الجزء ااثالث

بدأت نورين تتابع النظر لسمية تضع المرهم فوق بشرة يديها الجافة المحمرة وفيها بعض من التقشير ثم تلفه بالضماد الأبيض فحاولت نورين التطوع
((هل ألُفها عنك يا سمية؟))
نفت سمية وهي تبتسم لها ببشاشة وابتسامتها تشمل وجهها كله
((لا تقلقي لقد انتهيت))
عاد الشعور بالذنب يظهر على وجه نورين وهي تقول معتذرة للمرة الألف
((أنا حقا اعتذر لأني سكبته عليك بغير قصد.. قصدت أن اقذفه أرضا ولكن لم يكن عليّ التهور بهذا الشكل الطفولي))
عادت سمية تطمئنها بلطف
((لا تقلقي يا حبيبتي.. لا اشعر باي الم.. هو التهاب واحمرار طفيف.. ما زلت أستطيع القيام بكل النشاطات اليومية.. لكن احتاج فقط للمداومة على وضع المرهم))
أخذت نورين نفسا عميقا مشبعا بالراحة.. كم تحب مجالسة سمية ذات الوجه البشوش المشرق وروحها النقية..
كم هي ممتنة لأنها كانت في حياتها منذ زواجها وانتقالها لهذا المنزل..
تطلعت حولها في المنزل ثم تساءلت
((هل تحبين أن اقضي بعض الوقت مع يزيد قليلا؟))
((لا داعي لا أريد إتعابك))
((لا على العكس.. أنا اعشق الأطفال جدًّا.. رتيل لا تقبل أن اللعب مع أولادها أو حتى أتحدث معهم ونفس الشي لهدى تضل طويلا بغرفة أمها.. فلا أجد غير يزيد))
أخبرتها بصوتٍ رقيق
((أنه يحبك كثيرًا.. ويحب نجوم.. يستمتع برفقتكما أكثر مني))
أطلقت نورين ضحكات خافتة مرحة على كلام سمية ثم عادت تسألها بفضول
((إذن أين هو الآن؟ هل يلعب مع نجوم؟))
تقلصت ابتسامة واطرق وجهها قليلا وهي تقول بشيء من الحرج
((لا.. مالك تبرع بأخذه قليلا.. إنه يحب أن يذهب معه لمباريات كرة القدم مع أصدقائه))
حاولت نورين ألا تظهر الاستغراب أو العجب وهي تقول
((لاحظت بأن مالك يحبه كثيرًا ويحب أن يقضي الوقت معه))
ترددت أنفاس سمية داخل صدرها بشكل موجه لذكر نورين تعلق مالك بيزيد.. إلا أنها حاولت أن تداري الأمر وهي تقول بارتباك
((صحيح.. معك حق.. إنه بالمجمل يحب الأطفال مثلك))
رفعت نورين حاجبيها بغير اقتناع.. فمالك ليس هكذا مع أبناء إخوته.. هو هكذا مع يزيد فقط..
لكنها فضلت الاحتفاظ برأيها هذا لنفسها..

في غرفة مالك..
كان متمددا فوق سريرها وعينيه الخضراوين شاردتين بنظراتٍ حزينة شاعراً بالأسى على ما حدث لسمية والكراهية لنفسه لعدم استطاعته طوال الأيام السابقة الاطمئنان عليها كما يجب..
وهي من جهة أخرى لا تخرج من بيتها الصغير إلا ما ندر بسبب حرق يديها..
فقط لو توافق على طلبها وتعطيه حق حمايتها والدفاع لما كان سيحدث كل هذا..
إلا أنها عنيدة إلى حد اليأس.. أو أنها لا تحبه ولا ترى فيه رجلا كافيا لها بسبب ذلك الفرق اللعين بينهما..
أخفض عينيه ناظراً للرسائل التي أرسلها لها دون ردٍ واحد منها..
هي في الأساس لا تجيب على رسائله أو اتصالاته أبدًا إلا عندما يتعلق الأمر بيزيد بإجابات باردة ورسمية..
اعتدل جالسا على السرير يبدأ في تسجيل رسالة صوتيه بنبرةٍ عميقة جادة لها يهدر فيها
((مرحبا سمية.. أنا أريد فقط الاطمئنان من أنك لا تواجهين أي مشاكل ولا تحتاجين أي شيء أو مساعدة.. أرجوكِ أجيبِ أو سأضطر مرغما لإرسال نجوم أو أمها لك ليتفقدوا حالك.. وحينها لا تلوميني ولا تقولي بأن ما أفعله يلفت الانتباه لك))
كان صوته عبارة عن دوامة من الانفعالات الظاهرة من قلق وغضب وعتاب على جفائها بدون أن تطمئنه أو تخمد نيران قلقه عليها..
وكانت دقائق حتى وصله ردها كتابيا ببرود استشعره من بين حروفه
“أنا بألف خير.. نورين ونجوم يزرنني من وقت لأخر ويرين إذا ما كنت بحاجة لشيء.. لو سمحت اترك يزيد ينام عندي اليوم فإصابتي ستشفى قريبا كما أنني لا أواجه أي صعوبة في القيام بأعمالي اليومية.. بل سأعود للعمل في حديقة المنزل قريبا وأفضل من السابق”
رغم كل شيء كلامها أثلج صدره وأراحه فكتب لها
“الحمدالله.. إذا ما شعرتي بأي ألم أرجوكِ لا تترددي في إخباري لأقلك للطبيب.. لكن دعي يزيد يضل معي طوال الفترة القادمة ولا تقلقي عليه فأنا أذاكر دروسه واعتني به أفضل منك بشهادته هو”
ترك الهاتف وهو موقن بأنها لن ترد عليه..
لكن حمدا لله أن الحرق لم يكن خطيرا..
بشرتها الصافية الملائكية الحساسة هي أكثر ما تثير المشاكل لها..
وهو كان أكثر من شاهد على ما تتعرض له من ألم وأوجاع والتغييرات عند تعرضها لشيء يهيج حساسيتها..
وهنا ذهبت ذاكرته إلى قبل سنوات طويلة.. إلى ما يقارب العقد..
عندما كان هو في الثامنة عشر من عمره.. في حين كانت هي الخامسة والعشرين..
كان بعض من رجال القرية ووجهائها مجتمعون في مجلس أبيه الضخم الواسع..
كانت سمية تقوم بانهماك بتنظيف الزاوية خارج باب المجلس الذي انسكب فيه نوع من الطعام صعب الإزالة..
لم يكن عملها ولم تكن ملزمة في التنظيف لكن كانت نعمة ومنال المسؤولات عن تدبير المنزل يتسلطن عليها ويأمرنها بالمساعدة في تنظيف المنزل فقط لكونها ابنة بستانين يعملون في مزارع عائلته ويسكنن في بيت صغير ملحق بحديقة منزلهم..
خرج هو من المجلس يقف أمام الباب يحدق بها وهي منهمكة في فرك الزاوية دون أن تشعر باقترابه أو وجوده..
فتطلع بها بهدوء ثم أخفض نظره ليدها يلاحظ أنها لا ترتدي السوار الذي جلبه له..
فهي سبق وأن اشترت له من دون أي مناسبة ساعة جعلته يطير من الفرح لقائها كطفل صغير وهو في المقابل جلب لها سوار بسيط حرص ألا يكون غالي الثمن حتى لا تكون سبب في رفضها..
فقبلتها على مضض ولم تستطع الرفض كونها من بادرت بإعطائه شيئا..
اقترب مالك منها يسألها بشيء من الانزعاج الممزوج بالعتاب
((لماذا لا ترتدين السوار الذي جلبته لك يا سمية؟ أنا لم اخلع ساعتك منذ أن أهديتها لي))
خرجت من شرودها جافلة على وجوده وأخذ الأمر منها لحظات طويلة حتى تستوعب كلامه وتخفض نظرها إلى حيث ساعدها ثم تعاود النظر له مبتسمة ببعض الاعتذار
((لقد أحببت سوارك يا مالك جدًّا.. لكن الحساسية تهاجم يدي هذه الأيام بسبب استخدام المنظفات..
والطبيب أخبرني أن أحدَّ من ارتداء الحلي.. لذا لن أستطيع ارتداءها باستمرار))
كانت تتحدث ببعض الأسف فلفّ الحزن ملامحه الوسيمة وأومأ يتمتم بخفوت
((سلامتك..))
عادت تنهمك في عملها فظهر عليه الانزعاج والحنق منأجلها.. لا يصدق بأنها فعلا وحتى هذه اللحظة تستمر في القيام بما هو ليس من واجبها خاصة في استخدام المنظفات الكيميائية.. فقال بخشونة يداري بها ملامحه القلقة عليها
((عليك أن تستخدمي كلمة “لا” أكثر أمام نعمة.. فتلك العجوز المتعجرفة تظن نفسها مسؤولة عن كل من يدخل بيتنا ولا كبير لها))
رغم أن عينا سمية المطفأتان لمعتا ببريق عند كلامه إلا أنها حافظت على ابتسامتها وهي ترد عليه
((لا بأس يا مالك.. هي لا تجبرني على شيء وانا أقوم في كل هذا من طيب خاطر.. بل هو واجبي لقاء أفضال الحاج يعقوب على والديّ بعد الله))
أمرها بتسلط وحنق
((البسي إذن قفازات على الأقل))
دمدمت وهي تناظر يديها الحمراوان
((لن أستطيع فهما يحكاني))
عقد حاجبيه وهو ينتبه إلى أنها تسببت بجروح دامية في بشرة يدها التي هي في الأصل ناعمة وملائكية..
وشعر بثقل في قلبه وهو يفكر كم أن الأمر مؤلم بالنسبة لها..
انتبه لشيء من الارتباك يظهر عليها وهي تخبره بينما تعود لوضع الفرشاة في دلو الماء
((الآن أرجوكَ عد للداخل يا مالك المجلس قبل أن يلحظ أحد طول فترة وقوفك هنا.. وقفتك هذه ستثير الأقاويل فأنتَ لم تعد صغيرا.. بل تبارك الله لا أكاد أصل بطولي هذا إلى كتفك حتى))
لم يجبها ولم يبتعد بل ظل متخشبا مكانه يناظر يديها وبدون أن يشعر أو يعي على نفسه وبغريزة ذكورية بحتة اقتربت كفه ببطء من إحدى يديها تبغي الطبطبة فوقها..
وما إن همّ بملامستها حتى جفلت شاهقة بصوت ونظرت له جاحظة العينين وبحركة تلقائية كانت ترفع يدها فوق وجهه بصفعة مدوية..
لم تصدق ما فعلته فتراجعت للخلف بينما تزايدت وتيرة أنفاسها..
وهو ظل متجمدا مكانه ينكس وجهه ذنبا مما فعله حينما هلع والده ومن معه من الرجال ليقفوا أمام مالك ويستفهموا ما حدث..
تطلع الحاج يعقوب له يوزع أنظاره تارة عليه وتارة على سمية التي كانت تناظره بفزع وحدقتين مرتعشتين مما فعلته بابنه..
ما إن أدرك الحاج يعقوب ما حدث حتى صرخ فيها صارما
((كيف تجرأتِ على صفع ابني بهذا الشكل؟ كيف تجرأتِ!))
ارتعشت مكانها وفغرت شفتيها إلا أنها عجزت عن النطق بشيء تدافع فيه عن نفسها أمام نظراته الساخطة..
كان يهم بطردها عندما سأل أحد الرجال مالك الذي لا زال منكسا وجهه للأسفل
((لماذا قامت بصفعك يا مالك؟ ماذا فعلت لها؟))
احتقر مالك نفسه في هذه اللحظة لما ورطها به أمامهم جميعا.. لقد أساء لها كما تظل تخاف..
إلا أنه حافظ على جمود وجهه وهو يقول بصوتٍ ثابت
((لقد أمسكت يدها فقامت بصفعي))
اتسعت عينا الحاج وشعر بالخزي من أنظار الرجال من حوله المستنكرين فعلة ابنه وأحدهم سأله عن السبب ليجيب بنفس هيئه
((لقد كانت هناك جروح على يدها))
سارع الحاج يعقوب يصرخ عليه موبخا
((كيف تمسك امرأة لا تحل لك وليست من محارمك يا مالك؟ هل تظن نفسك لا زلت صغيرا؟ صفعها لك أقل ما تستحقه.. بل أنا من عليّ أن اكسر يدك))
همهم الرجال باتفاق مع كلام الحاج..
هدأت دقات قلب سمية وخف ارتعاش جسدها واستطاعت كبح عبراتها المتجمعة في عينيها لاعترافه بما حدث وقد ارتعبت من غضب وسخط الحاج عليها وما قد يترتب عليه من عواقب لوالديها الذي يعيشون ويملكون بأملاك الحاج..
لكنها شعرت بالشفقة على مالك وما يتلقاه من نظرات وكلام الرجال من حوله استنكارا لم فعله..
ناظر أحدهم الحاج يعقوب قائلا
((أليست مخطوبة لذلك الحرفي الذي قام بدّهن وطلاء ديوانية القرية.. ما هو اسمه؟))
رد رجل أخر بتلقائية
((اسمه كامل))
فعاد الرجل الأول يتابع
((نعم اسمه كامل.. أليس مخطوبا منها؟ لقد طالت خطبتهم لسنين طويلة بسبب انتظارها له حتى يكون نفسه.. إنها فتاة ولا يجب أن تنتظر أكثر فالعمر بها العمر أكثر من ذلك.. فلماذا لا تساعد خطيبها ماديا يا حاج وتكمل على نفقتك الشخصية تكاليف زواجهما وتبعياته؟))
وعلى الفور رد يعقوب وهو يمد يده على صدره معطيا كلمته ووعده
((وهذا ما سيحدث.. زواجها من ذاك الحرفي المحترم سأحرص على أن يتم قبل نهاية الشهر الجاري))
بينما كانت رتيل تعد الشاي لزوجها بشرود امتلأ الكأس وخرج الماء الساخن منه على الرخام..شعرت بقطراته تلسع يدها فأجفلت شاهقة بألم طفيف.. وسارعت تجفف الرخام سريعا ثم أنقصت من الكأس..
وقبل أن تحمل الصينية تخشبت مكانها وهي تذكر حادثة سمية والتي حدثت فعليا بسببها هي..
هل هي حقا امرأة جافة المشاعر وباردة القلب تحاول مداواة آلامها بأذية غيرها؟
ظهر الندم والحزن جليا على وجهها مما فعلته بها.. خاصة وسمية غائبة عن العمل في الحديقة ولا تدخل من وقتها المطبخ..
وكانت تريد الذهاب لبيتها الصغير الملحق والقابع بجانب منزلهم لكن كبرياءها منعها..
التفتت تسأل منال التي كانت تحرك الطعام فوق الموقد
((أين هي ابنتك نجوم؟ ألا تزال عند سمية؟))
تطلعت منال لها بتعابير ممتعضة
((مقصوفة الرقبة بمجرد أن تأتي هنا سأريها.. لا اعرف كيف قبلت الحاجة زاهية بذلك فهي لا تدفع لها راتب شهري وتسكنها في الدور الأرضي مقابل الاهتمام بتلك البستانية سمية!))
اضطربت ملامح رتيل إلا أنها قالت بلامبالاة ظاهرية
((دعيها هناك تهتم بها تكسب اجر فيها))
تمتمت منال متذمرة
((ألا يكفي سمية هانم أن نورين تظل عندها منذ ساعات))
لف ذهول وجه رتيل ثم سرعان ما قالت مستنكرة
((لحظة.. لحظة.. منذ ساعات عندها؟ ماذا تفعل هناك؟ هل تستغل انشغالي في فعل ما يحلو لها؟ كم أكره المتمردات أمثالها))
قالت نعمة المرأة الكبيرة التي كانت تتواجد في المطبخ
((لقد أخبرتنا الحاجة زاهية ألا نطلب منها القيام بأي شيء هنا))
أتعست عينا رتيل وتساءلت مستنكرة
((عمتي قالت هذا؟ ولكن لماذا؟))
أجابتها نعمة بهدوء
((بناء على أوامر السيد مصعب))
شعرت رتيل بقلبها ينازع في صدرها غلا.. فقالت ببرود وتعابير متجهمة
((حسنا جيد.. فهي لا تنفع في شيء أساسا))
ثم غادرت المطبخ كله وهي تحمل صينية الشاي وتفكر بأن تلك الخرقاء التي تم تزويجها لمصعب كفصيلة استطاعت في ظرف أشهر أن تجعله خاتما في إصبعها.. في حين هي عاجزة عن كسب أو استمالة زوجها الذي تزوجته من سبع سنوات..
مهما فعلت وبذلت جهدها لا تنجح..
فهو لا يسمح لها في الاقتراب منه بأي وسيلة أو طريقة.. حتى ملت منه وكرهته..
في منزل وليد الكانز..أقام وليد دعوة لعمه يعقوب وأولاده.. وكما سبق وتوقع تعذر كل واحد وتحجج بشيء حتى لا يلبي الدعوة ولم يأتي إلا الحاج يعقوب ومؤيد..
فلا هو يطيق أحد منهم وكذا الأمر من جهتهم..
جهزت جُمان زوجة وليد لعمه العديد من الأصناف والأطباق الشهية والأكلات الشعبية التي تستمد مكوناتها من بيئتهم الزراعية..
وقد حرصت في إعداد وترتيب الطاولة ما يعبر عن ذوقها الراقي في العطاء وما يميزها عن سواها..
بمجرد أن أنهى الحاج يعقوب طبقه حتى غمغم يحمد الله على نعمه ثم قال داعيا لوليد بصدق
((أسال الله العظيم أن يرزقك الذرية الصالحة.. أنا احلم يا بني أن احمل أولادك اليوم قبل الغد))
حاول وليد أن يرسم ابتسامة مجاملة وهو يقول لعمه الوحيد على قيد الحياة
((الأمر كله بيد الله.. وانا راضي بحالنا كيفما كان والحمدالله))
قوس الحاج يعقوب حاجبيه هادرا بصوته الوقور
((الحمدالله دائما أبدًا لكن لم التشاؤم يا وليد؟ زوجتك تتعالج وبإذن الله سيجبر الله في خاطركم))
تدخلت جُمان على الفور وهي تقول مزينة ثغرها بابتسامة صغيرة
((لقد توقفت عن العلاج يا عمي))
طالعها بعقوب بملامح غير مقروءة ثم تساءل بتروي
((لماذا؟ هل هو امر مؤقت؟))
أومأت نافية ثم قالت دون أن تنحسر ابتسامتها الهادئة
((لا بل توقفت بشكل نهائي عن العلاج وقررت أن أرضى بنصيبي وقدري))
سكت لحظات يستوعب ما تقوله جُمان ثم هتف بدهشة غاضبة
((وما علاقة رضاك بالقدر في الأخذ بالأسباب؟ لم توقفتِ عن أخذ العلاج؟))
أجابته جُمان بصوتٍ أجش
((الأعراض الجانبية والتغيرات التي تحدث في جسدي بسبب العلاج الذي أخوضه من أجل الحمل أكبر من طاقتي على التحمل))
تغضن جبين الحاج وهو يستمع مدهوشا غير راضي عن عذرها.. ثم قال بصوت مقتضب
((وهل هذه الأعراض خطيرة إلى حد توقفك عن العلاج؟))
ارتبكت قليلاً لكنها أجابت بوضوح
((نعم خطيرة ومرهقة بالنسبة لي.. فأنا لسنوات كثيرة أرهقت نفسي في الخوض في علاج الحمل.. والآن لم تبقَ أي خلية قادرة على تحمل هذه الآثار الجانبية للعلاج.. ولا الألم والأرق والتغيرات في الحالة المزاجية.. فهو يزيد من إرهاقي وشعوري بالقلق المستمر والضغط العصبي والاكتئاب.. لم أعد املك أي طاقة لإكمال رحلة العلاج من اجل الحمل.. إنه شيء فوق طاقتي))
اضطربت ملامح الحاج يعقوب مما قالته وتجلى شيء من التأثر بكلامها في داخله.. لكن ظل يرى في كلامها مبالغة نسائية ودلال أنثوي..
