اخويا اتجوز ومعزمنيش 2الاخير
حسيت بحمل جبل اتزاح من على كتافي. دي ما بقيتش دراما عائلية.. دي بقت صفقة شغل وأرقام. شكرتها، ودفعت لها أتعابها، ورجعت البيت. عملت كوباية شاي تانية، وقعدت قدام اللابتوب وبدأت أدوس بصباعي.
الضغطة الأولى: حساب التحويش.
دخلت على الموقع.. تغيير المستفيد.. كتبت اسمي: مي الشناوي.. تأكيد. وبعدين: سحب الرصيد للحساب الجاري باسم مي الشناوي. طلعلي تحذير عن غرامة السحب.. ما همنيش.. تأكيد!
الضغطة التانية: الاشتراكات.
دخلت على نتفليكس.. مسح بروفايل يوسف.. مسح بروفايل ندى. دخلت على سبوتيفاي.. حذف العضو يوسف.. حذف العضو ندى. دخلت على أمازون.. تغيير كلمة السر وتسجيل الخروج من كل الأجهزة.
الضغطة التالتة: المرافق.
كلمت شركة الكهربا:
—أهلاً، أنا هغير السكن وعايزة ألغي الخدمة في شقة التجمع يوم 1 في الشهر.
—تمام يا فندم، الفاتورة الجديدة تتبعت فين؟
—ما أعرفش، —قلت لها.
وعملت نفس الحركة مع المية والنت والغاز.. كلهم يتفصلوا يوم 1 في الشهر.
الضغطة الرابعة: العربية.
كلمت شركة التمويل والقروض:
—أنا الضامن والساحب الرئيسي لقسط العربية، والاسم التاني وراء واخد العربية ورافض يدفع. إيه خياراتي؟
شرحولي إن قدامي يا إما أفي بالدفع، يا إما أبلغ.
—ممكن يعمل إعادة تمويل باسمه هو بس، —الموظف قال.
كنت هضحك.. بكريدته الزبالة ده؟ مستحيل.
—أو يقدر يسلمها، —كمل كلامه—. ونبعت ونش يسحب العربية.
—يلا نعمل كده! —قلت له—. أدي العنوان اهو.
الضغطة الخامسة: الشقة.
كلمت أكبر سمسار ومكتب تسويق عقاري في المنطقة هناك:
—أهلاً، أنا عايزة أبيع شقتي في التجمع. هي حالياً فيها سكان واخدين إنذار إخلاء 30 يوم وهيكونوا متعبين، أنا عايزة أبيع بسرعة.
السمسار صوت أتحمس:
—السوق مولع! شقة في المكان ده لو حطيتي سعر مغري للبيع السريع، هنخلصها كاش في أسبوعين!
—نزلي السعر للبيع السريع، —قلت له.
المحامية بعتت الإنذار الرسمي بالبريد المسجل، بس أنا بعت واحد من عندي كمان.. بعت إيميل ليوسف وندى وأرفقت فيه صورة إنذار الـ 30 يوم.
كتبت فيه:
“بناءً على مكالمتنا، أنا بمنحكم الاستقلال اللي طلبتوه. قدامكم 30 يوم لإخلاء الشقة. الشقة معروضة للبيع ويافطة للبيع هتتعلق بكرة. كل المرافق هتتفصل يوم 1. قسط العربية متأخر والبنك هيبعت ونش يسحب العربية. حساب السفر اتلغى وما بقاش باسمكم. ده إنذار قانوني رسمي.. محدش يحاول يتصل بيا تاني، مي.”
وبعدين عملت آخر حاجة: مسكت تليفوني، فتحت اسمه، ودوست “حظر”. وعملت نفس الحاجة لندى. حظرتهم على إنستجرام، وفيسبوك، وفي كل حتة. طفيت التليفون، وقعدت في شقتي الصغيرة الهادية. ولأول مرة من 15 سنة.. أخدت نفسي بجد.
كنت فاكرة إني بعد ما أبعت الإيميل الأخير وأعملهم بلوك، هحس بحاجة ضخمة.. فرحة، أو غضب، أو طعم نصارة شرير. كنت فاكرة إني هحس إني بقيت قوية، بس ما حسيتش بكده.. حسيت بهدوء بس.
كان أغرب إحساس. بقالي 15 سنة حياتي زحمة ودوشة، مش أغاني ولا حفلات، بس صوت ووش زن متواصل في الخلفية من القلق: هو يوسف كويس؟ دفع قسط عربيته؟ بياكل كويس؟ متخانق مع ندى؟ زن وقلق مابينتهيش، وعشت بيه لفترة طويلة لدرجة إني افتكرت إن هي دي الحياة الطبيعية!
ودلوقتي خلاص.. الصوت اختفى والهدوء بقى تام. أول ما أصحى الصبح، ما بقاش أول فكرة تجي في بالي “محتاجة أبعت رسالة ليوسف”، بقت “أنا هقوم أعمل قهوة”.
يوم 1 في الشهر جه وعدى.. ده كان دايماً أوحش يوم عندي، اليوم اللي السحوبات الأوتوماتيكية بتنزل فيه: القرض، الصيانة، العربية، المرافق. حسابي كان بينشف كأنه بلاعة مفتوحة، ويفضل معايا بس فلوس يا دوب تجيب مكرونة وعيش لبقية الشهر.
دخلت على الحساب.. كتمت نفسي كعادتها، بس مفيش حاجة حصلت! السحوبات التقيلة اختفت، ومرتبي قاعد زي ما هو بحاله! الهدوء في الحساب كان أعلى من أي خناقة.
الفلوس اتسحبت من حساب السفر ونزلت في تحويشتي: 352,814 جنيه. بصيت للرقم.. خصموا حوالي 12 ألف جنيه غرامة سحب مبكر، ولقيت إني مش فارق معايا خالص. دي فلوسي، الفلوس اللي تعبت فيها نازلة باسمي.. عمر ما كان في رقم زي ده مكتوب جنبه اسمي!
بعدها بـ أسبوع، السمسار كلمتني..
—يا أستاذة مي، أنتِ مش هتصدقي! إحنا لسة ما نزلناش الإعلان رسمي حتى! أنا فرجتها لعميل كاش جاي من الخليج، وعايز يخلص!
—تمام، —قلت وأنا بقع على الكرسي.
—عارضين المبلغ كاش بالكامل ويزيدوا 200 ألف فوق السعر المطلوب عشان يخلصوا في 10 أيام! كل اللي عليكِ تقوليلنا موافقة!
10 أيام.. فكرت في الـ 3 سنين العذاب في الشقة دي. الخناقات، الإيجار المنسي، الدراما، وندى وهي بتمثل إنها ملكة الشقة. 3 سنين من عمري.. حمل تقيل أوي، وكل ده ممكن ينتهي في 10 أيام!
—موافقة، —قلت بصوت واطي—. بيعيها دلوقتي.
مضيت كل الورق إلكترونياً.. ما اضطريتش أروح، ولا أشوفها، ولا ألم حدي. الإنذار كان مديهم 30 يوم، هما استغلوا 20 يوم منها. وفي اليوم اللي المهلة خلصت، المحامية والسمسار راحوا ولقوهم مشيوا وفضوا الشقة.
بعد 10 أيام، رقم ضخم نزل في حسابي البنكي بعد ما القرض اتسدد والعمولات اتدفعت.. فلوس اكتر من اللي شفتها في حياتي كلها!
بصيت على إنستجرام ندى مرة واحدة بس.. ما قدرتش أقاوم، كان بعد أسبوع من الإيميل وقبل البيع. حسابها كان لسة مفتوح للكل لأنها “إنفلونسر” ومحتاجة الفيو.
كانت منزلّة الفيديو.. الفيديو بتاع باب الشقة! الصورة المصغرة كانت وشي أنا: شاحبة، مصدومة، ومكسورة. العنوان كان: ” أخت جوزي السامة كانت عايزة تسرق بيتنا!”
اتفرجت عليه وإيدي ساقعة.. شفت نفسي واقفة شكلي تعبان وصغير، وشفتها هي بتتكلم باستعلاء وزيف: “أنتِ بتقتحمي ملكيتنا، أنتِ واحدة بتستغلينا مادياً يا مي!” وشفت يوسف مستخبي ورا بالبرنس الستان ويشرب كاس وما رضيش يبصلي، وسامعة صوته: “أنتِ بتفضحينا وبتكسفينا!”
حسيت بقرف في بطني وشعور بالخزي المرير.. وجعي واجعني معروض للناس كمحتوى!
بس بعدين عملت حاجة ما كانش المفروض أعملها.. قريت الكومنتات! وندى كانت سيباها مفتوحة وكان ده خطأ قاتل بالنسبة لها.
أول كام كومنت كانوا من فانز بتوعها: “يا حبيبتي يا ندى خلكِ قوية”، “دي كابوس!”
بس بعدين الموجة اتقلبت!
واحد غريب كتب: “لحظة واحدة.. هي اللي اشتريت الشقة واسمك مش عليها، يبقى شقتها هي! إزاي بتسرق بيت نفسها؟”
واحد تاني كتب: “بتستغلكم مادياً؟ مش أنتِ السنة اللي فاتت منزلة فيديو بتفشري فيه إنها دفعت مصاريف جامعة جوزك كلها؟ فهمينا إزاي بقى؟”
وواحد تاني: “يعني هي سامة عشان مش عايزة تدفع فواتيركم؟ يا شيخة انزلي اشتغلي بلاش تنطّع!”
وواحدة كشفتها: “أنا اعرف مي من شغلها القديم في مطعم الفول، كانت بتشتغل 70 ساعة في الأسبوع عشان تصرف على العيل ده.. الفيديو ده يقرف، أنتِ اللي سامة يا ندى!”
ندى كانت بتحاول تمسح الكومنتات بسرعة بس كانت بتيجي أكتر! الناس بدأت تاخد “سكرين شوتس” لمشاركاتها القديمة وهي بتفشر بأخت جوزها الكريمة. ندى نزلت فيديو تاني وهي بتعيط بإضاءة مظبوطة: “أحنا بنتعرض لهجوم ومضايقات.. أحنا الضحايا هنا وطردتنا ست غيورة ومتحكمة.. تأجل شهر العسل بسبب التروما دي، ادعمونا على رابط التبرعات القانونية!”
فتحت اللينك.. كان GoFundMe للترعات، الهدف 50 ألف دولار، والجمّع كان 75 دولار بس! كانت دي أخر مرة أبص فيها.. حظرتها وحظرت يوسف والكل.
كارول، زميلتي القديمة في مطعم الفول، كانت لسة ساكنة في نفس العمارة في التجمع، كلمتني بعد البيع بشهر:
—مي يا حبيبتي، أنا بس بطمن عليكِ.. شفت يافطة البيع وإنذار الطرد، كان موال كبير.
—أنا كويسة يا كارول.. أنا برة الموضوع خلاص.
—أحسن لك والله! —كارول كملت—. المالكين الجداد ناس محترمين، بس جابوا شركة نضافة وتخلص من الكراكيب.. الشقة كانت زبالة! سابوا أكل يعفن في التلاجة، وأكياس زبالة في الطرقة، وكاتبين على الحيطة بمسطردة كلام قليل الأدب وشتيمة فيكي.. شغل عيال مريض!
غمضت عيني.. حاسة بتعب مش بغضب.
—بس مش ده سبب مكالمتي.. أنتِ عرفتِ اللي حصل في العربية؟ —كارول سألت.
—لا، إيه؟
—الونش جه يوم الثلاثاء في نص الضهرية! ندى ما كانتش موجودة، ويوسف طلع يجري يزعق مع الراجل، والراجل ورّاه أوراق البنك والإنذارات.. ما قدرش يعمل حاجة. ويوسف يا حبيبتي قعد على الرصيف، حط دماغه بين إيديه وقعد يعيط وينتحب بصوت عالي والونش بياخد العربية والجران بيتفرجوا!
تخيلت المنظر.. يوسف، العيل ابو 14 سنة، قاعد يعيط وعربيته بتتجر.. استنيت الشفقة أو وجع الأمومة ييجي في صدري.. ما جاش. حسيت ببرود. هو ما عيطش عليا.. هو عيط على العربية!
—وندى؟ —سألتها.
—ندى لمّت شنطها من أسبوعين ومشت وسابته! وعرفت إنها كانت بتخونه مع مدير براند في الزمالك من شهور! ولمّت الشقة من أي حاجة جديدة: التلفزيون الـ 80 بوصة، مكنة الإسبريسو، هدايا الفرح.. أخدت كل حاجة وسابته مع الكنبة القديمة والفواتير!
طبعاً.. ندى كانت طفيلية ولقيت عائل جديد.
—ويوسف راح فين؟
—ما أعرفش.. يوم ما المحضر علّق ورقة الإخلاء 24 ساعة، اختفى. حد شافه ماشي ناحية موقف الأتوبيسات بشنطة ضهر وخلصت على كده.
قفلت السكة. بقى معايا فلوس الشقة كاش، وحساب مليان، وراحة بال.. ويوسف ما حيلتوش حاجة، وعليه ديون كريدت كارد وفواتير متأخرة، وإخلاء في سجله هيخليه مش عارف يأجر حتى أوضة!
عدت شهور.. 3 أو 4 شهور. نقلت لشقة جديدة اشتريتها كاش من فلوس البيع.. شقة أوضة وصالة هادية على بحيرة صغيرة في مكان رايق. مفيش أقساط ولا بنك ولا اسم حد معايا.. اسمي أنا بس.
كنت بتعافى.. لأول مرة من سنين بنام الليل بطوله من غير ما أصحى 3 الصبح مرعوبة على يوسف. اكتشفت إني كنت عايشة دور الأم مش الأخت ولا حتى بني آدمة.. كنت مجرد ممول. دلوقتي بقيت “مي” بس.
وفي ليلة أربعاء.. كنت بعمل مكرونة بزبده وملح لنفسي.. التليفون رن من نمرة غريبة. ما كنتش هرد بس رديت:
—ألو؟
سكوت.. وصوت نفس مكسور وعياط مكتوم.
—ألو؟ —قلت بضيق.
—مي..
دمي اتجمد.. المعلقة وقعت من إيدي على سيراميك المطبخ النظيف. صوته.. بس مش الصوت القوي اللي قال عليا خنقاه، ولا الصوت البارد بتاع الشقة.. ده صوت العيل أبو 14 سنة في جنازة أمي.. صوت مكسور وصغير.
—يوسف؟
شهقة وعياط مرير طلع من السماعة.. صريخ مكسور من صدره، صوت حد جاب القاع.
—مي! يا رب.. الحمد لله إنك لديتِ!
قعدت على الأرض في ساعتها.. رجليا ما شالتنيش. غريزة الـ 15 سنة، غريزة الأمومة صرخت جوايا: صلحيها! خففي عنه! هو موجوع! روحي هاتيه!
—أنت فين؟ —سألت بصوت مشدود.
—ما.. ما أعرفش! أنا في بنزينة على الصحراوي بكلمك من تليفون واحد صاحبي اسمه مينا.. وهو ماشي وسايبني لو مش هخلص بسرعة.. هو زعلان مني!
—يوسف في إيه؟ أنت عايز إيه؟
—هي.. هي مشت يا مي! —صرخ بالعياط—. ندى سابتني من شهور وأخدت كل حاجة.. كانت بتخونني من زمان يا مي! كانت بتستغلني عشان الشقة وعشان الفلوس بتاعتك!
سكت وسيبته يتكلم.
—أنا خسرت شغلي.. بعد الإخلاء قالوا عليا مش ملتزم ومش مركز ومشوني.. ما حيلتيش جنيه يا مي! عليّ ديون 250 ألف جنيه في الكريدت وهيحفروا عليا قضايا ويسجنوني!
كان بيلهث وبيقع:
—بنام على كنب أصحابي ومينا كرشني وقالي أنت صايع ومفلس.. ماليش مكان أروحه يا مي! ماليش أي حتة!
أخد نفس مكسور تاني:
—أنا جعان أوي..
هي دي.. دي الس/كينة اللي اتغرست في بطني. “أنا جعان أوي”. البنت اللي كان عندها 23 سنة وكانت بتشتغل في مطعم فول عشان تجيبله أكل.. جعان! صرخت جوايا: صلحيها! هاتي أكل! ابعتي أوبِر!
—مي أرجوكي، —اترجاني بصوت صغير أوي—. أنا أسف.. أنا عارف إن أنا عملت.. هي اللي خلتني أعمل كده! أنا بحبك.. أنتِ أختي وأمي وكل حاجة ليا.. أنا خايف أوي!
سكت ثانية.. وبعدين طلب الطلب الحقيقي:
—ممكن.. ممكن أجي البيت عندك؟ —وشوش—. مش على طول والله، حبة صغيرين بس! هنام على الكنبة وهنزل أدور على شغل وأردلك كل جنيه.. أرجوكي يا مي ما تسيبنيش في الشارع.. الجو برد أوي!
غمضت عيني.. الوحش اللي في صدري، غريزة الأم، كانت بتصرخ: أنتِ مريضة وقاسية لو قلتي لأ! ده أخوكي ومن دمك! أنتِ وعدتِ أمك!
وبعدين شفت صورة تانية بنفس الوضوح: شفت الراجل ابو 29 سنة بالبرنس الستان ماسك كاس شربات وبيقولي “أنتِ بتفضحينا وبتكسفينا قدام الناس”، وساكت ومراته بتقولي “أنتِ تصعبي على الكافر”.
فكرت في شقتي الهادية، في الـ 15 سنة اللي اديتهم له من عمري وما أقدرش أرجعهم تاني.. تعلييمي اللي راح.. حياتي اللي ما عشتهاش.
فتحت عيني.. مطبخي نظيف، المكرونة مستنية، وحياتي بتاعتي.
لما اتكلمت، ما كنتش زعلانة ولا باردة.. كنت هادية تماماً:
—لأ يا يوسف.
الكلمة اتعلقت في الجو.. هو سكت، أظن إنه افتكر إنه سمع غلط.. ما قدرش يستوعب الكلمة.
—إيه؟ —وشوش—. مي.. إيه؟ قصيدك إيه؟ أرجوكي أنا..
—لأ، —قلتها أثبت وأقوى—. مش هتيجي هنا. مفيش بيت ليك هنا، وما بقاش ليك وجود في حياتي اصلاً.
—بس.. بس أنا أخوكي! —صرخ والهلع بيزيد في صوته لما لقى أخر أمل بيروح—. أنا ما حيلتيش حاجة! ما تقديش تعملي فيا كده!
—أنت اللي عملت في نفسك كده، —قلت بصوت ثابت أوي ما عرفتوش—. أنت اخترت.. وقفت في الشقة واخترتها هي. سبت مراتك تسجلني وتهينني وتقولي تصعبي على الكافر، وقلتلي إني بكسفك، وقلت إنك عايز استقلال وحياة لوحدك.
—بس ما كانش قصدي! —صرخ في التليفون—. أنا كنت غبي وغلطت غلطة عمري! أرجوكي!
—صح، غلطت، —قلت له—. ودلوقتي لازم تتحمل نتيجة غلطتك. أنا مش شبكة الأمان بتاعتك تاني، ولا البنك بتاعك، ولا أمك.. أنا خلصت. أنت أردت تعيش من غيري، اتفضل عيش.
سمعت صوت صاحبه مينا في الخلفية: “يا ابني خلص يلا عايز أمشي!”
—لأ استنى! —يوسف صرخ برعب حقيقي—. مي ما تقفليش أرجوكي! أنا بحبـ…
قفلّت. دوست على الزرار الأحمر. إيدي كانت بترتعش بس عملتها. دخلت على الأسماء وعملت بلوك للنمرة الغريبة. وقفت وبصيت من الشباك على البحيرة الهادية بالليل.. ما كنتش بعيط، ولا مبسوطة، ولا شمتانة.. حسيت بإني فاضية وخلاص قفلت الصفحة. العيل أبو 14 سنة اللي ربيته مات في الشقة ديكها.. ده كان مجرد شبح. وأنا أخيراً بقيت حرة بجد.
الحاجة اللي محدش بيقولها لك عن الانتقام هي إن أنضف نوع انتقام مش عالي ولا فيه خناق ولا دراما ولا انك تؤذي القدامك.. أنضف انتقام هو إنك تتنفس وتعيش، إنك تاخد الطاقة اللي كنت بتبخها فيهم وترجعها لنفسك تاني.
بعد المكالمة دي، كل ذنب وكل سلسلة كانت ربطاني بيه من 15 سنة اتكسرت. كنت شايلاه لفترة طويلة أوي وما كنتش مدركة هو تقيل قد إيه على روحي!
ترقيت في شغلي وبقيت مديرة المكتب بمرتب محترم.. بقيت بشتري حاجات لنفسي: مرتبة مريحة جديدة، ملايات ناعمة، مكنة قهوة، ورد ونباتات ملية الشقة.
سافرت.. ما رحتش أوروبا لأن دي كانت أمنيته هو اللي باعني عشانها.. أنا رحت الواحات وسانت كاترين، وقفت في الهدوء وأخدت نفسي. اتعرفت على أصحاب جداد في نادي الرحلات.. أصحاب بجد مش عايزين مني فلوس ولا خدمات.
قريت كتاب عن “التربية العكسية وتحمل الأطفال مسؤولية أهاليهم” وفهمت إن اللي حصل ده ما كانش حنيّة أخت.. ده كان مرض وإنقاذ مبالغ فيه. أنا كنت المنقذ، وهو كان الضحية، وندى كانت شخصية جديدة عايزة تاخد دوري. ولما قلت “لأ”، أنا ما حطيتش حدود بس.. أنا نهيت المسرحية ونزلت من على المسرح.
دخلت مسحت كل صوره من عندي.. مسحت حساب الفيسبوك بالكامل وألغيته، ومسحت كل صوره من على الموبايل. ده ما كانش غضب.. ده كان تنظيف وكنس لأخر تراب فاضل.
بدأت أعمل خير.. بدل ما كنت بدي كل حاجة لشخص ما بيقدرش، بقيت بروح دار أيتام وجمعية رعاية حيوانات أساعد يوم السبت ساعتين.. بدمج وبدي من غير شروط، وكان إحساس جميل.
وفي يوم أحد الصبح، كنت قاعد في البلكونة بشرب القهوة وبصيت للبحيرة، وفكرت في يوسف.. يا ترى هو فين دلوقتي؟ في الشارع؟ لقى شغل؟ جرى له حاجة؟
صوت ذنب صغير حاول يتسلل: أنتِ اتخليتِ عنه.. أنتِ أخت قاسية وأمك كانت هتتكسف منك!
أخدت بوق من القهوة وقلت بصوت عالي للهوا:
—لأ.. أنا ما دمرتش حياته. أنا ما طردتوش من شغله، هو اللي أهمل. أنا ما اخترتش مراته، هو اللي اختارها. أنا ما خنتوش، هي اللي خانته. أنا ما استلفتش ربع مليون جنيه قروض.. هما اللي عملوا كده. أنا ما قلتلوش يسكت ومراته بتهينني.. هو اللي اختار يسكت. كل اللي عملته إني بطلت أدفع الثمن بداله! كل اللي عملته إني تنحيت من السكة.. أنا ما دمرتش يوسف، أنا ببساطة بطلت أنقذه من نفسه.
ومن غير ما أكون موجودة كشبكة أمان، أفعاله وضعفه وجشعه وقسوته هما اللي جابوه الأرض. هو ما وقعش بسببي، هو خبط في الأرض اللي كان واقف عليها طول عمره.. أنا بس ما بقيتش موجودة عشان أمتص الصدمة أونا بداله. دي مش غلطتي، وما بقتش مسؤوليتي.. وأنا أطلقت سراحه وسراح نفسي.
حسيت بأخر عقدة في بطني بتفك تماماً. خلصت القهوة ودخلت جوة أجهز لرحلتي الجاية.
دي قصتي.. دي مش قصة خيالية سعيدة مفيهاش مشاكل، مفيهاش صلح درامي ولا اعتذار.. دي قصة حقيقية. أخدت مني 15 سنة وخيانة عميقة عشان أتعلم حاجة واحدة بسيطة:
الحدود مش قسوة.. الحدود هي الوسيلة الوحيدة عشان تنجو بنفسك.
أنا اتخليت عن شبابي، وأحلامي، وتعليمي، ومستقبلي عشان حد.. وفي الآخر ما كانش كفاية، لأن الناس اللي زي يوسف عمره ما بيكفيهم حاجة. كل ما تدي، كل ما يطلبوا أكتر.
لو بتشوفوني دلوقتي، في ناس هتشوفني الشرير في القصة، وهتقولوا إني قاسية وإني اتخليت عن أخويا وما رديتش على المكالمة.. بس أنا عارفة إن في ناس منكم فاهمين. في ناس دلوقتي هما “مي” في قصتهم الخاصة: هما اللي بيدفعوا الفواتير، هما اللي بياخدوا مكالمات العياط نص الليل، وهما اللي بيولعوا في نفسهم عشان يدفوا غيرهم وهما تعبانين أوي.
فأسألكم كلكم: لو كنتوا مكاني، كنتوا هتعملوا إيه؟ هل أنا الشريرة عشان قلت “لأ”، ولا كنت مغفلة عشان قلت “نعم” لـ 15 سنة؟ شاركوني رأيكم في الكومنتات.
واعملوا لايك واشتركوا في القناة.. أنت مش لوحدك.
(تنويه: هذه القصة خيالية ومصنوعة لأغراض الترفيه فقط، وأي تشابه في الأسماء أو الأحداث هو من وحي الخيال).