استلفت من امي
حصري لصفحة روايات رولا
في صالة شقة الحاجة دينا الخافتة الإضاءة، كانت أوراق الشاي تتراقص في الكوب الزجاجي بينما صمت ثقيل يلف المكان. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تجلس فيها الأخت المحبة تسجل بمرارة حركات زوجات إخوتها.
الأمر بدأ في البداية مع سَمَر، زوجة الأخ سامح. سمر امرأة تحب المظاهر، أخذت من الحاجة فاطمة (والدة الراوي من جهة أخرى في العائلة أو صديقة عمر الأم) 5,000 جنيه بحجة مصاريف مدرسة ابنها “زياد” في التجمع الخامس، على وعد أن ترد الفلوس بمجرد أن يقبض سامح مكافأة عمله. مرت ستة أشهر كاملة، ولم ترَ الحاجة فاطمة جنيهًا واحدًا، رغم أنها بحاجة ماسة لهذه المصاريف لشراء أدوية الضغط والمفاصل الشهرية من صيدلية العزبي.
كانت سمر تنشر صورها يوميًا على مواقع التواصل: فسح وخروج في العاصمة الإدارية الجديد، ومصايف رفيعة المستوى في الساحل الشمالي. وكلما حاولت الأم المسنة فتح الموضوع بلطف، كانت سمر تتهرب بابتسامة لئيمة: “يا حاجة هي الفلوس بينا؟ ده خيرك مغرقنا!”. أما سامح، فكان يمارس هوايته المفضلة في التعامي وتجنب المشاكل مع زوجته، بينما يذوب قلب الأم خجلًا وضيقًا.
عندما تدخلتِ بوضوح وواجهتِ سمر بأن هذه الفلوس هي ثمن علاج الأم ولا يصح التأخير فيها، قلبَت سمر الطاولة، ومثّلت دور الضحية، متهمة إياكِ بالتدخل في حياتها والوقيعة بينها وبين زوجها.
الفصل الثاني: الموقف في الجراج وسر “إبراهيم”
وسط كل هذا الضغط النفسي، ذهبتِ إلى متجر الأدوات المنزلية. وفي جراج المحل السفلي، بينما كنتِ تحاولين وضع مروحة جديدة في شنطة السيارة، توقفت سيارة خلفكِ فجأة. نزل منها رجل عصبِي يصرخ ويوجه شتائم بأعلى صوته كي تبتعدي عن طريقه.
تسمرتِ في مكانكِ، وبدأت يدكِ تترعش من خوف قديم خلّفته تجربة طلاقكِ القاسية، حيث اعتاد الجميع السيطرة عليكِ وإشعاركِ بالضعف.
فجأة، تقدم رجل بقامة فارعة وصوت هادئ للغاية كأنه نسيم وسط العاصفة، وقال للرجل العصبي بثقة: “هي خلاص خلصت.. أدّي نفسك ثانية”. نظر إليه الرجل بغضب لكنه لم يستطع مجادلة هدوء إبراهيم، فتحرك بسيارته ومضى.
قلتِ لإبراهيم بنبرة مشدودة: “ما كانش له لزوم تتدخل.”
رد عليكِ بنظرة دافئة: “عارف.”
كان اسمه إبراهيم. في تلك اللحظة، ومن غير تفكير طويل، تبادلتِ معه الأرقام. كان إبراهيم هو طوق النجاة والراحة النفسية التي تمنيتها بعد سنوات من التخبيط والتجارب الفاشلة ونظرات المجتمع المطلّقة التي تمنح الكل حق التدخل في حياتكِ.
الفصل الثالث: السر في المطبخ والملف الأصفر
تطورت العلاقة بينكِ وبين إبراهيم حتى أصبحتِ تجلسين معه في مطبخ بيته، تبحثان عن الس\كينة. وفي ليلة حافية التفاصيل، سألتهِ عن ماضيه ولماذا لم يتزوج حتى الآن.
تغيرت ملامح إبراهيم، وتنفس بضيق قائلًا بصوت مكسور: “كنت خطبت زمان.. بس خطيبتي دي كانت شيطانة على هيئة إنسان. قبل الفرح بشهرين طلبت مني 5,000 دولار (حوالي 250 ألف جنيه) بحجة تسديد دين قديم ومستعجل.. وبعد ما أخدت الفلوس الكلام بدأ يتغير، واكتشفت إنها بتتسلى وتبتزني.. مبحبش أفتكر القصة دي ولا أفتح أوراقها.”
بعدها بوقت قصير، دخل إبراهيم ليأخذ حمامًا سريعًا. وفي تلك الأثناء، وقعت عينكِ على مكتبه؛ كان هناك ملف أصفر اللون برزت منه حافة صورة شخصية لامرأة. جذبتكِ ملامح الصورة.. كانت لامرأة بشعر داكن، ولفت انتباهكِ شيء دقيق للغاية: حسنة صغيرة جداً تحت عينها الشمال.
تجاهلتِ الأمر وقتها وظننتِ أنها مجرد صدفة أو ماضٍ يخصه، ورحلتِ.
الفصل الرابع: التلاجة المكسورة وحقيقة “لورين”
في اليوم التالي، دخلتِ مطبخ أمكِ الحاجة دينا. كانت الصدمة أن الفريزر المكسور كان يفرغ مياهه على بلاط المطبخ، وأمكِ واقفة بظهر منحني تمسك فوطة مبلولة وتحاول مسح المياه وهي تشعر بالخجل من الاتصال بكِ كي لا تثقل عليكِ.
عندما أصررتِ على الخروج فورًا لشراء ثلاجة جديدة، جلست الأم على الكرسي وقالت بصوت خافت حيائي: “يا بنتي معيش فلوس خالص.. تحويشة العمر الـ 5,000 دولار إديتها لـ لورين (مرت أخوكي كريم).”
لورين، زوجة كريم، هي امرأة لا تتذكر الأم إلا في المناسبات. استغلت حادث سيارة بسيط تعرضت له منذ فترة، واستعطفت الأم حتى أخذت منها مبلغ التحويشة الذي كانت تدخره للمستقبل ولأوقات المرض.
عندما اتصلتِ بـ لورين فورًا لتخبريها أن الثلاجة تعطلت والأم بحاجة للفلوس لشراء علاجها وثلاجة جديدة، ردت ببرود وبجاحة مستفزة: “وهي طنط محتاجة الفلوس دي في إيه؟ دي ست متقاعدة ومفيش وراها مصاريف أساساً! الفلوس دي اتصلحت بيها العربية وموجودة مع الورشة!”
قفلتِ الخط وأنتِ تغلي من الداخل، لكنكِ قررتِ التظاهر بالهدوء وعزمتِ كريم ولورين على العشاء في بيتكِ في اليوم التالي.
الفصل الخامس: لغز “الحسنة” تحت العين
أثناء جلوسكِ في المساء، بدأت مخيلتكِ تركّب الأحداث. الحسنة التي تحت العين في صورة إبراهيم القديمة… النظرة… الاتساع في حدقة العين… نفس حسنة لورين!
هرعتِ ليلاً إلى شقة إبراهيم، وجلستِ أمامه ونبضات قلبكِ تتسارع: “إبراهيم.. افتح الملف الأصفر ده دلوقتي حالا.. أرجوك!”
استغرب إبراهيم ولكن أمام إصرارك فتح الملف وسحب الصورة.
نظرتِ إليها بذهول وصدمة: “دي لورين.. مرت أخويا كريم!”
طفرت الصدمة من عيني إبراهيم: “دي كان اسمها (لورا) لما عرفتها في دراستها في الإسكندرية! أنتِ بتهزري؟ دي نفس البنت!”
قصصتِ عليه ما حدث مع أمكِ وكيف أخذت منها 5,000 دولار بحجة حادثة العربية.
من فوركما، فتحتما التطبيق البنكي لحساب أمكِ بمساعدتكِ للتحقق من التحويلات الإلكترونية. المفاجأة كانت أن الفلوس لم تذهب مطلقًا لورشة صيانة السيارات، بل تم تحويل 3,800 دولار منها لحساب امرأة باسم “ماريسول”.
فتح إبراهيم لابتوبه واحتفظ برسائل إلكترونية قديمة يعود تاريخها لسنتين؛ نفس المرأة (ماريسول) كانت تراسله وتطلب منه مبالغ مالية لأن “لورا” (لورين) مديونة لها بمبالغ ضخمة وتتهدد بالملاحقة القانونية!
هنا انكشف اللغز بأكمله: لورين تمارس لعبة الدومينو المالية! تخلق شبكة من الأكاذيب، تستلف وتنصب على ناس جدد لتسدد ديونها القديمة لأشخاص آخرين، وتستغل طيبة الأمهات وكبار السن!
قمتِ بطباعة التحويلات البنكية الخاصة بأمكِ، ودمجتها مع الرسائل والصور المسحوبة من ملف إبراهيم، ووضعتِ كل شيء داخل ملف أسود أنيق… وانتظرتِ موعد العشاء.
الفصل السادس: مواجهة العشاء والحقيقة العارية
في تمام الساعة السابعة مساءً، كان كريم وزوجته لورين يجلسان في صالة الشقة. كانت لورين ترتدي أحدث صيحات الموضة، تتصنع الدلال وتضحك بابتسامتها الصفراء المعتادة، محاولة إظهار أن كل شيء على ما يرام.
وفجأة… دق الباب.
فتحتِ الباب ودخل إبراهيم، يحمل في يده الملف الأسود وبملامح حادة وجادة.
أول ما وقعت عين لورين على إبراهيم، اصفرّ وجهها تمامًا كشرائح الليمون الذابلة، وتلعثمت نبرتها وحاولت الوقوف وهي تصرخ: “إيه ده؟ مين ده؟ إيه اللي جاب ده هنا؟ طلعوه برة الشقة دي فوراً!”