فتساءل بخفوت وهو ينظر لوليد
((إذن زوجتك لن تكمل المضي في رحلة علاجها؟ وماذا بعد؟))
هز وليد كتفيه وهو يقول ببساطة
((هذا الأمر يعود لها فلست أنا من أمر بكل هذا الألم والإنهاك في سبيل الحصول على طفل.. ثم يا عمي صدقني الحياة بدون أطفال ليست مظلمة كما تظن))
استنكر الحاج سلبيته ولامبالاته باستياء ثم تساءل
((إذن هل تخطط لأن تكمل حياتك هكذا؟))
ثم عاد ينظر بوجهه الوقور المتجهم لجمان مستطرد فكرة أن يظل ابن أخيه بلا ذرية أو سند
((هل نسيتِ أنه في بلادنا نعتبر الأولاد عزوة وعائلة للرجل؟ أتريدين أن تحرمي زوجك من هذه الأمور؟ زوجك سبق وكان وحيد والديه فهل تريدينه الآن بلا ذرية أو نسل من بعده؟))
اندثرت الابتسامة المجاملة التي كانت ترسمها جُمان لتتساءل بهدوء
((وهل أنا احرمه بإرادتي؟ هل أنا سعيدة بعدم قدرتي على الإنجاب وتجربة شعور الأمومة؟))
قال الحاج يعقوب بضيق
((ولكنك لا تبذلين جهدا كافيا للعلاج بل توقف واستسلمتِ ببساطة عنه))
فهمت جُمان بأنه عم زوجها لا يرى كل ما قالته سببا حتى تتوقف عن تعذيب نفسها في رحلة العلاج.. فزمت شفتيها والعبوس يداعب حاجبيها قبل أن تخبره بضيق
((في أخر زيارة لي.. أكد عليّ الطبيب بأني لو أكملت العلاج وحملت سأتعرض لمضاعفات خطيرة قد تودي بحياتي.. وأخبرني أن الخيارات المتاحة لي هي أن أنجب طفلا يتيما في هذه الدنيا.. أو أن أرضى بنصيبي))
انتبه وليد على ملامح زوجته الضائعة بالألم فربت على كتفها قائلا بدعم
((لا بأس حبيبتي.. صحتك هي بالدنيا كلها.. اهم شيء ألا تحزني))
تطلعت جُمان تنظر له شامخة بذقنها
((لم أحزن يوما على عدم إنجابي فالنعم كثيرة من حولي.. والله خلق الخلق وقسم لهم أرزاق كل شيء بما فيها رزق الذرية.. كنت أحاول جاهدة في السنين الماضية الإنجاب فقط من أجل أنتَ.. لكن خرج الأمر عن يدي الآن وبات فوق طاقتي))
والسبب الأخر الذي لم تعلن عنه جُمان هو بانها تأمل أن تنجب فقط عندما يكون بمقدور رحمها أن يحتوي نطفة رجل تحبه ويحبها..
لم يجد الحاج يعقوب إلا أن يرسم وجهه الوقور ابتسامة هادئة على مضض ويقول
((ليكتب الله لكما الاثنين الخير))
اعتدلت جُمان واقفة من مكانها تقول برزانة
((استمحيكم عذرا لدقائق))
غادرت المكان في حين أغمض وليد عينيه يعيد رأسه ويستند إلى ظهر كرسيه..
جسده يريد أن يغنم بعض النوم لعله يريحه من بعض مشقة أيامه السابقة.. مشقة قلبه الملتاع.. وروحه التائهة..
لم يخرجه من عالمه الأخر إلا هدير ابن عمه مؤيد الذي قال بنبرة ذات مغزى
((هناك بعض الإشاعات يا ابن عمي.. فقط مجرد إشاعات مفادها أن العيب منك لا من زوجتك والا لكنت تزوجت على الفور.. فأنتَ رفضت الزواج من ابنة الهنادل حتى لو ترتب أن تغرق العشيرتين ببحر من الدماء))
التفت وليد لمؤيد وأظلمت عيناه بسوادٍ عميق بل وتحرك حلقه يدرك بمحاولة ابنه عمه أن يجرحٍ رجولته وكرامته خاصة وهو يتحدث بتلك النبرة الشامتة التي لا يخطأ فيها وليد..
لكن ليس هو من سيسمح لأحد أن ينال منه أو ينال من المرأة التي هي على اسمه.. فرد عليه بصوتٍ حيادي
((لن أنكر ولن أؤكد هذه الإشاعة.. فهذا الأمر يخصني أنا وزوجتي.. ثم أن إجابتي لن تفيدك في شيء وإنما سترضي فضولك وأنا أحب أن تقتل نفسك بهذا الفضول وعادة التلصص على أسرار الآخرين))
سكت وليد وعم التوتر في الأجواء فشعر الحاج يعقوب بأن عليه التدخل لأنه لو استمرت هذه الردود في التقاذف بينهما فلن ينتهي الأمر قبل أن تندلع مشاجرة كبيرة فسارع يقول لوليد
((لم يقصد مؤيد شيء.. فلا تأخذ على خاطرك))
أمعن وليد النظر في عمه المهيب
والوقور إلى درجة أنه لا يتخيله إلا ثابتًا بتلك الرزانة على اختلاف ابنه مؤيد..
ثم رفع إحدى حاجبيه يقول بتلك النبرة اللاذعة التي يبرع فيها
((العفو عماه.. ولكن ابنك الغارق حد الثمالة في فتنة الأولاد أنا متأكد بأنه لا يفقه شيء في تربية الأبناء.. ولكنه يمشي على يسير على مبدأ العجائز “العدد في الليمون”.. ربي أولادك يا مؤيد ودعك مني فأنا سعيد بوضعي..))
وجه وليد كلامه لمؤيد في نهاية حديثه يضع وهو عينيه في عيني الأخر الذي كان يصر على أسنانه بغيظ من كلامه.. بل وكاد أن يقوم من مكانه ويشرع في شجار معه إلا أنه والده وضع يده فوق كفه من تحت الطاولة يرجوه بصمتان تحكم في أعصابه ويمنع انفلاتها.. قبل أن يعقب قائلا
((تبالغ يا وليد.. مؤيد لم يقصد هذا.. ما قاله كان بحسن نية))
قام وليد من مكانه يقول بوجه شديد الجدية حد التجهم
((أنا اقبل يا عماه تعاطف الناس بشكل لائق ومُحب بل ويسعدني ذلك.. على عكس من يوزعون رحمات باردة وشفقات كاوية كابنك))
وغادر المكان كله تاركا ضيوفه بعدم تهذيب في إشارة أنه وجودهم لم يعد مرحبا به..
فتنهد الحاج يعقوب إلا أنه لم يغضب من تصرف وليد فهو الأعلم بطباعه من البشر ولم يكن امر كهذا جديد عليه.. بل وعذره لان ابنه مؤيد من حاول خدج رجولته..
.
.
مساءً..
دلفت جُمان لغرفة نومها.. وضعت مرطبها الليل وشددت من إغلاق مئزرها ثم رفعت الغطاء ونظرت جانبها لزوجها المتمدد بجانبها شارد العينين والذهن..
عندما التفت وليد لها عرفت بأنها أطالت السرحان فيه.. فأشاحت بوجهها جانبا تقول ببرود
((سبق وأخبرتك بأني أريد فقط بعض الوقت حتى أُهيئ لوالدي مسألة طلاقي منك وأنظم أموري لكن لم دافعت عني أمام عمك؟ تعرف أن الحياة باتت مستحيلة بيننا بشكل قاطع.. وحجة عقمي كانت لتكون أفضل سبب عندك لتتحرر مني وتتزوج ممن تريد))
أظلمت ملامح وليد للحظة لكنه قال بصوتٍ صارم
((عندما أريد التحرر منك والزواج بمن أريد فأخر ما قد أتحجج به مسألة عقمك))
نظرت إليه بصمتٍ فاقترب منها يحيط كتفيها بذراعه متسائلا بهدوء قاتم
((لماذا لم تخبريني بالمال الذي تعطيه لوالدك من حين لأخر؟ أكان عليّ أن اعرف مصادفة بأمر كهذا تفعلينه منذ زواجنا؟))
اجابته بخفوت وبطء وعينيها بعينيه
((لم أكن لاحب أن يعرف أحد بأني أساعد أبي من راتبي الخاص بعملي.. فأخشى أن تستنقص أو تتعالى عليه.. رغم أني اشهد بأنك كنت طيبا ومتعاونا معي.. ولكن كما تعرف والدي هو ما تبقى لي في هذه الدنيا ولا اقبل أن يمسه أذى نفسي من أحد ولو بمقدار ضئيل))
تمعن وليد النظر في زوجته التي تظهر أمامه أنثى مغرورة مرفوعة الهامة عالية الكبرياء كما هي منذ بداية زواجهما..
فهز رأسه ببطء.. ثم أشاح بعينيه جانبا يعود ليتمدد مكانه..
يفكر بأمره الأخر.. فعلاقته مع جُمان مسألة وقت قبل أن تنتهي.. ويتزوج من شيرين..
لكن بالتأكيد لن يخبرها.. لن يتنازل عن تعذيبها قبل أن يسمح لها بالراحة..
زفر نفساً بطيئاً من بين شفتيه وكأنه يتنفس الصعداء ثم وضع رأسه فوق الوسادة يغمض عينيه..قالت تمارا بوجه ممتعض بعد أن أنهت تصفيف شعر ابنتها الفاتح بخصله الذهبية
((حسنًا سأدلف للداخل.. وأنتِ أيضًا اظهري النزق أثناء جلوسك مع خطيبك لعله يعجل بمسألة الزفاف والتجهيزات التي طلبتها سواء في الحفل أو المنزل الذي ستسكنينه.. لقد أخطأت عندما وافقت على عقد قرانكم!))
أخر جملة غمغمتها بصوتٍ خافت كمن تحدث نفسها.. ارتدت سهر فوق كتفها معطف خفيف من الفرو.. ثم أمسكت حقيبتها الجلدية الباهظة وهي تقول لوالدتها بتعجل
((سأقترح عليه ذلك يا أمي.. وداعا الآن))
وقفت تمارا عند البوابة الخارجة لمنزلهم تطالع قصي يركن سيارته جانب الطريق.. ويخرج من مقعده في سيارته الفارهة السوداء.. يستقبل يد سهر الرقيقة في سلام لهف ثم يتقدم منها يلقي سلاما سريعا بابتسامته الخلابة كعادته كَيّس وخلوق مع من يكبره..
قام قصي بشد المقعد لابنتها وفتح الباب وظل ممسكا به حتى دخلت.. يعاملها كما تستحق وترغب أن تعامل..
جلست سهر على المقعد الجلدي المريح وهي تسأله بلهفة كأنها لم تراه أو تتحدث معه منذ شهور لا فقط منذ ساعتين
((كيف حالك يا قصي؟))
جلس خلف مقود السيارة وشغل المحرك وبدء القيادة بينما يجيبها ناظرا لها بانشداه
((أنا بخير.. وهل أنتِ يا باربي بخير؟))
أومأت له ببسمتها الساحرة.. ثم بدأت تتأمله يضع يده على المقود بأناقة ويقود سيارته مرتاحا ويمر بسلاسة وسط زحمة السير الخانقة..
قبل أن تنظر من حولها داخل السيارة تسأله بعفوية
((هل هذه سيارة جديدة؟))
أجابها بينما يضع يده على مؤشر تغيير السرعات
((لا في الحقيقة إنها لوالدي.. لقد اشترى لنفسه سيارة جديدة وأعطاني هذه))
رفعت سهر حاجبيها بذهول تقول له
((إذن فقد أصبحت ملكك.. هنيئا لك.. لم أرى أحد يحب شراء السيارات بقدرك.. لو كان متاح لك لكنت غيرتهم كل يوم كما تغير بدلاتك))
قهقه على كلامها ثم تمتم موافقا
((معك حق))
سألته باهتمام وتلقائية
((كأن صوتك فيه بحة قوية.. هل أنتَ مريض؟))
لفة شيء من الارتباك إلا أنه قال بينما يرفع يده الأخرى ويمسد مؤخرة رقبته
((لا يا باربي.. كنت أتحدث كثيرا في عملي لفترات طويلة دون راحة وحسب.. ربما هناك احتقان أو التهاب في أحبالي الصوتين لكني لست مريض))
شابت نظرات عينيها القلق وهي تخبره
((عليك مراجعة للطبيب))
أخذ قصي نفسا عميقا ثم قال بصوتٍ أجش
((الصوت ليس المشكلة.. المشكلة الحقيقية هي فقرات رقبتي والخشونة في عضلات ظهري..))

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *