القصة المطلوبة كاملة

لمدة دقيقة كاملة وطويلة تشل التفكير، الصوت الوحيد اللي كان يرن في الصالة هو صوت مطر نوفمبر النتر وهو بيخبط في أزاز الشبابيك. أمي، اللي كانت طول عمرها أستاذة في تمثيل الرقي والمنظرة قدام الناس، كان شكلها طالع كأنها هتقع من طولها ويغمى عليها. وش أختي نادين اتخطف، والضحكة المتكبرة اللي كانت على وش رامي اختفت تماماً.
​يوسف مدّهاش حتى فرصة لأبويا إنه يتلجلج ويطلع أي عذر خايب. بكل بساطة، مد إيده ورا ضهري، فك المريلة المتوسخة، ورمى بيها في نص السفرة الفخمة بين الأطباق.
​بعدها على طول، طلع فايل جلد شيك فيه أوراق عقد الشراكة أبو خمسين مليون جنيه. عينين أبويا برقت ببريق يقطع القلب من الأمل والمقاوحة الخايبة. “يوسف بيه، أنا بطلب منك…” طارق قالها وهو بيتخنق بالكلمات ومد إيده ناحية الورق: “إحنا ممكن نمضي العقد ده حالا حالا.”
​”أوه، هو أكيد هيمضي الليلة دي يا طارق بيه،” يوسف رد عليه بنبرة ناعمة زي الحرير، وهو بيسحب الفايل بعيد عن إيد أبويا اللي كانت بترعش. حط الفايل قدامي مباشرة ومدلي قلمه الدهبي الشيك: “بس مش أنت اللي هتمضي…”

أنفاس الكل اتسحبت في المكان. أبويا عينيه اتوسعت من الذهول وصوته طلع مبحوح: “يعني إيه الكلام ده؟”
​يوسف بص له بنظرة حادة زي السيف، مشبعة بالسخرية والبرود، وقال بثبات: “يعني الشركة دي مش هيدخل فيها قرش واحد ولا هتنقذها من الإفلاس إلا بشرط واحد… إن ندى تبقي الشريك الرئيسي بنسبة ٥١٪، وبحق الإدارة الكامل. لو ندى مكنتش هي رئيسة مجلس الإدارة، الورق ده هيروح للفرامة دلوقتي قدام عينيك.”
​أمي صرخت بصوت مكتوم: “ندى؟! ندى إيه اللي تمسك شركة؟! دي… دي حتى مكملتش تعليمها!”
​يوسف لف وشها بنظرة خلت كلماتها تتجمد في زورها. وقال نبرة تهديد صريحة: “ومكملتش تعليمها ليه يا مدام ماجدة؟ مش عشان سرقتوا فلوس شهاداتها وعلمتوا بيها سي رامي ابنكم اللي ضيع كل حاجة في القمار والبلاوي السودة؟”
​أول ما يوسف قال الجملة دي، الصالة اتكهربت. رامي وشه أصفر وزغد عينيه في الأرض، وأمي وأبويا اتبادلوا نظرات الرعب. السر اللي اندفن سنين وشيلوني ذنبه عشان يحموا اسم رامي “الفخر”، اتبسط قدام العيلة كلها في ثواني. العمات والأعمام بدأوا يتهامسوا ويبصوا لبعض بصدمة.
​يوسف قرب مني أكتر، حط إيده على ضهري بدعم وقال ببتسامة هادية: “ندى اشتغلت معايا في السر بقالها سنتين، وهي اللي دراست السوق وطورت الخطط اللي خلت شركتكم أصلاً تسوى حاجة. الذكاء والعقل اللي وقفوا الشركة دي على رجلها هو عقل ندى… مش عقل حد تاني.”
​بصيت لورق العقد، وبعدين بصيت لأبويا اللي كان واقف بيترجاني بعينيه، ولأمي اللي وُشها بقى زي الشمع، ولرامي ونادين اللي كانوا مذهولين ومش مستوعبين التحول ده.
​مسكت القلم الدهبي بثبات. لأول مرة في حياتي مش خايفة، لأول مرة بحس إني مش البنت المطرودة اللي بتخدم في المطبخ، أنا صاحبة القرار.
​مضيت اسمي بخط عريض وواضح على العقد.
​أول ما رفعت القلم، يوسف أخد الفايل وقَفَله بثقة، وبص لأبويا وقال: “دلوقتي ندى هي المالكة الحقيقية للشركة، وبصفتها دي، هي ليها الكامل الحرية في إعادة هيكلة الموظفين والمجلس… وأنا بنصحها تبدأ بطرد اللي ضيعوا فلوسها.”
​مسك يوسف إيدي، ونزع المريلة اللي كانت مرمية على السفرة وحطها في إيد رامي وقال له: “متهيألي المطبخ فضي دلوقتي يا رامي… روح اغسل الأطباق بدالها.”
​ولف يوسف ليا، وقال بصوت حنين وواضح للكل: “يلا بينا يا حبيبتي، عشاء الخطوبة بتاعنا جاهز في مكان يليق بيكي.”
​مشيت معاه وأنا مرفوعة الراس، وسبتهم ورايا في الصالة الميتة، كأنهم تمثيلية اتكشفت ووقعت ستارتها للأبد.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *