قاطعت

​”هو أبويا عارف إني مابتكلمش معاه بقالي سنتين؟”
​”أيوه.”
​”وبرضه افتكر إني هاجي أوقع بلمستريح كده؟”
​المحامي اتنهد وطلع حسّه:
​”أفتكر إن والدك كان مقتنع إن الموضوع مجرد إجراء شكلي ومش أكتر.”
​الكلام ده خلاني أنفجر في الضحك تاني.
​إجراء شكلي!
​وده بالضبط اللي أنا كنت أساوي عندهم طول عمري: مجرد كارت يتلعب بيه، مشاعري تتركن، نجاحي يتطنش، جوزي يتهان، واسمي يستغلوه وقت ما يلاقوا إن ده في مصلحتهم.
​أستاذ أيمن بدأ يفهمني أصل الحكاية.
​من اتناشر سنة، أبويا، توفيق، كان اشترى محل تجاري كبير في المهندسين مع شريك ليه. وعشان يهرب من نسب في الضرائب ويسهل أمور الميراث، قام مسجل نسبة ملكية صغيرة باسمي.
​كنت وقتها عندي اتنين وعشرين سنة.
​افتكرت اليوم ده كويس، لما حط قدامي شوية أوراق وقاللي: “بصمي واكتبي اسمك هنا يا بنت”، وأنا أصلًا كنت واثقة فيه للعمى. قاللي وقتها دي أوراق روتينية عشان “مستقبل العيلة وتأمينكم”.
​وما سألتوش ولا ناقشته.
​ودلوقتي المحل ده قيمته عدت الـ 80 مليون جنيه.
​الشريك اللي كان مع أبويا مات، والورثة بتوعه عايزين يبيعوا حصتهم. وأبويا كان خلاص اتفق مع مشتري وجاب آخره في الكلام معاه.
​العُقدة الوحيدة في الليلة دي كلها كانت أنا.
​إمضتي شرط أساسي بالقانون عشان البيعة تتنفذ.
​سألته: “ولو رفضت أوقع؟”
​المحامي نقّى كلامه بحذر شديد:
​”يبقى البيعة مش هتم، والاتفاق الحالي كله هيتلغي.”
​رجعت بضهري واندعكت في الكرسي.
​ولأول مرة من سنين، أحس بهدوء وراحة بال مش طبيعية.
​”هو أبويا بعت معاك أي كلام تقولهولي؟”
​المحامي فتح الفولدر اللي قدامه:

​”قالي أقولك إن اللي فات مات، والمفروض العيلة تتجاوز المشاكل القديمة وتلم بعضها.”
​بصيتله قوي.
​وبعدين ابتسمت.
​”والله كلام جميل.”
​المحامي بدا عليه التوتر تاني:
​”ليه؟”
​”عشان لما أنا كنت بتمزق من الوجع، أبويا راح قال للناس كلها إني مجنونة ومختلة. بس دلوقتي، أول ما زنق وعاز مني حاجة، فجأة بقينا عيلة ولازم نلم بعضنا؟”
​أخدت الورق ورجعت بيه على البيت.
​بالليل، قعدت أنا وكريم قرينا كل كلمة وكل حرف في الملف.
​وتاني يوم الصبح.. كلمنا المحامي بتاعنا إحنا.
المحامي بتاعنا قعد يدرس الملف وشاف إن موقفي القانوني أقوى من الحديد.
​قالنا بكل وضوح: “المحل ده مش هيتباع إلا بشروطك أنتِ، وأبوكي ملوش أي لوي دراع عليكِ. القانون في صفك 100%.”
​وبعد أسبوع، طلبت من أستاذ أيمن محامي أبويا إنه يحدد اجتماع في مكاتبهم.
​لما دخلت قاعة الاجتماعات، لقيت أبويا قاعد، وشكله كبر عشر سنين، وجنبه أمي وأختي فريدة. أول ما شفتهم، أمي قامت وبصتلي بنفس النظرة اللي فيها تعالٍ، بس كان باين في عينيها طمع وخوف.
​أبويا بدأ الكلام وهو بيحاول يبان قوي ومسيطر:
“كويس إنك جيتي يا بنت. العبط ده لازم يخلص، البيعة دي هتأمّن مستقبلي ومستقبل فريدة، وقعي أخلصي عشان ننهي القصة دي.”
​فريدة كملت ورا كلامه: “أيوة يا فريدة.. مش كفاية الفضايح اللي عملتيها لما سيبتي البيت؟ بلاش قسوة قلب بقى!”
​بصيتلهم بكل هدوء، وقعدت على الكرسي، وحطيت رجلي على رجل.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *