قاطعت

بقالي سنتين مقاطعة أبويا وأمي تمامًا.
​لا مكالمات في العيد، ولا كروت معايدة في أعياد ميلادي، ولا عزومات عيلة رخمة أشوف فيها أمي وهي بتتبسم في وش أختي، فريدة، وفي نفس الوقت تبصلي أنا وكأني جرجرت طين ودخلت بيه على سجادها الغالي.
​قرار البعد ما كانش سهل أبداً، بس بعد تسعة وعشرين سنة وأنا بيترمى عليا اللوم في كل حاجة، أخيرًا فهمت حقيقة توجع: أوقات الناس اللي المفروض إنهم “عيلتك” بيبقوا هما السبب اللي بيعلمك إزاي تعيش وتعتمد على نفسك من غيرهم.
​آخر خناقة بينا كانت يوم تخرجي من كلية تمريض.
​كنت قضيت أربع سنين طالع عينيا، شفتات بالليل، ومذاكرة للصبح، وفي نفس الوقت بربي بنتي، ليلي، مع جوزي، كريم. كنت فاكرة إن يوم التخرج ده هو اليوم الوحيد اللي أبويا وأمي هيقفوا جنبي فيه.
​بس ماهضروش.
​بدال ما يجوا، سافرو ثلاث ساعات للأسكندرية عشان يحضروا معرض الفنون بتاع خطيب فريدة.
​لما كلمت أمي بالليل وأنا بعيط، قالتلي: “ما تعمليش من كل حاجة دراما وما تخليش كل موضوع عنك أنتِ بس.”
​وده لوحده كان يوجع.
​بس اللي كسرني أكتر لما أبويا مسك التليفون.
​قاللي: “على الأقل علاقة فريدة ليها مستقبل، إنما أنتِ استعجلتي لما اتجوزتي كريم.”
​كريم كان واقف جنبي وسامع كل كلمة.
​سألت أبويا يقصد إيه بكلمامه ده.
​ضحك ببرود وقال: “صراحة؟ كان ممكن تجوبي حد أحسن من كده بكثير. كريم ده نزل بيكي لتحت.”
​دي كانت آخر مكالمة بيني وبينه.
​بعد اليوم ده، أبويا وأمي قعدوا يقولوا للقرايب والمعارف إني “تعبانة نفسياً ومُختلة”. أمي كانت بترمى كلام إنها سيبت العيلة عشان مش قادرة أستحمل أي نقد، وفريدة عمرها ما حاولت تصلح الكلام ده أو تقول الحقيقة.
​عشان كده اختفيت من حياتهم.
​وحياتي أصلًا بقت أهدى.
​وأحسن بكثير.
​بعد سنتين، في يوم أربعاء ممطر، جالي جواب بعلم الوصول.
​عنوان الراسل كان مكتب محاماة في منطقة وسط البلد في القاهرة.
​مكتب “الحسيني وشركاه للمحاماة والاستشارات القانونية”.
​بطني وجعتني وأول ما شفت اسم أبويا على الورق.

​جوه الجواب كان في ورقة قصيرة بتطلب مني أتواصل مع المحامي، أستاذ أيمن الحسيني، عشان “موضوع عاجل يخص أصول وعقارات”.
​كنت هرمي الجواب في الزبالة.
​بس الفضول غلبني.
​تاني يوم الصبح، كلمتهم.
​أستاذ أيمن طلب مني أجيله المكتب.
​أول ما وصلت، كان شكله مش على بعضه ومش مرتاح.
​قاللي وهو بيزق ملف أوراق تقيل على المكتب: “يا مدام.. والدك محتاج إمضاءتك على وثيقة واحدة بس.”
​بصيت للأوراق وقالتله: “ورقة إيه دي؟”
​”موافقة واقرار.”
​”على إيه يعني؟”
​اتردد شوية قبل ما يرد.
​ودي كانت أول إشارة تقلقني.
​بدأت أقرأ الورق.
​الطلب كان عبارة عن إقرار مني بالموافقة على إن أبويا ينقل ملكية محل تجاري في منطقة المهندسين.
​كملت قراءة.
​وفجأة شفت السبب.
​أبويا كان حاطط اسمي — من غير ما أعرف ولا ياخد رأيي — كشريكة معاه في ملكية المحل ده من 12 سنة.
​ودلوقتي، بسبب قضية ونزاع قانوني، مش عارف يبيع المحل ولا يتصرف فيه من غير إمضتي أنا.
​رفعت رأسي وبصيت للمحامي.
​وبعدين انفجرت في الضحك.
​مش ضحك مجاملة.
​ولا ضحك توتر.
​أنا ضحكت من قلبي لدرجة إن دموعي نزلت.
​أستاذ أيمن مال على المكتب وبصلي بقلق: ” يا مدام… أنتِ كويسة؟”
​مسحت دموعي وقلتله:
“أنا أحسن من أي وقت عدى عليا في حياتي.”
​عشان بعد 12 سنة وأبويا بيعاملني على إني الخيبة الكبيرة بتاعة العيلة..
​طلع هو من غير ما يقصد ولا يدري، خلاني الشخص الوحيد اللي واقف بينه وبين بيعة بلملايين….
أستاذ أيمن فضل مستنيني أبطَّل ضحك.
​أخيرًا بصيتله وسألته السؤال البادي جداً:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *