ف الطيارة

حصري لصفحة روايات رولا

​”يا بابا، مش وش بس!”
​بطني كركبت.
​سليم بص بنظرة قلق ناحية الكراسي اللي قدام في الطيارة.
​وبعدين بصلي تاني.
​نظرة وشه خلتني أوقف أي كلام حنين كنت هقوله.
​وبداله، بصيت في الاتجاه اللي كان باصص عليه.
​في الأول، ما كنتش شايفه غير صفوف الكراسي وراوس الناس من قفاهم.
​بعدين، فيه راجل قاعد قدام بكام صف حرك جسمه في الكرسي.
​كم قميصه اترفع لفوق شوية.
​وشفت معصمه.
​كان فيه جرح قديم هناك.
​صغير.
​وباهت.
​في نفس المكان اللي كان عند حازم بالظبط وسايب علامة بقالها سنين.
​نفسي اتقطع لحظة.
​صدفة… أكيد صدفة، قلت لنفسي.
​لازم تكون صدفة.
​بس بعدها الراجل رفع إيده التانية، وببطء شديد بدأ يمسح على العقلة الفاضية مكان الخاتم في صباعه.
​مرة.
​وبعدين تاني.
​قلبي دق بسرعة جنونية.
​حازم كان بيعمل الحركة دي بالظبط لما يكون متوتر أو سرحان وبيفكر في حاجة.
​كانت عادة صغيرة أوي لدرجة إن أشك إن أي حد برة عيلتنا كان ممكن يلاحظها.
​بس أنا حافظاها.
​بقالنا سنين.
​وواضح إن سليم هو كمان كان حافظها.
​بصيت لابني.
​ما نطقش ولا كلمة.
​وما كانش محتاج يقول.
​بقية الرحلة، فضلت قاعدة في كرسيّ ما نطقتش مع الراجل الغريب ده ولا كلمة.
​كنت بس مراقباه.
​وبعدين الطيارة نزلت.
​الراجل قام، جاب شنطته، ومشي ناحية الخروج.
​مسكت إيد سليم ومشينا وراه بالراحة من غير ما نحسسه.
​ما كنتش لسه قررت هقوله إيه لو واجهته.
​وفجأة، أول ما عدى باب الصالة، فيه ست جرت عليه ووشها ماليان فرحة وابتسامة راحة.
​وندهت عليه بصوت عالي.
​بس الاسم اللي ندهت بيه… ما كانش حازم خالص.
​ودي كانت اللحظة اللي عرفت فيها إن الأسئلة اللي شايلها في قلبي بقالي ثلاث سنين… يمكن يلا دوبك بتبدأ من أول وجديد.
“كان عنده العلامة اللي في معصمه اليمين… نفس العَوّار اللي بابا خدها لما وقع من على السلم في بيت جدي. ولما الست اللي جنبه ضحكت، مسح على صباعه مكان الخاتم.”
​بطني كركبت وحسيت بمغص شديد.
​حازم كان طول عمره بيعمل الحركة دي.
​كل ما يكون متوتر، مش مستريح، أو بيهرب من سؤال مش عايز يجاوب عليه، كان إبهامه بيلف لوحده وبشكل أوتوماتيكي على المكان اللي بيتحط فيه دبلته.
​بصيت ببطء ناحية الدرجة الأولى (البزنس).
​قدامنا بكام صف، كان قاعد راجل طويل جنب ست حلوة ومظبوطة شكلها في أوائل الثلاثينات. كانت لابسة طقم كتان أوف وايت ومطقمة معاه نظارة شمس كبيرة مرفوعة على شعرها الأشقر.
​الراجل كان لابس كاب كحلي، ودقنه متساوية ومتهندمة أوي.
​في الأول، ما كانش فيه أي حاجة تلفت النظر أو تبان غير طبيعية.
​لحد ما رفع إيده عشان يظبط التكييف اللي فوقيه.
​شفت العلامة البيضا الرفيعة اللي جنب معصمه.
​في اللحظة دي، حسيت إن كل الصوت والزيطة اللي حواليا اتسحبت والكون سكت.
​افتكرت لما كنت بنضفله الجرح ده بالظبط في مطبخ بيتنا، وهو بيضحك ويهزر ويقولي إنك بتقلقي من أقل حاجة.
​بعدها، الست اللي جنبه وشوشته بحاجة.
​ابتسم.
​وإبهامه اتمشى على صباعه الفاضي مكان الدبلة.
​نَفَسي اتقطع ومقدرتش آخد نفسي.
وساعتها القرارات في دماغي كانت بتجري زي الحصان.
​أجري عليه وأواجهه قدام الناس؟
​ولا أستنى لحد ما ينزلوا ونشوف رايحين فين؟
​سليم كان ماسك في إيدي جامد، صوابعه الصغيرة كانت بتترعش بس عينيه كانت متبتة معايا. هديته بلمسة خفيفة، وغمزتله إني صاحية ومفتحة.
​أول ما الطيارة لمست الأرض وأعلنوا الوصول، الراجل وقف، نزل شنطته الـ Samsonite من الرف بمهارة ونفس الخفة اللي كنت حافظاها. لما ألتفت بشكله الكامل، قلبي وقع في رجلي.
​الملامح هي هي، حتى التنهيدة اللي بياخدها وهو بيعدل قميصه. بس النظرة… النظرة ما كانش فيها اللطف بتاع حازم. كانت هادية بشكل بارد يخوف.
​نزلت وراهم بمسافة أمان، أنا وسليم بنتحرك زي الظل.
​في صالة الوصول، الست الأشقر وقفت واستنته وهو بيجيب الشنط، وأول ما قرب منها، ندهت عليه بصوت عالي وواضح وسط الزيطة:
​”يلا يا طارق… التأخير ده هيضيع علينا ميعاد الشركة!”
​طارق؟
​الكلمة نزلت عليا زي المية الساقعة. حازم مات؟ ولا حازم بيُمثل إنه حد تاني؟
​ما قدرتش أمسك نفسي أكتر من كده. سحبت سليم وجريت وراهم بخطوات سريعة قبل ما يركبوا التاكسي اللي كان مستنيهم برة الصالة.
​”حازم!”
​ندهت بالاسم اللي عشت بيه أحسن أيام حياتي وأصعبها.
​الراجل وقف فجأة. جسمه اتخشب في مكانه لثانية واحدة… ثانية واحدة بس، لكنها كانت كافية إنها تفضحه.
​لفت وشه ببطء، وبصلي. النظرة اللي في عينيه ما كانتش استغراب حد بيسمع اسم غريب… كانت صدمة حد اتكشف.
​”أفندم؟ حضرتك بتكلميني أنا؟” بصلي بجمود وهو بيعدل النظارة الشمسية على عينه.
​الست اللي معاه بصتلنا باستغراب: “فيه حاجة يا طارق؟ تعرفهم؟”
​قربت منه خطوة، وسليم استخبى ورا ضهري بس كان باصص عليه.
​”أنت عارف أنا بكلم مين كويس يا حازم. ثلاث سنين؟ ثلاث سنين سايبنا بنحرق في دمنا ونقول البحر خدك؟ ورايح تبدأ حياة جديدة باسم تاني؟”
​الراجل وشح لونه وأصفر، وبص حواليه بقلق عشان محدش يلاحظ. مسك إيد الست اللي معاه وقال بنبرة متوترة حاول يخليها هادية:
​”يا مدام أنتِ اكيد مشبهة عليا.. أنا اسمي طارق الألفي، ورجاء بلاش شوشرة.”
​في اللحظة دي، سليم طلع من ورايا، وبص في عينيه وسأله بسؤال طفل مكسور:
​”طب والعلامة اللي في إيدك يا بابا؟ اللي وقعت بيها من على السلم عند جدو؟”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *