متشربيش

—يا ماما، ما تشربيش القهوة. قولي إنك تعبانة وخلينا نمشي من هنا.
​الجملة دي كانت مكتوبة بخط أزرق على ظهر إيصال قديم. ابني يوسف زق الورقة من تحت الترابيزة من غير ما يرفع عينه فيا.
​كنا في بيت حماتي، الحجة هدى، في المعادي، بنحتفل بعيد ميلاد جوزي، هشام. كانوا عاملين مشاوي وأرز وسلطات وتورتة. وفي الآخر، الحجة هدى صبت قهوة مظبوطة.
​فنجاني كان خلاص مليان أول ما رجعت من الجنينة.
​—اشربي يا ليلى —قالت وهي بتبتسم—. عملتهالك بوش ومن غير سكر كتير زي ما بتحبيها.
​هشام حط تليفونه على وش الترابيزة.
​—اشربي حاجة دافية، وشك أصفر ومجهدة من إمبارح.
​يوسف خبطني خبطة خفيفة بركبته من تحت الترابيزة.
​—أنا قايمة أروح الحمام —قلت.
​قام وقفت، ويوسف قام معايا.
​في الطرقة دخلته أوضة فاضية.
​—أنت سمعت إيه يا يوسف؟
​ابني كان عنده اتناشر سنة. لما كان بيخاف بجد ما كانش بيعيط؛ كان بيثبت في مكانه وبيسكت خالص.
​—إمبارح بالليل نزلت أشرب مية. سمعت هشام بيتكلم مع التيتا هدى. كان بيقولها إن النهاردة كل حاجة لازم تمشي صح، وإنك بعد القهوة هتحسي بتعب وهو هينزل يطلب الإسعاف.
​—قال كده؟
​—وقال كمان: “باللي حطيتيه ده، الموضوع هيبان كأنه أزمة صحية عادية”. وبعدها سألها لو موضوع بوليصة التأمين اتظبط خلاص.
​حسيت إن ريقي نشف ولساني اتخشب.
​أنا اسمي ليلى، عندي ستة وثلاثين سنة، ومن تسع سنين بدير شركة صغيرة للحلويات والتجهيزات الحفلات في الشيخ زايد. ما كنتش مليارديرة، بس كان عندي مكان بفرن ومطبخ كبير وشقة فوقيه. أهلي ساعدوني اشتري المكان ده بعد طلاقي الأولاني. ده كان الشقا والمستقبل بتاعي أنا ويوسف.
​وهشام اتعرفت عليه عن طريق الحجة هدى بالذات.
​كانت أجرتني عشان أجهز حفلة لجمعية خيرية. وبعدها بشهور عرفتني على ابنها: عنده ثلاثة وأربعين سنة، مدير مراكز علاج طبيعي، مطلّق، وشه شكله طيب وصبور جداً مع يوسف.
​اتجوزنا بعد سنة.
​وبعدها بدأت تظهر تفاصيل غريبة.
​هشام بدأ يضغط عليا إني أكتب اسمه معايا في ملكية المكان “عشان الأمان”. رفضت. فقترح نعمل توكيل عام رسمي عشان يساعدني في المعاملات.
​وبعدها طلب نعمل وثائق تأمين على الحياة لينا إحنا الاثنين. والبوليصة بتاعتي كانت برقم ضخم جداً عشان، على حد كلامه، المشروعات بتعتمد عليا كلياً.
​ومن ثلاث شهور، يوسف قال لي إن هشام أخده يفرجه على بيت واحدة صاحبة الحجة هدى اسمها منى.
​—قال لي إني ممكن أقعد عندها كم أسبوع لو أنتي في يوم من الأيام بقيتي مشغولة جداً.
​لما واجهت هشام، ضحك وقال:
​—دي ست ثقة وجارتنا، أنتي بتكبري المواضيع وبتبالغي.
​في الأوضة دي، التفاصيل دي كلها ما بقتش مجرد صدف.
​—روح هات شنطتك —قلت لـ يوسف—. ما تلمسش أي حاجة. ولو شفت حاجة غريبة، صورها بتليفونك.
​رجعت لترابيزة الاكل.
​فنجان القهوة كان لسه زي ما هو.
​—القهوة هتبرد منك يا ليلى —هشام قال.
​—دماغي بتوجعني شوية.
​الحجة هدى قامت واقفة.
​—عندي مسكن جوه هجيبهولك.
​وهي طالعة وهشام رايح يجيب مية، يوسف اختفى أقل من دقيقتين.
​رجع لابس الشنطة في ظهره وناولني تليفونه من تحت الترابيزة.
​كان مصور ورقة من المكتب.
​اسمي كان مكتوب جنبه رقم بوليصة التأمين وتاريخ النهاردة.
​وصورة ثانية لمحادثة مفتوحة على الكمبيوتر:
​”هدى: كل حاجة جاهزة.”
​”هشام: والولد؟”
​”هدى: منى عندها خبر وجاهزة.”
​والصورة الأخيرة كانت اسم ملف:
​”ليلى – إنهاء”.
​هشام رجع.
​—كل حاجة تمام؟
​قفلت التليفون فوراً.
​—أيوه.
​بعد خمس دقائق مثلت إن جالي تليفون من الشغل.
​—فيه فرن أتكسر وفرقع في المطبخ، لازم أمشي حالا.
​هشام قام وقف.
​—أنا هتوصلك بنفسي.
​—لا مش مستاهلة.
​—ليلى، اقعدي مكانك.
​نبرة صوته ما بقتش حنينة ولا هادية.
​الحجة هدى ظهرت وراه.
​—والقهوة بتاعتك؟
​يوسف مسك شنطتي.
​أنا مسكت المفاتيح في إيدي.
​هشام وقف وسد الباب.
​—عشر دقائق بس، وبعدها هنمشي سوا.
​يوسف زق كرسي على جنب عشان يفتحلنا سكة.
​جرينا في الطرقة، وعدينا الجنينة، وخرجنا من باب جانبي كنا شفناه مفتوح أول ما وصلنا.
​هشام صرخ باسمي بصوت عالي.
​ما بصيتش ورايا ولا لفت.
​أول ما بقينا في الشارع، يوسف طلع كيس بلاستيك من جيبه.
​جواه كانت المعلقة اللي كانت محطوطة جوه فنجان القهوة.
​—ما عرفتش أخد الفنجان معاي —قال لي—. بس قلت يمكن المعلقة دي تنفعنا.
​في اليوم ده فهمت إن ابني ما كانش بيحاول يخرجني من عزومة مش مريحة.
​كان بيحاول ينقذ حياتي من جوزي.
​أنت كنت هتصدق طفل عنده اتناشر سنة على طول في موقف زي ده؟
الجزء الثاني
​طلبت تكسي من قدام سوبر ماركت قريب وكلمت الدكتورة نها، المحامية اللي ماسكة شؤون شغلي من سنين. قاطعتني في نص الكلام:
—ما ترجعوش البيت نهائي. اطلعي فوراً على قسم الشرطة والنيابة، واوعي حد يلمس أو يبصم المعلقة دي.
​في قسم الشرطة والنيابة العامة، يوسف سلم تليفونه والكيس. أنا قدمت أتالي وأقوالي ووريتهم الرسائل الأخيرة مع هشام. هو وصل بعدنا بشوية ومعه أمه الحجة هدى.
​—ليلى، لو سمحتي! —قال بصوت طالع من الطرقة—. يوسف فهم كلام غلط واتخض ع الفاضي.
​نها طلبت من الضابط إنه ما يقربش منا. ساعتها هشام غير خطته تماماً. قال للنيابة إني بقالي شهور مضغوطة من الشغل، وعندك نوبات هلع وقلق نفسية، وإن أمه مجرد حطت لي في القهوة “مكمل غذائي” كان دكتور وصفه لي.
​—دكتور مين؟ —سألته.
​—الدكتور سامح.
​—أنا عمري ما شفته ولا اتعالجت عنده!
​وكيل النيابة سجل كل حاجة. يوسف أدلى بأقواله مع أخصائية نفسية متخصصة. وفهمهم مين هي منى دي كمان.
​وأحنا قاعدين بنستنى، نها طلبت مني أفتح الإيميل بتاعي. لقينا رسالة إخطار تلقائية من شركة التأمين كنت طنشتها من كام يوم. الرسالة بتأكد تعديل بيانات المستفيدين. المستفيد الأول والوحيد من بوليصة التأمين على حياتي ما بقاش يوسف… بقا هشام.
​أنا عمري ما طلبت ولا وافقت على التغيير ده!
​شركة التأمين أكدت إن الإجراءات اتعملت بصور مستندات ممسوخة ضوئياً. افتكرت ساعتها كم مرة هشام صور فيها بطاقتي الشخصية، وإمضتي، وأوراق شغلي بحجة إن “الملفات العائلية تكون متظبطة ومترتبة”.
​بعد كام ساعة، جه التقرير المبدئي لتحليل المعلقة. كان عليها آثار مادة لمرضى القلب، ماليهاش أي لازمة ولا مكان في فنجان قهوتي. النتيجة ما حددتش النسبة بالضبط في الفنجان، بس كانت كافية جداً عشان النيابة تصدر أمر ضبط وإحضار وتفتيش عاجل.
​بإذن من النيابة، قوة من المباحث فتشت بيت المعادي. لقوا مستندات التأمين، وعلبة دواء مستخبية جوه دولاب، وفلاشة. بس الأخطر كان جوه الكمبيوتر.
​كان فيه فولدر باسمي. نها ورتني قائمة بالتواريخ.
​اليوم اللي الحجة هدى اتعرفت عليا فيه. اليوم اللي عرفتني فيه على هشام. أول مقابلة بيننا. يوم كتب الكتاب. المحاولات عشان ياخدوا توكيل إدارة المقر بتاعي. تعديل بوليصة التأمين.
​ده ما كانش يوميات ولا مذكرات… ده كان خطة تتبع وتنفيذ!
​—ده الموضوع بدأ من قبل ما أعرفه أصلاً! —قلت لنها.
​نها فتحت فولدر تاني. “رانيا م.”
​رانيا دي كانت خطيبة هشام من خمس سنين. توفت بعد أزمة صحية مفاجأة في شقتها في العجمي. وهشام كان هو المستفيد من بوليصة تأمين على حياتها.
​وكان فيه فولدر غيره: “أميرة ع.”
​مراته الأولى. توفت بعد سنتين في حادثة جوه البيت ما اتفتحش فيها تحقيق جنائي ساعتها. وهشام أخد الفلوس من بيع شقة كانوا مشاركين فيها.
​—قتـ.لهم؟! —سألتها وأنا مرعوبة.
​—ما نقدرش نأكد ده قانوناً دلوقتي —نها ردت—. بس الملفات القديمة كلها هتتفتح وتتعاد تحقيقاتها من جديد.
​الفلاشة كان عليها تسجيلات صوتية. في واحد منهم كان هشام بيتخانق مع أمه:
—مع ليلى الموضوع مختلف، الولد فوق دماغها طول الوقت.
—يبقى تخلص من موضوع الولد الأول.
—منى قالت ممكن تاخده عندها كام يوم.
—أنا مش عايزة ارتجال ولا لبط!
​التسجيل ده فكرني بحاجة. من كام شهر، الحجة هدى طلبت مني صورة شهادة ميلاد يوسف بحجة إنها هتشتركه في نوي للنشاط الرياضي. ما كانش فيه أي نادي ولا نشاط!
​الدكتور سامح كمان المباحث جابته. طلع شغال استشاري في مستشفى لها علاقة بشغل هشام، بس أنكر إنه عالجني. وبعدها سلم النيابة رسائل من هشام. هشام كان طالب منه يكتب تقرير طبي يفيد إني بعاني من اضطرابات نفسية وتهياؤات ورفض للعلاج. الدكتور رفض يكتبه.
​ساعتها فهمت باقي الخطة. لو كنت شكيت فيهم بدري، كانوا هيطلعوني مجنونة وغير متزنة قدام الناس والقضاء.
​على الصبح، الموقف القانوني لـ هشام وأمه بقى أسود، والنيابة أمرت بحبسهم احتياطياً على ذمة التحقيقات.
​أنا كنت فاكرة إن مافيش أبشع من كده ممكن أسمعه. بس نها جائلها تليفون.
​—لقوا تسجيل تاني —قالت لي—. التسجيل ده من قبل كتب كتابك اصلاً.
—من هشام؟
—لا… من هدى ومنى.
​قعدتني على الكرسي وقالت:
—ليلى… هدى ما اتعرفتش على شغلك بالصدفة. هي كانت بتدور عليكِ بالاسم. وفي نفس التسجيل ده كانوا بيتكلموا عن يوسف من قبل ما تتجوزي هشام بأشهر!
​لو عايزة تعرفي كانوا مخططين إيه لابني من الأول خالص، كملي الجزء الأخير.
​الجزء الثالث
​التسجيل كان مدته حوالي حداشر دقيقة. سمعته في مكتب النيابة ونها قاعدة جنبي. صوت الحجة هدى ما يغلطش فيه حد:
—عندها شغلها الخاص، والمقر ملكها باسمها، وتقريباً ماليهاش اختلاط بأبو الولد.
​منى سألتها:
—والولد؟
—عنده اتناشر سنة… لا، ساعتها كان عشر سنين. متعلق بيها جداً ودايماً معاها.
—ده هيعطل الموضوع.
—هشام قال ندخل العيلة الأول ونكسب ثقتها.
​حسيت بـ نها بتلمس إيدي. أنا ما شلتش عيني من على الشاشة.
​في الصوت، منى كانت بتسأل إيه اللي يحصل مع يوسف لو “ليلى جَرالها حاجة في يوم من الأيام”.
​هدى ردت بثبات:
—أهل أمها قاعدين بعيد في الصعيد. هشام هيقول إنه مش قد مسؤولية الولد ولوحده، وأنتي تاخديه عندك لحد ما الأمور تظبط وننهي البيع.
​هنا كانت الحقيقة العريانة. منى ما ظهرتش بعد الجواز بصفة جارة بالصدفة. دي كانت متجندة ومتنقية من قبل كتب الكتاب. موضوع أكاديمية الكورة الوهمية ده كان مجرد تجربة عشان يوسف يتعود عليها وما يرفضش يروح معاها لو حصلت أي “ظروف طارئة”.
​—أنا عايزة أعرف مين الست دي بالضبط —قلت بصوت طالع بالعافية.
​النيابة كانت خلاص بتبحث عنها. منى كان عندها ستين سنة، عايشة في بورتو أكتوبر، وكانت شغالة لسنين…(يتبع)…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *