مرضي
يوم ما تشخصت بالسرطان، أبويا قال لي: “مش فاضيين للقصة دي دلوقتي”، عشان الكل كان ملموم ومركز في فرح أخويا. عدت منها وطبت بطولي، ودفعت كبارة عن 280 ألف بيسو مصاريف علاج ومحدش فيهم رفع سماعة التليفون يسأل أنا حية ولا ميتة. بعد سنتين، هو اللي احتاج اللي يشيله ويرعاه، وأنا ما عملتش حاجة غير إني ردت له نفس الأربع كلمات بتوع زمان… ساعتها القعدة كلها ساكتت ومحدش فتح بقه.
الجزء الأول
”مش هقدر على الشغلانة دي يا مريم.. أخوكي فرحه بعد كام شهر، وأنا وأمك الخناق جايب أخرنا ومش ناقصين كراكيب فوق دماغنا. أنتِ طول عمرك جدعة وبتسلكي نفسك.. هتقومي منها زي الفل.”
دي كانت الكلمات اللي قالها لي أبايا، يوم ما وقفت قدامه وبقوله إن جالي سرطان ثدي في المرحلة الثالثة.
كان عندي تمانية وعشرين سنة.
كنت قاعدة بطولي في الممر بتاع مستشفى القصر العيني الفرنساوي، الفحوصات والتحاليل في حجري، وأيديا بترعش لدرجة إني مش عارفة أتمالك نفسي وأمسك الموبايل.
الدكتورة المتابعة للحالة كانت لسة شارحالي إن الورم حامي وشديد، ولازم نبدأ في العلاج من سكات وفوراً.
أول حاجة جئت في بالي تلقائياً إني أكلم أهلي.. أد إيه كنت عبيطة ونيّة!
أبويا “حسين”، طول عمره الراجل اللي مفيش كائن يجرؤ يكسرله كلمة. وأمي “زينب”، بقالها ثلاثين سنة بتوضب الدنيا وبتطوع الظروف عشان حسين ميعترفش إنه غلطان في حق حد. وأخويا “أحمد”، أصغر مني بسنتين، طلع وربى في دماغه فكرة إن أي تضحية أهلي يعملوها عشانه هي حق مكتسب وطبيعي جداً.
لما أحمد جه يدخل جامعة خاصة، أبويا وأمي اتصرفوا ودفعوا المصاريف والسكن والعربية.
ولما جيت أنا أدرس جرافيك وراسين، قالولي بكل بساطة:
“كلية مصاريفها كدة ملهاش لازمة للبنات، شوفيلك حاجة على قد جيبك.”
اشتغلت وطلعت عينيا، واستسلفت، وخرجت منها بطولي.
لما أحمد استلم أول شغلانة ليه، عملوا عزومة وشوا في جنينة البيت لأكثر من أربعين واحد.
ولما أنا اترقيت وبقيت مصممة أساسية في شركة دعاية كبيرة، أمي ردت على رسالتي بإيموجي “لايك” وخلاص.
بس السنة دي.. كانت سنة فرح أحمد على “نورهان”.
والفرح ده كان هو مركز المجرة وأهم حدث في الكوكب.
القاعة اللي في طريق السخنة.. الورد.. الفرقة.. الفستان.. الهدايا.. المصور.. بوفيه الحلويات.
كل حاجة في الدنيا كانت مستعجلة وأهم من الكانسر بتاعي.
أول جلسة كيماوي ليا كانت يوم اتنين.
روحت لوحدي.
حواليّ كان في أزواج ماسكين إيد زوجاتهم، وأمهات بيغطوا أولادهم بالبطاطين، وأخوات داخلين بترامس الشاي والقهوة.
وأنا.. كنت داخلة بإزازة مية وشنطة ضهر.
كتبت لأمي في رسالة:
“أنا هبدأ الكيماوي النهاردة.. خايفة أوي.”
ردت عليا بعد يجي ست ساعات:
“شدي حيلك يا حبيبتي، ربنا معاكي. أنا قاعدة مع نورهان بننزل ننقي السناتر والسنتربيس بتاعة الطاولات.. بقولك إيه، نختار ورد بلدي ولا ليلك؟”
فضلت باصة للشاشة ومش مصدقة.
وبعدين كتبت لها:
“بلدي.”
واخدت سكرين شوت للحديث.
مش عارفة ليه عملت كده وقتها.. بس يمكن جزء مني كان حاسس إن هيجي يوم ويحاولوا يقنعوني إن الكلام ده ممشيش كدة وإنهم مقالوش كدة.
على مدار ست شهور، أنا عشت وسط كشوفات، وتحاليل، ومحاليل نازلة في دمي، وأشعة، وحجز في المستشفى.. وهما عاشوا وسط تجهيزات الفرح.
الإنسانة الوحيدة اللي بقت هي أهلي بحق وحقيق كانت “سارة”، ممرضة في الأورام، بدأت معايا بسؤال لما لقيتني بدخل الجلسة بطولي.. وانتهت بأنها بقت المعينة ليا والواقفة جنبي في أصعب وأمرّ ليالي حياتي.
لما شعري بدأ يقع، أبويا كلمني.
لثانية واحدة، اتعشمت إنه أخيراً بيتصل يطمن عليا.
أبداً..
كان بيتصل عشان الفرح.
”بصي يا مريم.. أنا وأمك شايفين إن الأفضل تحضريش الفرح.”
”ليه يا بابا؟”
سكت شوية سكوته التقيل ده، وبعدين قال:
“شكلك مش تمام يا مريم.. وأحمد من حقه يفرح بيومه من غير ما الناس تقعد تسأل وتهتري عن مرضك وتكئب الجو.”
لساني اتلجم.
يعني المرض بتاعي هيخرب عليهم لقطات الصور!
الفرح اتعمل من غيري.
وفي الوقت اللي أمي كانت بتنزل فيه على الفيسبوك: “أسعد يوم في حياة عيلتنا”، كنت أنا ترميت في شقتي، ماسكة جردل وبستفرغ مش قادرة أوقف من آثار الجلسة.
أخدت سكرين شوت للبوست ده كمان.
وفي الليلة دي بالذات فهمت حاجة فضلت توجعني سنين:
أنا ممكن أكون بأعافر عشان ألم أردتي وأفضل عايشة، ومع ذلك، في عين أهلي، حياتي كلها متسواش عزومة ولا فرح أخويا.
اللي مكانش يخطر على بالي أبداً، إن بعد سنتين اثنين، نفس الناس دول هيقعدوا قدامي على ترابيزة واحدة، ويطالبوني بتضحية محدش فيهم فكر يقدمها ليا وأنا بموت.
واللي حصل على الترابيزة دي.. كان أبشع بمراحل من كل اللي تخيلته.