، كريم رد عن نفسه وميدخلنيش في الموضوع إلا لو أنا عايزة أروح.
بطلت أراجع وراه هو فاكر تواريخ أهله ولا لأ.
شوية حاجات اتنسيت.. ومحدش جَراله حاجة.
طنط وفاء كانت باردة معايا شوية في الأول.
وبعدين في يوم أسبوع، اتصلت بيّ وسألتني لو بحب أروح معاها نتغدى برة.
مش إذا كنت أنا وكريم رايحين..
إذا كنت أنا هروح.
قلت لها أيوة.
الغدا كان غريب ومحرج شوية.
هي عمرها ما أدتني الاعتذار اللي كنت متخيلك في دماغي وأنا راجعة من المستشفى.
بدال ده، وأنا بنشيل الأطباق، قالتلي: “مكنش المفروض أضغط عليه في الويك إند ده.”
قلت لها: “أيوة، مكنش المفروض.”
هزت رأسها.. وده كان كل حاجة. مكنتش محتاجة أعمل منها موضوع أكبر.
بعد ست شهور من زيارة الطوارئ، كان عندي ميعاد متابعة روتيني في نفس المستشفى عشان حاجة تانية خالص.
حاجة مش طارئة.
البالليل، كريم سألني: “تحبي أجي أوسلك ولا تفضلي تروحي لوحدك؟”
السؤال ده كان يفرق معايا أكتر مما هو يتصور.
– “عايزاك توصلني.”
– “تمام.”
فضى الصبحية من أواني شغله.
تاني يوم، وصلنا قبل الميعاد بربع ساعة.
وأنا بسجل دخولي، موبايله رن.
اسم طنط وفاء ظهر على الشاشة.
بص له، عمل مكتوم، وحط الموبايل في جيبه.
قلت له: “ينفع ترد عادي.”
– “هرد عليها بعدين.”
فضل قاعد جنبي لحد ما اسمي اتنادى.
بعد الميعاد، مشينا من نفس الأبواب الزجاجية اللي كنت واقفة عندها لوحدي من ست شهور.
مكان عربيات الاستقبال كان زحمة.
للحظة، افتكرت الإسورة الزرقاء، والكيس الورق، والرسالة اللي بتقولي اتصرفي وطلبي أوبير.
كريم مَعملش خطبة.. ولا أنا عملت.
هو بس فتحلي باب العربية.
وفي الطريق للبيت، سألني عايزة نأكل إيه على العشا.
قلت له: “شوربة.”
هز رأسه، ولف بالعربية ناحية السوبر ماركت.