عم جوزي حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
عم جوزي قال قدام عيلة “العطار” كلها إنني “زوجة بعقد”، وكان مستني أنكّس رأسي وكسوفي يطغى عليا لأن الكل كان فاكر إني اتجوزت “سيف” عشان فلوسه. أنا فضلت هادية وساكتة لأن جزء من كلامه كان حقيقي، بس مش للسبب اللي هما فاكرينه. كان فيه عقد مربوط بالاستوديو بتاع بابا الله يرحمه في شارع عماد الدين، وكنت فاكرة إن العقد ده هو السبب الوحيد اللي خلي “سيف” يتجوزني. بس اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن فيه حد قاعد على الترابيزة دي عارف تفاصيل عن العقد ده اكتر مني بكثير.
​”توفيق العطار” اتكأ لورا وهو بيشرب كاس الويسكي وبيبصلي بصة كأني دخلت عالم أكبر مني وتايهة فيه، عالم بتاع ناس أغنى وأهم مني بكتير. فكّر الكل إن استوديو “صوت الفن” بتاع بابا كان بيموت في الديون بعد ما توفى، وإن جوازي من سيف هو اللي أنقذه. وبعدين قال عليا “زوجة بعقد” كأنه بيحاول يوقفني عند حدي ويصغرني. أنا ما اتجادلتش معاه، لأني ماكنتش هترجى العيلة دي عشان تحترمني.
​سيف وقف على رأس الترابيزة ببدلته السودة وقال كلمة واحدة: “هي ليها اسم.” توفيق ضحك ونطق اسمي أخيرًا، بس سيف بصله وقال: “ده مش اعتذار.” أنا قلت لسيف بصوت واطي إني عايزة أمشي، وفي ساعتها جابلي الجاكيت بتاعي. وقبل ما نخرج، قال لتوفيق إنه لو فتح بقه وقال “زوجة بعقد” دي تاني، مش هيدخل أي مكان أو فرع ملك لسيف طول حياته.
​الحركة دي كان المفروض تحسسني إنه بيحميني، بس هي في الحقيقة زادت حيرتي ولخبطتني أكتر. من ست شهور، اكتشفت إن بابا كان واخد قروض من عيلة العطار عشان يفضل الاستوديو شغال، وكان فيه اتفاق قديم بيلزم الجواز بين وريثين العيلتين مقابل الديون دي. لما قلت لسيف وقتها إن الاتفاق ده جنان وميجوزش، وافقني في الكلام. وبعدها بتلات أيام بس، طلب مني اتجوز رسمياً.
​أنا وافقت عشان الاستوديو ده هو المكان اللي بابا قضى عمره كله يبنيه، وكنت واعدة نفسي وأنا بودعه إني مش هسمح إنه يضيع. سيف أخدني وعطاني أوضة لوحدي، ومفتاح لوحدي، ومكتب خاص بيا، وحرية كاملة في بيته في التجمع. عمره ما دخل أوضتي من غير ما يخبط، ولا قرب مني إلا بإذن، ولا عمره قال لي أروح فين أو أرجع إمتى. كان بيعاملني باحترام أكبر بكتير ملي كنت متوقعاه من راجل اسمه بس ممكن يهز نص القاهرة.
​بس هي دي كانت المشكلة. سيف كان ممكن يفضل بارد وساكت لأيام، وبعدين فجأة يسوق من التجمع لحد وسط البلد بس عشان يوصلني الاستوديو بآمان وهو بيعديها ويقول إنه كان معدي بالصدفة في طريقه. كان حافظ القهوة اللي بشربها، شايل عنده كل تسجيل عملته، وكان بيساعد الناس اللي اشتغلت مع بابا في الخفاء من غير ما يقول. وفي الليل، كنت أحياناً أسمعه بيلعب على البيانو لما يفتكر إن البيت كله نام. بدأت أسأل نفسي لو كان فيه حاجة مدفونة تحت السكوت ده كله ومحدش فينا عارف يعبر عنها.
​وفي ليلة، قفشني وأنا بلحن أغنية كنت بكتبها في السر. لما سألني الأغنية دي عن مين، قلت له ملهوش حق يغير، لأن جوازنا في الأول والأخر بزنس وشغل. فاجئني ورد عليا وإعترف إنه غيران فعلاً. وقبل ما ألحق أخليه يوضح كلامه أو يشرح مشاعره، تليفونه رن بخبر إن فيه حد اقتحم الاستوديو في عماد الدين.
​مافيش حاجة اتسرقت. بس كان فيه سبع كلمات مكتوبين بالرش على إزاز غرفة التحكم: “أنتي مالكيش مكان في العالم بتاعه.” سيف كان عايزي أبعد وأقعد في مكان أمان، بس أنا قلت له إني مش هسيب استوديو بابا عشان شوية بوهية على الإزاز. هو ماجادلنيش كتير، لأنه رغم كل قسوته وهيبته، تعلم إن حمايتي مش معناه إنه يفكر ويقرر بدالي.
​زود الحراسة من غير ما يقلب الاستوديو لثكنة عسكرية، وللحظة افتكرت إن الخطر عدى. لحد ما “توفيق العطار” دخل عليا المكتب في الاستوديو من غير ما يخبط، ومسك صورة قديمة أنا عمرها ما شفتها قبل كده. كان فيها بابا واقف جنبه سيف وهو أصغر بكتير عند البيانو. بصيت لتوفيق وعرفت إنه جاي مخصوص عشان عارف إن الصورة دي هتقلب كل حاجة.
​توفيق قال لي إن سيف كان يعرف بابا من قبل جوازنا بكتير. قلت له يخرج بره لأني مش فاضية لألاعيب عيلة العطار، بس هو ابتسم ببرود. وبعدين قال لي إن سيف كان عارف بديون بابا من سنين، وإن الاستوديو كان هيقفل ويتباع أكتر من مرة قبل ما أنا حتى أعرف المصيبة دي. ولما وصل عند الباب، بص لي وقال: “اسألي جوزك ليه كان بيشتري ديون أبويكي كل مرة الاستوديو كان بيقرب فيها يتقفل إفلاس.
فضلت باصة لتوفيق وأنا بتمنى من كل قلبي يطلع كذاب. بس بدل ما يمشي، رماني بالضربة القاضية قبل ما يخرج من الباب: “بند الجواز اللي في العقد كان متهيا وصلاحهيته انتهت من تلات سنين… سيف هو اللي خلي المحامين بتوعه يجددوه ويرجعوه تاني.”
​قعدت أستنى سيف في الضلمة الليلة دي، والصورة القديمة محطوطة على الترابيزة بيننا. أول ما شافها، ملامح وشه اتغيرت تماماً. سألته بصوت مخنوق لو كان توفيق بيكذب… سيف وما اختباش ورا كلام محامين ولا أسلوب معسول، وبصلي وقال بكل بساطة: “لا.”
​سألته لو كان يعرف بابا… لو كان يعرف بموضوع الديون… ولو كان هو فعلاً اللي بيشتريها… وفي كل مرة كان سيف بيرد بـ “أيوه”. ولما سألته لو هو اللي رجع بند الجواز تاني عشان يزنقني ويخليني أتجوزه، بص في عيني مباشرة وقال: “أيوه.”
​قلت له إن كل ده كان تلعيب واستغلال منه، وهو ما نكرش واعترف ب ده كمان. وبعدها حكالي السر اللي يربطه ببابا… لما سيف كان مراهق، كان بيهرب من تحكمات أبوه وعيلته ويروح لنوادي المزيكا في وسط البلد، وفي ليلة بابا لقاه نايم ورا الاستوديو في عماد الدين. بابا أكل وشرب وفتحلوا الاستوديو يسجل فيه بعد نص الليل، وعامله كأنه ولد صغير بيموت في المزيكا، مش كواحد من وراثة عيلة العطار.
​سيف كمل وقالي إن أبوه لما عرف باللي بيحصل، دمر شغل بابا مع العيلة وحرمه من العقود، وده كان بداية غرق الاستوديو في الديون. وسيف قضى سنين يحاول يصلح الذنب والخراب اللي عيلته تسببت فيه. قلت له إن كل ده ما يديلوش الحق إنه يقرر مستقبلي ويرتب حياتي من ورا ضهري… وما جادلنيش ولا دافع عن نفسه.
​قلت له كان ممكن تديني قرض عادي وترحمني من لعبة الجواز دي، سيف بصلي وقال بثقة إني كنت هرفض القرض، فقلت له إنت ما تقدرش تعرف أنا كنت هعمل إيه. ملامح وشه سكنت وزاد جديته، وكأن فيه سر أخير أنا لسه ما أعرفوش… لقيتها قال بصهود: “أنا شفتك وأنتِ بترفضي تلات قروض قبل كده يا دينا… البنوك اللي كانت مستعدة تمول الاستوديو وتنقذه دي… كانت كلها بنوكي أنا.”
بصيت لسيف وحسيت بمدى الخنق، وعرفت قد إيه هو كان محاصر الاستوديو وحياتي بالكامل من غير ما يقولي ولا كلمة. بنك منهم كان تبعه بطريقة غير مباشرة، وبنك تاني كان شريك فيه. كل مرة كنت بفتكر إني باخد قرار حر ببديل مستقل، كان هو واقف ورا الاختيارات دي بيحركها. قلت له إن الحماية من غير ثقة… مش حماية، دي سيطرة وتحكم.
​هو ما دافعش عن نفسه. قلت له إنه بيفهم في الموازين، والفلوس، وازاي يحل المشاكل ويخفيها، بس عمره ما وثق فيا كفاية عشان يسيبني أقرر بنفسي لو كنت عايزة مساعدته أصلاً ولا لأ. سيف وطي عينه وقال: “عندك حق.” وبطريقة غريبة، اعترافه ده وجعني أكتر من لو كان خَلق أي عذر تاني.
​قلت له إني ماشية وسايباه. لأول مرة أشوف الخوف في عينيه، بس رغم كده ما وقفش في وشي، ولا قفل الباب، ولا هددني بالاستوديو، ولا حتى فكرني بالعقد. لما سألته ليه مش بيمنعني، قال لي: “لو منعتك تمشي دلوقتي، الجواز ده عمره ما هيكون حقيقي.” ولميت شنطة هدوم واحدة بس.
​بعد ساعة، كان سيف مستنيني تحت في الصالة وماسك في إيده ظرف. كان جواه أوراق ومستندات متوقعة بتنقل ملكية الاستوديو بالكامل ليا أنا، من غير أي شراكة ولا بند جواز يربطنا. قال لي إن كل الديون اتلغت خلاص… ومسح بأيده الكارت الوحيد اللي كان بيلويني بيه وبيجبرني أفضل معاه.
​وبعدها اعترف بالجانب الأبشع من اللي عمله… قال لي إنه كان خايف، خايف إني لو مش محتاجاه عمرِ ما هختاره، عشان كده خلق ظروف تخليني أضطر أفضّل معاه. وما طلبش مني أسامحه، قال لي بس إن القرار من اللحظة دي بقى في إيدي أنا وبس.
​سبته ومشيت برضه، وقعدت في الشقة اللي فوق الاستوديو في عماد الدين لمدة تلات أسابيع. سيف ما اتصلش، ولا بعت ورد، ولا جه من غير ميعاد، ولا حتى استغل الاستوديو كحجة عشان يشوفني. الرسالة الوحيدة اللي بعتها كانت بتأكد إن الاستوديو بقى ملكي قانونياً، وإنه مش هيدتب أي خطوة جواه من غير إذن مني. ولحد ما جه يوم، دخلت عليا “فريدة” والدته الاستقبال، وهي ماسكة في إيدها علبة قطيفة صغيرة.
​استنت لما عزمت عليها تدخل مكتبي، وحطت العلبة على الترابيزة. فتحتها ولقيت ريشة جيتار فضة منقوش عليها حرفين بالإنجليزي: T.B. و R.C. رفعت رأسي لأني عارفة الحروف الأولى من اسم بابا “طه بسيوني”، والحروف الأولى من اسم “سيف العطار”. فريدة بصت في عيني وقالت: “دي الحاجة الوحيدة اللي سيف رفض يديها لكِ.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *