خطيبة حفيدي
حصري لصفحة روايات رولا
حفيدتي خطيبته عدّت حدودها معايا بشكل فظيع في عزومة الفرح، وقدام العيلة كلها. أنا ما صرختش، ولا جادلت، ولا عملت مشكلة. أنا بس أخدت قرار واحد غير كل حاجة: لغيت عزومة العيلة من كل لمّة، ومناسبة، وحفلة كنت مجهزة لها.
أنا اسمي ماجدة، وعند ستة وستين سنة اتعلمت إن أكبر المصايب العائلية بتدبّس في الأول في حاجات صغيرة وسهل نتجاهلها.
ليلة الجمعة دي في المعادي، المصيبة بدأت بكرت ترتيب الترابيزات.
حفيدي، أحمد، كان هيتجوز تاني يوم بعد الضهر من نورهان. أنا اللي دفعت ثمن العزومة في قاعة خاصة بـ مطعم أسماك في المعادي، ودفعت العربون بتاع الفلورست (محل الورد)، ومن ست شهور بعتّ لأحمد في السكات مية ألف جنيه عشان يبدأ هو ونورهان حياتهم من غير ما يغرقوا في الديون والقروض.
ماكنتش مستنية شكراً، بس كنت مستنية شوية احترام.
أم نورهان، ميرفت، قَضّت أغلب الليلة عمالة تنقل في الناس وتغير أماكنهم وكأن العزومة اجتماع شركة. لما شالت الكرت اللي عليه اسمي من ترابيزة أحمد وحطته في أخر القاعة جنب اتنين قرايب من بعيد، مسكت الكرت ورجعته مكانه.
ميرفت قالتلي بحدّة: “يا ماجدة، نورهان لها وجهة نظر ترتيب معينة.”
رديت عليها: “وأنا كمان ليّ وجهة نظر.. وجهة نظري إني أقعد جنب حفيدي في العزومة اللي أنا دافعة ثمنها.”
نورهان سمعتني.
جت تعدي القاعة بفستان أوف وايت ضيق، وشها أحمر ومجزّة على سنانها.
”انتِ دايماً بتعملي كده!”
”بعمل إيه؟”
”بتخلي كل حاجة عن الفلوس.”
وطيت صوتي وقلت: “أنا سيرة الفلوس ما جاتش على لساني خالص لحد ما أمك شالتني من ترابيزة عيلتي.”
أحمد كان واقف على بعد متر، ومكانش بيتحرك وكأنه اتقرّس.
نورهان قربت مني أكتر.
”انتِ فاكرة إنك عشان ساعدتيه يبقى تمتلكيه!”
قلتلها: “لا.. بس فاكرة إن من حقي أقعد جنب حفيدي الليلة اللي قبل فرحه.”
وراحت ضارباني بالقلم على وشي.
القاعة كلها سكتت، الهدوء بقى يرن.
أحمد همس: “نورهان…”
بس ما اتحركش خطوة واحدة ناحيتي.
في اللحظة دي بالذات فهمت إن المشكلة أكبر بكتير من القلم اللي اضربته.
مسكت شنطتي، رحت لمدير المطعم، ودفعت باقي الحساب كله.
بعدها رجعت للقاعة تاني.
قلت: “العزومة خلصت.”
ميرفت بصلتي بذهول: “يعني إيه؟”
”يعني أنا منسحبة من فرح بكرة ومن أي مناسبة عائلية تانية تخصه. وأي حد شايف إن اللي حصل ده محتاج كلام أو تبرير أو حل وسط، فهو ممنوع يدخل بيتي، ومحرم عليه عزوماتي في الأعياد، والسفرية اللي كنت حارزاها للعيلة كلها في أكتوبر في الشرم.”
ابني طارق قام وقف: “يا أمي، بلاش تعملي كده الليلة دي.”
رديت عليه: “الليلة دي بالذات هي الوقت الصح اللي هعمل فيه كده.”
أحمد أخيراً بص لي.
”يا تيتة، عشان خاطري.”
بصيت في عينيه وقلت له: “كان قدامك ثانية واحدة بس عشان تختار تكون أنهي راجل فيهم.. واستغليتها.”
وخرجت ومشيت لوحدي.
وعلى بال ما وصلت لباركينج عربيتي، كان تليفوني بدأ يرن ومبيفصلش.
نمت بالعافية وصحيت قبل الساعة ستة على 37 مكالمة فائتة، و14 رسالة، وفويس نوت مدته أربع دقايق من أحمد.. ما سمعتوش.
بدل كده، عملت قهوتي وقعدت على ترابيزة المطبخ وشمس الصبح بتبدأ تملى الجنينة اللي ورا البيت.
خدي كان لسه بيوجعني.
والحلق اللي نورهان طيرته بالقلم كان قاعد في شنطتي ملوّي.
الساعة سبعة وربع، ابني طارق جه من غير ما يتصل.
ابني الوحيد عنده 45 سنة، محاسب شاطر يقدر يفاوض على عقود بملايين، بس سبحان الله بيتحول لعيّل عنده 12 سنة أول ما تظهر أي مشكلة عائلية.
”يا أمي،” قالها أول ما فتحت الباب، “لازم نصلح الموضوع ده قبل الفرح.”
”إحنا؟”
دعك وشه بيده: “نورهان منهارة، وأحمد حالته تصعب على الكافر، وميرفت بتقول إنك استفزتيها.”
عدّيته ودخلته البيت.
”هو أنا عملت إيه بالظبط يبرر إني أضرب بالقلم؟”
”أنا مابقولش إن ده يبرره.”
”بس جاي تطلب مني أنا أصلحها.”
اتنهد: “أنا بطلب منك تكوني الكبيرة.”
”الجملة دي غالباً معناها إن الشخص المظلوم هو اللي ييجي على نفسه عشان يريح الباقيين.”
طارق بص في الأرض.
قلت له إن سفرية أكتوبر اتلغت.
كنت حابسة بيت كبير قريب من رأس سدر لـ 21 فرد من العيلة عشان نحتفل بعيد ميلادي السبعين بدري شوية، وكنت دافعة العربون.
طارق تنّح: “انتِ كده بتعاقبي الكل!”
”لا.. أنا بس مش هدفع جنيه تاني لناس اتفرجوا عليا وأنا بضرب، وقعدوا يتناقشوا هل أسلوبي هو السبب ولا لأ.”
وشه قسّي: “أحمد ما ضربكيش!”
”لا.. بس اتفرج.”
”كان مكسوف ومصدوم!”
”وأنا كمان كنت مصدومة.”
طارق مشي وهو زعلان ومغلوط.
الساعة تسعة، أحمد جه.
كان باين عليه إنه مانامش طول الليل. بدلة الفرح كانت متعلقة في كيسها على كتفه، ولثانية واحدة افتكرته وهو عيل صغير لما كان بيجيلي البيت يطلب مني أعمل له بنكيك.
”ينفع أدخل؟”
اتنحيت من على الباب وسبته يدخل.
فضل واقف: “نورهان بتقول إنها أسفة.”
”نورهان مش هنا.”
”هي خايفة تروحي تبلغي عنها في قسم الشرطة.”
الرد ده عرفني أكتر من أي اعتذار ممكن تلمحه.
”انت جاي تطلب مني مابلغش؟”
وشه اتشد: “أنا بطلب منك متخربيش حياتها عشان غلطة واحدة.”
بصيت له ودرست ملامحه: “يا أحمد، الغلطة دي لما تبعت عزومة غلط.. لكن هي رفعت إيدها، وعدت القاعة، وضربتني بالقلم لمجرد إني رفضت أتحط في مكان بعيد عنك.”
”كانت تحت ضغط عصبي.”
”ولما تكون تحت ضغط عصبي بعد ما تتجوزوا، إيه اللي هيحصل؟”
جسمه اتنفض.
كملت كلامي: “هي ضربتك قبل كده؟”
”لا.”
رد بسرعة زيادة عن اللزوم.
ما اتهمتوش إنه بيكذب.. سكت واستنيت.
عينيه اتملت دموع.
وقال بصوت واطي: “زقتني مرة.. بعد ما اتخانقنا على شقة الزوجية. ورمت تليفوني في الحيطة تكسره.. بس عمرها ما—”
”عمرها ما إيه؟ عمرها ما سابت علامة على وشك؟”
قعد على الكرسي.
لمدة ثلث ساعة، موضوع الفرح اختفى تماماً من كلامنا.
أحمد بدأ يحكي لي عن خناقات كان مخبيها.
نورهان كانت بتفتش في رسايل تليفونه.
تطلب الباسوردات بتاعته كلها.
تشتم صحابه.
وتهدده إنها تفك الخطوبة كل ما يختلف معاها في رأي، وبعدها تعتذر بانهيار لدرجة إنه يحس بالذنب إنه زعلها!
سألته سؤال واحد:
”انت عايز تتجوزها النهاردة؟”
بص في الأرض.
وفي الأخر قال: “مش عارف.”
”يبقى انت عارف الإجابة خلاص.. وطالما مش عارف، يبقى ما تنفعش تتجوزها النهاردة.”
الساعة 11 ونص، قبل الفرح بساعتين، أحمد اتصل بالقاعة ولغى الفرح بنفسه.
مش أنا اللي اتصلت.
ولا أنا اللي كلمت نورهان.
لما ميرفت بعتتلي رسالة بتقول فيها إني ضحكت على دماغ أحمد وحطيت راس بنتها في الطين، رديت عليها مرة واحدة بس:
”هو قالي الحقيقة لأن لقي أخيراً حد يديله مساحة ينطق فيها.”
إلغاء الفرح بيتبان إنه قرار حاسم لما الناس بتحكيه بعدين.
بس في الحقيقة، الموضوع كان لخبطة، ومصاريف رايحة، وفضيحة، وبطيء جداً.
على الضهر، القاعة كانت عرفت.
بعدها بـ 15 دقيقة، نورهان عرفت.
وبعدها بشوية، كل المعازيم والقرايب عرفوا.
قبل الساعة واحدة، قرايب ما بيكلموش أحمد من سنين بقوا بيتصلوا وكأنهم أعضاء في لجنة طوارئ.
أحمد فضل قاعد عندي في البيت.
بعد المكالمة الخامسة من ميرفت، قفل تليفونه وقعد في التراس ورا، وحاطط إيديه على ركبه وموطي راسه.
جبت له سندوتش.. ما لمسوش.
الساعة واحدة ونص، حد كان بيخبط على الباب بغشم.
نورهان.
طارق كان رجع البيت وقتها.
وقفنا إحنا التلاتة في الطرقة وهي بتصرخ بره.
”أحمد! افتح الباب!”
وشه أصفرّ.
بصيت له: “قرارك انت.”
بلع ريقه: “مش عايز أشوفها لوحدي.”
طارق فتح الباب الخشب وساب باب السلك مقفول.
نورهان كانت واقفة في الشارع بلبس بيت وروب العروسة المطرز اللي صحباتها جابوهولها الصبح. المسكرة كانت سايحة تحت عينيها.
صرخت: “انت لغيت فرحنا؟!”
أحمد قرب وظهر قدامها: “أيوه.”
عصبيتها اختفت في ثانية، وحل محلها الدموع: “حبيبي عشان خاطري.. تيتة هي اللي لعبت في دماغك.”
أحمد غمض عينيه.
أنا فضلت ساكتة.
نورهان حطت إيديها الاتنين على الإزاز: “لسه نقدر نلحق ونصلح كل حاجة.. الناس كلها هناك، وبابا بيقول المأذون هيستنانا.”
”أنا مش هتجوز النهاردة.”
”انت مكسوف بس! ده كل الموضوع!”
”لا.”
”انت بتحبني!”
”أنا فعلاً بحبك.”
ملامحها هديت شوية.
بس أحمد كمل كلامه: “بس أنا بخاف منك لما بتغضبي.”
نورهان جمدت مكانها.
طارق بص لابنه.
ولأول مرة، شفته بيستوعب إن الموضوع مش مجرد جنون عروسة دلوعة أو خناقة عيلة هتهدى قبل جلسة التصوير.
نورهان توشوشت بصوت واطي: “يعني هي اللي قالت لك تقولي كده؟”
أحمد رد: “لا.. أنا اللي قلت لها كده.”
نورهان ضربت الباب السلك بكف إيدها جامد: “انت عيّل ضعيف وجبان!”
أحمد رجع خطوة لورا.
حتى هي نفسها كانت مصدومة من الجملة اللي طلعت منها.
بعدها شاورت عليا: “انتِ اللي عملتي كده!”
رديت عليها أخيراً: “لا.. أنا بس رفضت أخبي اللي كان بيحصل أصلًا.”
نورهان مشيت بعد ما طارق قالها إنه هيمشّيها بالشرطة لو ما مشيتش فوراً من قدام البيت.
لمدة تلت أيام، العيلة اتقسمت لأحزاب.