سلفتي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
“مرات أخو جوزي رمت أكل عيد ميلاد حماتي في الزبالة وقالتلي يا “يا خدامة ويا غريبة”؛ وقعدت تتريق وتتمسخر لحد ما حد طلع من الطابق/الطرقة وكشف مين اللي كان طبخ الأكل ده كله بجد…
أول مرة نسرين تقولي يا “غريبة وخدامة” قدام حماتي، حسيت إن الأفضل ما أردش. بس الكلمة دي ما طلعتش فجأة كده من الفراغ. دي كانت بتكبر وتغل جواها بقالها شهور، متغذية على الجمايل، والفلوس، وفكرة نسرين كانت بتكررها كل ما حد يوقفها عند حدها: أنا مش من دمهم، وماليش أي حق أقول رأيي. لما اتجوزت كريم، طنط سميرة كانت أول واحدة في عيلته تحسسني إن مكانتي معززة ومكرمة وأنني فرد منهم. كانت عايشة لوحدها في بيت قديم وواسع في حي مصر الجديدة، لأن حمايا كان متوفي قبل فرحنا بفترة صغيرة. ولادها التلاتة كل واحد فيهم كان عمل حياته وطفش: حازم، الكبير، كان شغال ومقيم برة مصر؛ وكريم جوزي هو الوسطاني؛ ونسرين، الصغاريرة، كانت عايشة مع جوزها وائل في ناحية تانية خالص في التجمع. كنت بروح أزورها مرتين أو تلاتة في الأسبوع. ساعات نقعد نشرب شاي بالنعناع في البلكونة سوا. وساعات تانية نهبط سوا على سوق الخضار ونرجع شايلين خضار وطماطم وفاكهة وطازة.
“يا حبيبتي ما تتعبيش نفسك وتيجي كتير كده,” كانت بتقولي.
“أنا بجيش غصب عني ولا واجب يا طنط.. أنا باجي بحب.”
مع الوقت نسيت كلمة “يا ليلى” وبقت تقول لي “يا بنتي” من غير ما تحس.
كل حاجة اتغيرت في ليلة مطرة وطين. كريم جاله تليفون من المستشفى. أمه اتكعبلت على السلم وعندها كسرين في ضلعين من أضلعها. الإصابة ما كانتش خطيرة أوي، بس الدكتور كان واضح وصريح: ما ينفعش تفضل عايشة لوحدها تاني. أنا وكريم جريبنا وطارنا عليها في ساعتها. نسرين ووائل ما ظهروش غير تاني يوم الصبح. نسرين دخلت وهي بتتأوب:
“يعني الحمد لله جت على أد كسر الضلوع. في السن ده أي وقعة بتبقى إشارة إن فيه حد لازم يشيلها ويتحملها.”
طنط سميرة وُشها جاب ألوان وبصت في الأرض. كريم سألهم إزاي يقدروا يقسموا الموال ده ويرتبوه بين إخواته التلاتة.
“ما تاخدوها عندكم أنتوا!” نسرين ردت ببرود، “ليلى بتشتغل من البيت كام يوم في الأسبوع.. موضوع يركب عليها ومثالي ليها.”
وائل جوزها ضحك بقلة ذوق:
“أيوه والله، كده الموضوع اتحل وخلاص.”
قالوها وكأن طنط سميرة كرتونة ولا كراكيب محتاجين ينقلوها من مكان لمكان. هي حاولت تمنع أي خناقة.
“أنا أقدر أعيش لوحدي وعادي.”
مسكت إيدها وبصيتلها:
“لأ يا طنط.. لو حضرتك تحبي، تنوري بيتنا وتيجي تعيشي معانا.”
كريم هز رأسه بالموافقة. نسرين اتنفست الصعداء وزفرت بحرية:
“الحمد لله! عشان إحنا ظروفنا ونظام حياتنا ما يسمحوش نغير روتيننا خالص.”
من اليوم ده، طنط سميرة جَت عاشت معانا في شقتنا. خفت ورجعت صحتها، ورجعت تهتم بزرعها في البلكونة وكانت مرتاحة ورايقة. المشكلة بقى إن نسرين اكتشفت إن بيت أمها دلوقتي بقى فيه أكل سخن وطوابخ كل يوم. بقت تطب وتيجي من غير ميعاد ولا إحم ولا دستور.
“طبختوا إيه النهاردة؟”
وبعدين بقت تيجي وتجر معها وائل. يأكلوا، يسيبوا المواعين والطباق متوسخة ويمشوا. لما طنط سميرة طلبت منهم يبقوا يرنوا ويستأذنوا قبل ما ييجوا، نسرين ردت بتبجح:
“ده بيت أمي وداخلي زي ما هو داخلك بالضبط!”
بعد كده دخلنا في موضوع الفلوس. وائل جوزها كان غارق في المراهنات والماتشات. كل شهر يختلق حوار وحاجة طارئة شكل.
“يا طنط سميرة، سلفيني عشره آلاف جنيه وسددهم الجمعة الجاية.”
وعمره ما كان بيرجع مليم. في يوم بعد الظهر سمعته بيكرر نفس الشحاتة والاستغلال.
“لأ,” قلتها بصوت عالي وأنا طالعة من المطبخ.
وائل بصلي بقرف وازدراء:
“أنا بكلم أم مراتي، ما بكلمكيش أنتِ.”
“بس الفلوس اللي بتطلبها دي من تحويشة العلاج والدكاترة اللي هي محتاجاها لنفسها!”
نسرين خبطت الترابيزة بإيدها:
“أنتِ مين أنتِ عشان تدخلي وتحددي فلوس أمي تروح فين وتيجي منين؟”
طنط سميرة اتكمشت في الكرسي من الكسوف والزعل. ده أكتر حاجة وجعتلي قلبي: إني أشوفها ضعيفة ومكسورة جوة بيتها. كريم قام وقف على حيله:
“بس بقى وكفاية قرف! ما شوفش حد فيكم بيطلب مليم ولا يطب هنا يأكل ببلاش وكأنه لوكاندة أو مطعم مفتوح بحساب أبوه!”
وائل برطم بكلمتين، ونسرين خرجت من البيت وهي بتغلي وتطلع نار من مناخيرها.
في نفس الليلة، جالي مسج منها على التليفون: “من يوم ما دخلتي بيتنا وأخويا اتغير وبقى يقسى علينا.”
وبعدها مسج تاني: “أنتِ سيطرتي على أمي وضحكتِ عليها.”
وفي الآخر بعتت: “مرات الأخ عمرها ما هتبقى زي البنت من الصلب.. افتكري حجمك ومكانتك كويس يا خدامة.”
احتفظت بالرسائل دي وعملتلها سكرين شوت. ما كنتش اعرف وقتها إن نسرين كانت بتجهز طريقة أوسخ وأحقر بكثير عشان تفكرني بها بالمكانة والحجم ده—على حد كلامها وعقلها المريض.
عدت كذا أسبوع من غير ما نسرين ووائل يظهروا. البيت رجع له الهدوء والروقان لحد ما جه يوم عيد ميلاد طنط سميرة السبعة وستين. هي ما كانتش عايزة زيطة ولا حفلة.
“أنا بأكلة بسيطة هكون مبسوطة.”
قبلها بيومين جيلنا تليفون من حازم، ابنها الكبير. كان شغال شيف في فنادق وتقريباً عمره ما كان بيعرف ييجي في المناسبات.
“ما تقولوش لأمي.. أنا عايز أفاجئها.”
جه ليلة عيد الميلاد. ولما طنط سميرة شافته داخل من الباب، بكت.
“افتكرتك هتفوت عيد ميلادي زي كل سنة.”
“المرة دي لأ.”
حازم طلب إنه يطبخ بنفسه تاني يوم. جهز لحمة بالصلصة والثوم، ورز، وفاصوليا، وتورتة بلبن ومربى البرتقال. أنا بس ساعدته في التقشير والغسيل والترتيب. قبل ما ناكل جاله كول فيديو شغل ودخل الأوضة اللي جوة يكلمهم. وفي اللحظة دي نسرين طبت من غير ميعاد.. وكانت جايبة وائل معاها.
”كل سنة وأنتِ طيبة يا أمي!”
طنط سميرة حضنتها وهي متفاجأة. للوهلة الأولى افتكرت إن يمكن كل حاجة تتصلح. وائل فتح الثلاجة.
“مفيش حاجة تترد الروح نبل بيها ريقنا؟”
“ما اشتريناش,” رديت عليه.
“طب انزلي هاتي.”
“لو عايز تشرب حاجة، انزل اشتريها بنفسك.”
نسرين لووت بوزها:
“لازم يعني تنكدي علينا وتخلي كل حاجة تقيلة؟”
كريم جه بعدها بشوية. أول ما شافهم، فكه اتشنج، بس ما رضيش ينكد على أمه في عيد ميلادها. قعدنا كلنا. نسرين بصت للأكل:
“هو أنتِ اللي عاملة الأكل ده؟”
أنا كنت عارفة إن حازم عايز يفاجئهم لما يخلص المكالمة.
“أنا ساعدت في تجهيزه.”
وائل طلع ضحكة سخرية:
“يبقى أنا مبدئياً كده مش آكل.”
“فيه إيه تاني؟” كريم سأل بضيق.
نسرين ربعت إيدها:
“بعد كل اللي عملته، أنا بقى يقرفني آكل من إيدها وأدخل بطني حاجة طبخاها.”
طنط سميرة عقدت حواجبها:
“وهي ليلى عملت إيه يا نسرين؟”
“قوّت كريم علينا! وخليتك تقتنعي إننا ناس استغلاليين وبنيجي نصلتك.”
“أنا مش محتاجة حد يقنعني بحاجة.. أنا شايفه بنفسي معاملتكم وتصرفاتكم.”
وائل مسك حلة اللحمة:
“على العموم أنا مش آكل أكل معمول من إيد واحدة غريبة وخدامة.”
“سيب الحلة مكانها!” كريم صرخ فيه.
بس نسرين ضحكت بجلافة:
“ارميه في الزبالة! عشان تفهم وتعرف حجمها.”
وائل مشى للمطبخ ودلق حلة اللحمة كلها جوة باسكت الزبالة. ريحة الأكل السخن مَلت المكان. طنط سميرة حطت إيدها على قلبها من الصدمة. كريم أخد خطوة لقدام، بس أنا مسكته ووقفته. نسرين بصتلي بانتصار:
“شفتِ؟ أهو أخيرًا عرفتِ مكانتك وحجمك الصح.”
فجأة سمعنا صوت طالع من الطرقة:
” كويس إنك وضحتِ الجملة دي.”
نسرين اتسمرت مكانها. حازم ظهر من الطرقة والتليفون في إيده.
“يا أخويا…” نسرين برطمت بصوت واطي.
بص للباسكت اللي فيه الأكل، وبعدين بص للترابيزة اللي كان مرصوف عليها الأكل اللي تعب فيه من الصبح عشان يفرح أمه بعد شهور ما شافهاش.
”الأكل ده أنا اللي عامله.. والتورتة كمان. ليلى كانت بتساعدني بس عشان يفرحوا أمي.”
نسرين وشها جاب ألوان واصفرت:
“أنا… ما كنتش أعرف.”
“بالظبط.. ما كنتيش تعرفي. أنتِ بس كنتِ عايزة تذليها وتهينيها.”
وائل حاول يضحك ويتدارى:
“يا عم كنا بنهزر!”
حازم بص له بحدة:
“طب اشرحلي الهزار فين عشان أضحك معاك؟”
وائل سكت وما نطقش.
”كريم حكالي على موضوع الفلوس والشحاتة,” حازم كمل كلامه، “وأمي حكتلي إنكم بتيجوا تأكلوا وتاخدوا بعضكم وتمشوا ولا كأنكم في لوكاندة من غير ما تحركوا طبق. وليلى ورتني رسائلك لما ادعيتِ إنها بتتبلى عليكِ.”
نسرين بصتلي بنظرات غل ونار. بس قبل ما تنطق بكلمة، طنط سميرة قامت وقفت على حيلها:
“أنا كمان شايلة حاجة ومخبياها.”
دخلت أوضتها ورجعت بشيكارة/ظرف تقيل ومحمل. حطته على الترابيزة:
“ده الورق اللي عمر ما جالي الشجاعة أوريهولكم.”
نسرين بطلت عياط.. ووائل بطل يبتسم.
طنط سميرة فتحت الظرف وطلعت كذا إيصال تحويلات وفواتير.
”دي الإيصالات والفلوس اللي حولتهالكم السنة اللي فاتت كلها.. للحيجارة، وللعربية، ولدين طبي وهمي كان وائل طالع بيه علينا. أكتر من تسعين ألف جنيه!”
كريم بص لها بذهول وصدمة: “يا أمي! ليه ما قلتيلناش كل ده؟”
“عشان كنت بتكسف وأتحرج أعترف إني لسه ضعيفة وبسلملهم.”
نسرين بدأت تعيط: “أنا… أنا كنت ناوية أردلك الفلوس يا أمي!”
“لأ يا نسرين,” طنط سميرة ردت بصرامة، “أنتِ كنتِ ناوية تطلبي تاني وتستغلي أكتر.”
وائل خبط خبطة خفيفة على الترابيزة: “خلاص يا طنط ما تكبريش الموضوع ما حصلش حاجة للدرجادي يعني!”
طنط سميرة بصتله في عينه بصلابة: “بالنسبة لك أنت ما حصلش حاجة.. لأنها مش فلوسك ومن تعبك.”
بعدين مدّت إيدها بثبات: “المفتاح.”
نسرين برقت بعينيها: “إيه؟”
“مفتاح الشقة دي.”
“أمي…”
“المفتاح يا نسرين.”
وائل برطم وقال إن الكلام ده جنون وعبط، حازم قام وقف على حيله: “اسمعي كلام أمك وهاتي المفتاح.”
نسرين طلعت ميدالية المفاتيح من شنطتها وحطت المفتاح على الترابيزة. طنط سميرة أخدته وقالت:
“أنا مش بطلت أحبك يا بنتي.. بس بطلت أسمحلك تستغليني وتستغفليني. لو في يوم حابّة تيجي كـ بنتي، باحترام وأصول، الباب ده مفتوح لك. لكن لو جاية عشان أكل، أو فلوس، أو عشان تغلطي في ليلى وتهينيها.. يبقى لأ.”
نسرين لفت بعينها حوالين الأوضة مستنية حد يدافع عنها أو يقف جنبها.. ما حدش نطق.
في الليلة دي مشيوا من غير عشا. ما كانش فيه صريخ ولا خناق، كان مجرد باب بيتقفل، ولأول مرة من فترة طويلة، طنط سميرة اتنفست براحة ومن غير خوف.
تاني يوم الصبح نسرين اتصلت سبع مرات، طنط سميرة ما ردتش. بعتت مسج لكريم تتهمه إنه “سرق أمها منها وضحك عليها”، كريم رد عليها بكلمة واحدة:
“أمي هي اللي أخدت قرارها بنفسها.. احترمي قرارها.”
بعد أسبوعين، وائل ظهر عند باب البيت. حاول يفتح بالمفتاح القديم فاكتشف إن كريم كان خلاص غير كالون الباب والقلب. خبط على الحديد بخرمشة:
“يا طنط سميرة! محتاجين نتكلم ضروري!”
طنط سميرة اتوترت وقلقها زاد.
“حضرتك مش محتاجة تخرجي له,” قلت لها.
هي اتنفست نفس عميق وقالت: “لأ.. لازم أخرج.”
فتحت الباب الحديد اللي برة بس.
“أنا ونسرين مزنوقين في ظروف صعبة أوي,” وائل قال، “محتاجين عشرين ألف جنيه ضروري.”
طنط سميرة غمضت عينها لحظة: “لأ.”
“بس إحنا عيلة وأهلك!”
“لما كنت عايز تذل ليلى وتهينها، قلت إن الدم هو أهم حاجة. ودلوقتي جاي تتكلم عن العيلة والأهل عشان محتاج فلوس ومصلحة؟”
وائل وشه اتغير وقسى: “كل القساوة دي والشور دي من دماغ ليلى!”
طنط سميرة رفعت صوتها بحدة: “إياك تحط عيبك وغلطتك أنت ومراتك على ليلى تاني!”
وائل رجع خطوة لورا من الصدمة.
“ده قراري أنا.. ولو جيت هنا تاني تضغط عليا، مش هفتحلك الباب أصلاً.”
قفلت الباب الحديد. إيديها كانت بتترعش، بس كانت بتبتسم.
“كان المفروض أعمل كده من سنين طويلة.”
في أواخر اليوم، حازم اتصل من المطار قبل ما يسافر، وكان دفع وتكفل بمصاريف جلسات علاج طبيعي وتأهيل لأمه.
“ومش عايز حد يلمس الفلوس دي أو ياخد منها مليم,” حازم حذّر.
طنط سميرة ضحكت: “شوف مين اللي بقى بيؤمر ويتشرط!”
عدت شهور من غير أي أخبار عن نسرين. البيت شكله اتغير.. مش عشان العدد قل، بس عشان الإحساس الدائم بانتظار المصيبة اللي جاية اختفى. طنط سميرة رجعت تعزم جاراتها على شاي، وبقت تتمشى الصبح وتسجل في دورة تحفيظ وقراءة.
في يوم حد، قالتلي: “ليلى.. أنا عايزة أعتذرلك.”
“على إيه يا طنط؟”
“عشان سبت بنتي تعاملك كإنك غريبة في بيت أنتِ أكتر واحدة أخدتِ بالك مني ورعيتيني فيه.”
قعدت جنبها وقلت لها: “حضرتك مش محتاجة تكتاري بيني وبين بنتك.”
“أنا مش بختار.. أنا بس بتعلم إزاي أحط حدود.”
بعد سنة، نسرين ظهرت تاني. ضربت الجرس، وكانت جاية لوحدها، خسيت أوي وعينيها تورمة من العياط. طنط سميرة فتحت الباب بس ما دخلتهاش في ساعتها.
“عايزة إيه يا نسرين؟”
نسرين وطت رأسها في الأرض: “وائل سابني ومشى.”
حكت لنا إن وائل تراكمت عليه الديون، وباع حاجات من شقتهم من غير ما تعرف، وفي الآخر طفش وساب البلد كلها. نسرين بدأت في إجراءات الطلاق وبيدور على شغل.
“معيش فلوس,” قالت، “بس أنا مش جاية أطلب منك مليم.”
طنط سميرة بصتلها: “أومال جاية ليه؟”
نسرين بدأت تعيط: “جاية أقولك إنك كان عندك حق في كل كلمة.”
بعدين بصتلي أنا: “وجاية أعتذرلك أنتِ يا ليلى.”
ما كانش اعتذار مثالي، وما مسحش سنين من القرف والتعالي، بس كانت أول مرة تقولها من غير ما تحط بعدها حجة أو مبرر. طنط سميرة فتحت الباب الحديد:
“ادخلي اشربي معانا كوباية شاي.”
نسرين استغربت: “ده معناه إن كل حاجة رجعت زي الأول؟”
“لأ.. ده معناه إننا نقدر نبتدي نتكلم من النهاردة.”
ما كانش فيه فلوس، ولا مفتاح جديد. كان مجرد شاي وقعدة كلام طويلة. نسرين قعدت شهور عشان تبني جزء بسيط من الثقة تاني. بقت تيجي وجايبة معاها عيش أو حاجة حلوة، تساعد في غسيل المواعين وتمشي من غير ما تطلب حاجة. كريم فضل واخد موقف ومتحفظ، وحازم نفس الكلام.
في يوم بعد الظهر، وأنا بينشف الكوبايات، نسرين قالتلي:
“أنا دلوقتي فهمت ليه أمي بتقولك يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إنك بتسحبي مني مكانتي، بس في الحقيقة أنا اللي سيبت المكان ده فاضي، وضايقني إن فيه حد جه ورعاه أحسن مني.”
“أنا عمر ما كان قصدي آخد مكانك.”
“أنا عارفة ده دلوقتي.”
مع الوقت، طنط سميرة سمحت لنسرين تحضر بعض العزومات العائلية. ما حدش ادعى إن مفيش حاجة حصلت، بس الدنيا مشيت.
بعد سنتين من عيد الميلاد ده، حازم رجع مصر عشان يقعد فترة. أنا وكريم بقى عندنا طفلين، وطنط سميرة بقت تيتة مبسوطة من بتوع البسكويت والمربى المخبيين. حازم أعلن إنه هو اللي هيعمل العشا، فنسرين رفعت إيديها وضحكت:
“أنا المرة دي مش هرمي حاجة في الزبالة!”
عدت ثانية سكات، وبعدها طنط سميرة فرقعت ضحك، وأنا كمان، وحتى كريم ضحك في الآخر. نسرين وشها أحمر: “أنا أستاهل التريقة دي!”
“يعني.. شوية صغاريرين,” حازم قالها وهو بيضحك.
في الليلة دي اتجمعنا وأكلنا سوا، مش عشان المشاكل اختفت بس لأن كلنا فهمنا حاجة ما كناش فاهمينها زمان: العيلة ما بتديكش الحق إنك تذل حد، والدم ما بيخليش الدين فرض، والمفتاح مش معناه إنك تدخل من غير احترام، ومكانه مرات الابن مش أقل لمجرد إنها جت بعدين.
قبل ما ننام، طنط سميرة كانت بتساعدني نشيل الأطباق.
“عارفة إيه أكتر حاجة وجعتني في اليوم ده يا ليلى؟”
فتكرت هتقول الأكل اللي اترمل.
“إن نسرين قالت عليكِ غريبة وخدامة.. لأن لما أنا وقعت، أنتِ كنتِ أول واحدة تجري عليا. ولما خفت أعيش لوحدي، أنتِ فتحتيلي بيتك. ولما ما كنتش عارفة أقول لأ، أنتِ دافعتِ عني وأنتِ عارفة إنهم هيشيلوكي الذنب بعد كده.”
حضنتني وقالت: “العيلة والأهل إحنا اللي بنبنيهم برضه.”
برة، ولادي كانوا بيتخانقوا مين ينام جنب تيتة. وكريم بيتحسبن لأن حازم كعبل المطبخ حلال وطوابخ. ونسرين كانت بتلم الترابيزة من غير ما حد يطلب منها.
وفكرت إن يمكن العدل مش دايماً إنك تشوف اللي أذاك يخسر كل حاجة.. ساعات العدل بيكون إنك توقف الاستغلال، وتقفل الباب لما يحتاج يتقفل، ولو جه يوم وفيه تغير حقيقي، تقرر بهدوء وبحكمة لو كان يستاهل تفتحه تاني ولا لأ.
طنط سميرة عمرها ما رجعت تدفع فلوس بسبب الذنب أو الخوف. نسرين اشتغلت في محل ديكور وبأت ترد جزء من الفلوس بالتدريج. وائل ما رجعش تاني. والمفتاح القديم فضل مقفول عليه في الدرج، عمره ما رجع لميدالية نسرين.. دلوقتي لما تحب تيجي، بترن وتستأذن الأول. وكل مرة طنط سميرة بتفتح فيها الباب، بتفتح وهي حابة، مش عشان حد فاكر إن ليه حق غصب عنها يدخل.
هل شايف إن الشخص اللي بيتغير بجد يستاهل فرصة تانية، حتى لو اللي عمله عمره ما بيتنسى؟
تمت 😍