قبل العملية

​ابتسم بجلخة وفخر: ‘ابني.. وشيرين بصفتها صاحبتك الأنتيم، شايفه إن المفروض تفرحيلنا.’
​بعدها وطي عليّ وقرب من السرير.
​’وبعدين خلينا واقعيين.. لو حصلت أي مضاعفات في العملية ولا حاجة، مش عاوز ألف وأدوخ في المحاكم وأدخل في مشاكل إعلام وراثة وورث وبيروقراطية مستشفيات.. امضي وخلصينا.’
​خمسطاشر سنة جواز.. أختصرهم في توقيع على ورقة قبل ما أتدحرج بسريري على أوضة العمليات.
​بصلته، وفجأة الخوف والرعب اللي جوايا اختفوا تماماً، وحل مكانهم صفاء وتفكير بارد زي التلج.
​’ماشي.’
​أيمن بربش بعينيه واتفاجئ: ‘إيه؟’
​’جهّز القلم.. هماضيلك.’
​أخدت القلم بإيدي اللي بترعش، والكانيولا لسه متثبتة بلزق في معصمي، وبصمت بتوقيعي تحت في آخر السطر.
​خطف الورق مني بضحكة انتصار وشماتة: ‘كنت عارف إنك في الآخر هتعقلي وست مفهمة.. ربنا معاكي في العملية بقى.’
​خرج من الأوضة من غير ما يبوسني، من غير ما يلمس كتفي، حتى من غير ما يبص وراه بصه أخيره.
​ما نزلتش دمعة واحدة من عيني.
​عشان أيمن كان غبي وغافل تماماً عن حقيقة جوهرية واحدة.
​الشقة التمليك الفخمة اللي في الدقي واللي كان مخطط يعيش فيها مع شيرين، مكنش هو اللي دافع ثمنها.
​الكروت البنكية البلاتينيوم اللي بيشتري بيها بدله الماركات وساعاته وخروجاته الغالية، مكنتش ماشية بمرتبه المحدود.
​ولا حتى الفلوس اللي كانت بتتبعت كل شهر لورشة النجارة بتاعة أبوه اللي بتفلس في دمياط كانت جاية من ‘استثماراته’.
​كل قرش.. كان بيمشي مني أنا.
​أبويا الله يرحمه بنى إمبراطورية عقارات ومحلات تجارية على مدار أربعين سنة. ولما اتوفى، ورثت منه عقارات، ومحلات، وصندوق استثماري خاص بيا تماماً وبمعزل عن أي فلوس جواز. عمرى ما اتفشخرت قدام أيمن بالحاجات دي عشان كنت خايفة أجرجح كبريائه ورجولته اللي كانت بالنسبة له حساسة.
​وديه كانت أكبر غلطة عملتها في حياتي.
​لما فريق الجراحة دخل عشان يجهزوني ويدخلوني الأوضة، غمضت عيني ووزنت جوايا وعد واحد بس:
​لو خرجت من الأوضة دي عايشة.. الكدبة دي هتنتهي فوراً.
​العملية قعدت سبع ساعات.
​لما فتحت عيني في أوضة الإفاقة، كان دكتور جراحة الأعصاب بيبتسم لي وبيقولي: ‘حمد الله على السلامة يا كاميليا.. العملية نجحت جداً، وقدرنا نشيل الورم كله من غير أي مضاعفات.’
​أنا مش بس طلعت عايشة.. أنا رجعت في الوقت المناسب بالظبط عشان أشوف أيمن وهو بيكتشف مين اللي كان بيمول العيشة المرتاحة اللي كان بيتباهى بيها قدام الناس…
​بعد العملية بأسبوع، وأول ما قدرت أمشي بثبات في طرقة المستشفى، كلمت أستاذ مجدي الفولي، محامي العيلة من زمان.
​كان بيتولى إدارة أملاكنا من قبل ما أيمن يدخل حياتي بأكتير.
​حكيتله كل حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *