ف الطيارة
حصري لصفحة روايات رولا
ابني عنده عشر سنين، رجع من حمام الطيارة ووشه منشوش، وطبس في ودني يوشوشني: “يا بابا… أنا شفت بابا قاعد قدام.”
قلتله: “عيب يا حبيبي، ما ينفعش الكلام ده”—أبوه كان بقاله ثلاث سنين اختفى ودنيته انتهت.
بس بعدها، شفت الندبة اللي في معصمه، ولمحته بيمسح على صباعه الفاضي مكان الخاتم بنفس الطريقة اللي كان جوزي بيعملها بالظبط.
مشيت وراه بعد ما نزلنا من الطيارة من غير ما أنطق بكلمة… لحد ما جات ست تانية وندهت عليه باسم تاني خالص.
الراجل اللي ابني شبه عليه في الرحلة
ابني سليم، عنده عشر سنين، رجع من حمام الطيارة بوش مخضوض يخليك تقلق فوراً.
دَمُه كان مهروع، وعينيه متوسعة على الآخر، ووقف لحظة في الممر كأنه محتار يقولي ولا يسكت.
كنت قاعدة جنب الشباك، بصل على السحاب اللي مالي السما في رحلتنا من إسكندرية للأقصر.
الرحلة دي كانت مفروض تكون بداية جديدة لينا.
حاجة هادية كده… مجرد كام يوم في حتة دافية، نبعد فيها عن الروتين وعن الذكريات اللي ملاحقانا في كل أوضة في البيت.
بقالنا ييجي ثلاث سنين أنا وسليم عايشين في أسئلة ملهاش إجابة عن اختفاء جوزي.
وكنت لسه ببدأ أقنع نفسي إن خلاص، من حقنا نعيش ونكمل.
نضحك عادي.
نسافر.
نعمل ذكريات جديدة من غير ما نحس بذنب إننا عايشين حياتنا.
بس في اللحظة اللي سليم وقف فيها جنب كرسيّ، كل الأفكار الهادية دي اتطارت.
وطى لحد ما بقه بقى قَرّيُب من ودني.
ووشوشني:
“بابا… أنا أظن بابا قاعد قدام.”
فضلت مبلمة فيه كام ثانية مش عارفة أرد.
من بين كل الحاجات اللي كنت متوقعة ابني يقولها في الرحلة دي، الكلمة دي بالذات كانت برة الحسابات تماماً.
أبوه، حازم، كان اختفى من حوالي ثلاث سنين.
حازم كان طالع رحلة صيد بالمركب قريبة من رأس البر، والجو قلب فجأة وموج البحر كان عالي.
لقوا المركب بتاعته عايمة فاضية من غيره.
الجاكيت بتاعه كان جوة.
والموبايل بتاعه لقوه بعديها.
أيام وأيام وفرق الإنقاذ قالبة الدنيا في المنطقة، على أمل يلاقوا أي حاجة تفهمنا إيه اللي حصل.
عمرهم ما لقوا حازم.
وفي الآخر، المحاولات خلصت.
وجت الورق والتخليصات اللي قضيت أسابيع بتمنى ما أكتبش اسمي عليها أبداً.
على الورق، بقيت أرملة.
بس من جوايا، ولا عمرها كانت بالبساطة دي.
ما كانش فيه آخر كلام بيننا.
ولا سلام ولا وداع.
ولا لحظة وحدة استوعبت فيها بجد إن جوزي مش راجع تاني.
وسليم كان تعبان من الحيرة دي أكتر مني بكتير.
لشهور بعد ما حازم اختفى، كان ابني أول ما يسمع صوت عربية برة البيت، يجري يطل من الباب.
وساعات كان بيصحى في نص الليل حلفان إنه سمع صوت أبوه تحت في الصالة.
وحتى بعد سنين، كان لما يشوف راجل في السوبرماركت أو في جراج زحمة شبهه في الطول أو المشية أو الصوت، يقف يتنح.
عشان كده مسكت إيد ابني بالراحة.
”يا حبيبي، أنا عارفة إنك وحشك بابا أوي.. بس ساعات لما بنكون مشتاقين لحد حبتين، بنشوف ناس تانية شبهه.”
سليم هز راسه بسرعة وبإصرار.
وشه ما كانش فيه ذرة شك.