لو عايزة مرتب حصري لصفحة روايات رولا
— لو جاية تطلبي مني مرتب في يوم عيد ميلادي، يبقى ما شوفش وشك بكره، — قيلت الجملة دي من نجوى، وهي بتشاور عليها بالإيد الثانية — هنا يدخل اللي بيقدر اللقمة، مش اللي جاي يحاسب أهله!
سمر حست إن النفس اتقطع في الصالة. بقالها تمان سنين بتبدأ يومها من الفجر في “مطعم الست نجوى” في الحسين. تستلم البضاعة من التجار، تظبط التتبيلة، تشيل عزومات كاملة، وتقفل المحل بيدها بعد أخر زبون. عمرها ما مسكت في إيدها ورقة قبض ولا شافت جنيه نازل باسمها.
كل اللي طلبته ليلتها إن شغلها من الشهر الجاي يبقى بمرتب ثابت، عشان أبوها محتاج جلسات علاج وهي عاوزة تشيل عنه من غير ما تمد إيدها لحد.
بصت لأحمد جوزها:
— أنت مش قلت لي إنك هتتكلم معاها؟
أحمد وطي عينه في الأرض:
— مش وقته يا سمر.. أُمي طالعة في دماغي ومضايقة.
نجوى ضحكت بتهكم:
— أبوكي ده مسئولية أهلك انتي، ما تاخديش من قرش المحل تروحي ترميه بره!
— أنا مش بطلب من فلوسك، أنا بطلب حقي وعرقي.
— حقك؟! انتي طافحة الكوتة من خير المحل ده، وجاية في الآخر تقولي لي حق وعرق؟
سمر قلعت المريلة ورمتها:
— يبقى أنا كنت بظبط الشغل وبخدم ببلاش.
— بره! مش عاوزة أشوف وشك!
محدش حرك ساكن، ولا حتى أحمد.
بالليل في شقتهم في زُهراء المعادي، أحمد كان بيتكلم وكأن اللي حصل مجرد خناقة عابرة:
— بكره الصبح هننزل سوا وتعتذري لها وتبوسي رأسها.
سمر كانت فتحت شنطة الهدوم على السرير:
— أنا اللي أعتذر؟!
— هي شاطت صح، بس انتي اخترتي أوحش يوم تتكلمي فيه عن الفلوس.
— أنت وعدتني تتكلم!
— يعني كنت عاوزاني أعمل إيه؟ أزعق مع أمي قدام الناس؟
سمر كملت لمّ هدومها:
— كنت عاوزاك تقول كلمة حق واحدة.. إن بقالي تمان سنين شايلة المحل ده على كتفي.
أحمد فرك جبهته بقلة صبر:
— فكري بعقلك شوية.. لو سبتي شغل أمي، هتعيشي منين؟ انتي طول عمرك ما مسكتي قرش من شقاكي.
سمر وقفت حركة إيدها:
— انت شايفني كده؟
— أنا بكلمك في الواقع.. بره مطعم أمي، عمرك دخلتي قرش واحد باسمك؟
السكوت كان أصعب من زعيق نجوى. سمر قفلت سوستة الشنطة:
— عندك حق في حاجة واحدة.
— إيه هي؟
— إنكم عمركم ما سبتوني آخد أجر على تعبي.. وده اللي هيتغير من النهاردة.
أجرت أوضة صغنونة، وبدأت تلف على مطاعم القاهرة تدور على شغل. خبرتها تشيل مطعم كامل، بس كل ما تدخل مكان يطلبوا منها شهادات خبرة أو برنت تامينات أو مفصل راتب.. الحاجات اللي عمرها ما شافتها.
اشتغلت مساعد شيف في مطعم حفلتي صغيّر. ما كملتش أسبوعين.. لما وقفت وقالت إن شحنة اللحمة اللي داخلة ريحتها مغيراني ومش هينفع تنزل للزبائن، الشيف الكبير زعق فيها:
— انتي جاية تمشي كلامك عليا؟ لما يبقى عندك محل باسمك ابقي قولي إيه ينزل وإيه لا!
الكلمة دي كانت الشرارة.
سمر لقت محل صغير على قدها في حي الدقي؛ يادوب يشيل اتناشر ترابيزة، مطبخه قديم بس مستور، وإيجاره معقول. مش فخم بس هيبقى شايل اسمها هي.
كان فاضل أهم حاجة: الفلوس.
في اليوم ده، كلمها الحاج إبراهيم، زبون قديم من كبار زبائن مطعم الحسين، وطلب يقابلها في قهوة في الوسطاني.
— أنا ممكن أسلفك المبلغ اللي محتاجاه كله.
— أنا ما باخدش حسنة من حد يا حاج.
— تمام، هنعمل عقد بفوايد مضبوطة وتسديد على أقساط في مواعيدها.
— ولو المشروع خسر؟
— هيبقى عليكِ دين وهتسدديه.. بس أنا شفتك بتمشي المطعم وتطبخي تمان سنين، وأنا داخل برهاني على شطارتك.
سمر راجعت كل بند في الورق قبل ما تمضي.
سمت المكان “لقمة هنية”. كارت صغيّر، أكلات طازة من خير السوق، وبدون أي تقليد لمنيو نجوى.
وهي واقفة بتمسح النقاشة بنفسها، راحت لمكتب محامية عشان ترفع قض\ية طلاق، وتبدأ إجراءات المطالبة بحقها المالي عن تمان سنين شغل من غير أجر.
بعد ثلاثة أيام، دخلوا عليها المحل: أحمد ونجوى.
نجوى اتفقدت المطبخ بابتسامة صفرا:
— بقى اتمداينتي واستلفتي عشان تلعبي دور الست الهانم صاحبة المحل؟
— أنا مش بلعب.
أحمد بص للترابيزات الجديدة وقال بصوت واطي:
— اسحبي ق\ضية الطلاق، وبلاش كلام في الفلوس والمحاكم، وتعالي نلم الدور ونصلح اللي اتكسر.
— أنا مش راجعة يا أحمد.
نجوى قربت منها وقالت بنبرة حادة:
— تمام.. هتشوفي بقا هتعيشي وتصمدي أد إيه من غيرنا.
سمر افتكرتها مجرد تهديدات ست مجروحة في كبريائها.. ما كانتش تعرف إن نجوى رفعت السماعة بالفعل، وبتكلم ناس إيدهم ثقيلة في السوق يقدروا يقفلوا المحل ده في يومين.
“لقمة هنية” فتح أبوابه يوم الاثنين. أول يوم يادوب دخل عشرين زبون. ثالث يوم، موظف من شركة قريبة رجع ومعه ستة من زمايله. يوم السبت، عيلة حجزت المكان عشان عيد ميلاد.
سمر كانت بتراجع كل شروة، كل طبق، وكل مليم. ومع ذلك، كلام الناس الحلو عن الأكل بدأ ينتشر. في أقل من شهر، بقى فيه ناس واقفة على الرصيف في الدقي مستنية ترابيزة تفضى!
في نفس الوقت، “مطعم الست نجوى” في الحسين بدأ يفَضي وترابيزاته تقعد فاضية.
زوجين من الزباين القدامى اللي بقالهم سنين بياكلوا عند نجوى، طاحوا في مطعم سمر بالصدفة.
الست ذاقت طاجن العكوة وقالت:
— عشان كده النفس القديم اختفى من هناك! هي دي النفس الحلوة اللي كنا بنسأل عليها!
الخبر وصل لنجوى. بعد يومين جت وطبت على المحل ومعاها أحمد، ولقت الطابور واصل للشارع.
نجوى بزعيق:
— انتي جاية تسحبي زبايني من ورايا؟
راجل واقف في الطابور اتلفت لها:
— يا ست انتي، إحنا جايين هنا بناءً على ترشيحات الناس، محدش أخدنا من إيدك!
سمر شاور الصالة وقالت بثبات:
— انتي مش قلتِ الزبون هو اللي بيقرر؟ سيبيهم يختاروا.
أحمد أخد أمه من إيدها ومشيوا.
كانت باينة إنها جولة كسبتها سمر.. بس للأسف، ما كانتش كده.
الأسبوع اللي بعده، تاجر الخضار نزل لها نص الكمية بس. بعدها، الجزار طلب الفلوس كاش وقبل ما يقطع حتة لحمة. وبعدين تاجر الألبان لغى التعامل معاها فجأة ومن غير أي سبب.
سمر اضطرت تشتري بضاعة طوارئ بأسعار أغلى ضعف. وفي نفس الوقت، حجزين كبار للعزومات اتلغوا.
واحدة من العميلات قالت لها بصراحة:
— يا أستاذة سمر، إحنا سمعنا إن المحل عليه مشاكل قانونية وقضايا، وبصراحة عاوزين نبعد عن الدوشة.
بالليل، أحمد ظهر عند باب المحل.
— لو قعدتي مع أمي وسحبتي الق\ضية، كل حاجة هتهدأ والدنيا هتمشي.
— تهدأ إيه؟
— الموردين اللي بيستعبطوا، والشائعات اللي طالعة عليكِ…
سمر بصت له بحدة:
— يعني أنت عارف باللي بيحصل؟
— أنا مقلتش كده!
— لا، انت لسه قايلها بعظمة لسانك.
أحمد وطي صوته:
— يا سمر افهمي، أمي لها علاقات ونفوذ في السوق بقالها أربعين سنة.
سمر فتحت الباب وشاروت له يطلع بره:
— وأنت لسه لحد النهاردة بتبرر لي ليه المفروض أستحمل ظلمها!
بعد أسبوع، وفي زحمة غدا الجمعة، نجوى دخلت المحل وبصوت جَهوري زلزل المكان:
— اسألوا الهانم صاحبة المكان جابت سر الشغلة منين! كانت شغالالي تحت إيدي، خربت بيتها مع ابني عشان الفلوس، وجاية النهاردة تسرق زبايني!
سمر خرجت من المطبخ بكل هدوء:
— وطي صوتك واطلعي بره.
— خايفة ينفضح أمرك قدام الناس؟
— الحقيقة إن بقالي تمان سنين شغالالك ببلاش من غير مليم، ولما طلبت أجر رميتيني في الشارع!
أحمد دخل ورا أمه بسرعة:
— سمر، بلاش الفضايح دي قدام الزباين!
— انتوا اللي دخلتوا مكاني وبتعملوا النمرة دي!
ترابيزة طلبت الشيك وقامت، وعيلة ثانية أخدت أطفالها ومشيت قبل ما الأكل ينزل. سمر حست بغصة ومغص في بطنها.
قبل ما تخرج، نجوى قربت من أذن سمر وقالت بأسلوب تهديد:
— اقفلي المكان ده ونضفي الساحة، وكل حاجة تنتهي.
في الأسبوع ده، خسرت مورد ثاني. البدائل كانت بياخدوا أرقام خيالية. إلغاء الحجوزات زاد، وجيه موعد المرتبات والإيجار ومصاريف البضاعة وقسط الحاج إبراهيم.
الفلوس ما كفتش.
الحاج إبراهيم قال لها:
— هديتك مهلة أسبوع يا سمر.. بعد كده محتاج قسطي عشان الالتزامات اللي عليا.
سمر قضت الليل بطوله قدام دفاتر المحل والحسابات بالسالب.
تاني يوم الصبح، علقت يافطة على الباب: “مغلق مؤقتاً لتعديل خطة التوريد”.
أمها اتصلت بيها:
— محتاجة كام يا سمر؟
— ولا حاجة يا أمي، أنا اللي فتحت المكان وأنا اللي هسد.
بعد ثلاثة أيام، نزل مبلغ في حسابها البنكي.
جريت على بيت أبوها في شبرا، ولقت أوراق قرض بضمان ورشة الألوميتال الصغيره بتاعة أبوها.
— انتوا عملتوا إيه؟!
الأم مسكت إيدها:
— عملنا اللي انتي كنتِ عاوزة تعمليه لأبوكِ لما طلبتِ حقك.. انتي بنتنا، ومش هننسفك. الفلوس دي مش عشان تستخبي.. دي عشان تقفي على رجلك وتكسري عين أي حد.
سمر سددت المديونيات العاجلة، وبدأت تدور على تجار بره نطاق ومعارف نجوى.
في الوقت ده، جيلها اتصال من واحد من الموردين القدامى:
— يا ست سمر، أنا محتاج أوريكِ رسائل عندي. أنا قطعت معاكِ عشان الست نجوى هددتني تقطع عيشي وتلغي شغلها معايا في الحسين.. وأنا ضميري مأني من يومها.
بعت لها سكرين شوتس ورسائل صوتية صريحة. مورد تاني أسطاف وبعت نفس التهديدات.
سمر أخدت كل الدلائل دي، مع فيديوهات الكاميرات للفضائح اللي عملتها نجوى في المحل، ورسائل الزباين عن الشائعات، وراحت للمحامية.
المحامية قفلت الملف بابتسامة:
— تمام أوي.. كده الموضوع اتغير من مجرد خناقة عائلية أو قض\ية أجور، بقيت ق\ضية تعويض، تشهير، وقطع عيش وتدليس علني.
سمر اتنفست بعمق:
— أنا عاوزاهم يدفعوا تمن كل لحظة وجع قلب.
إتاحة إعادة فتح “لقمة هنية” يوم الاثنين اللي بعده.
في نفس اليوم بعد الظهر، وصل لنجوى في محلها بالحسين استدعاء رسمي من النيابة المحكمة الاقتصادية والعمالية، ومعاها إنذار بدعوى تعويض بمبلغ ضخم وتهمة التشهير واستغلال النفوذ