يوم راس السنة2 الاخير

الفصل السادس: الحد الفاصل
​محدش اتتحرك. محدش اتكلم.
​الدفاية الكبيرة كانت بتكتك، وصوت طقطقة الخشب وهو بيتحرق كان هو الصوت الوحيد الطالع في الصالة اللي كاتمة من السخونية.
​طنط سميرة أخيرًا رفعت رأسها. جلدها كان باين زي الورق الناشف، والتجاعيد حولين بقها كانت غريقة وحادة. “رانيا… إحنا ما كناش نعرف أي حاجة.”
​”أنتم كنتم عارفين كل حاجة يا طنط،” قلتها، وما ديتهاش أي فرصة لتراجع مريح. “أنتم ما كنتمش عارفين الأرقام بالظبط عشان اخترتم ما تعرفوش. كان أسهل بكتير تتخيلوا إن الأكل بينزل من السما والهدايا بتظهر بالسحر، بدل ما تعترفوا إن مرات ابنكم هي اللي بتصرف على وجاهة وعزومات العيلة بينما أنتم بتعاملوها زي الخدامة المش معزومة.”
​شفايف طنط سميرة اتهزت، بس مفيش كلمة طلعت. ولأول مرة من قريب تلاتين سنة، الكلام اتقطع من كبيرة العيلة.
​”أنا ما جبتش الورق ده هنا عشان أفاوض،” كملت كلامي، وأنا بجمع الفواتير وكشوفات الحساب المتطورة في الفايل الأكورديون بالحركة والهدوء المعين. “أنا جبتهم عشان أتأكد إن محدش فيكم هيقدر يعيد كتابة التاريخ ده تاني. مش هتقدروا تروحوا للحي، ولا لنادي الروتاري، ولا لبنتنا وتقولوا إن رانيا اتجننت وبوظت العيد.”
​شديت الاستك التقيل حولين الفايل. صوت التكة الحاد أدى رنة في الصالة كلها.
​”وده اللي هيحصل من النهاردة وطالع،” قلتها.
​بصيت لمصطفى. “أنت عليك مية وعشرين ألف جنيه لحساب بيتنا—الثمانين ألف اللي طارق سرقهم من توفيرنا، جنب الأربعين ألف بتوع الطوارئ اللي اضطريت أحولهم عشان أغطي العجز. أنت هتظبط تحويل أوتوماتيكي بسبعة ألاف جنيه كل شهر بداية من أول فبراير. لو تأخرت في قسط واحد، أقسم بالله هاخد كشف الحساب المعتمد ورفع دعوى قضائية في المحكمة وأعمل حجز على شركتك.”
​مصطفى بلع ريقه بصعوبة، وهز رأسه مرة واحدة وهو باصص للدفاية. “تمام. هدفع.”
​بصيت لندى. “السنة الجاية، لو عايزة بناتك ياكلوا بسكويت بالفرولة وياخدوا هدايا متغلفة من تيتة، ابقي اشتريها بنفسك. ولو عايزة عشا عيد، ابقي اشوي اللحمة بنفسك. أنتِ قربتي على الأربعين سنة. اتعلمي إزاي تقشري بطاطس.”
​ندى اتململت، وشدت رجليها على الكنبة، وانكمشت ورا المخدات.
​وفي الآخر، لفيت لطارق.
​كان لسة قاعد وحاطط رأسه بين إيديه، وعقل صوابعه بياضت من الضغط على دماغه.
​”وبالنسبة لك يا طارق،” قلتها، “أنا خلاص وظفت المحامية سوزان. وهي جهزت طلب رسمي لفصل أموالنا وممتلكاتنا. حسابنا المشترك هيتقفل بكرة الصبح. مرتبي من العيادة هيفضل في حسابي الشخصي. وأنت هتكون مسؤول مسؤولية كاملة عن نصيبك في البيت، وقسط عربيتك، واشتراك نادي الجولف بتاعك.”
​طارق رفع رأسه بالبطيء. عينيه كانت حمرا، ومبلولة بدموع الصدمة والإهانة. “رانيا… أرجوكي. بلاش تعملي كده. مش بالشكل ده. مش قدام الناس كلها.”
​”أنت اللي اخترت المشهد والجمهور يا طارق،” قلت وشاورت على الكراسي. “أنت اللي جمعتني هنا عشان تعملي محاكمة. كنت عايز الكل يشهد على استسلامي وخضوعي. أهو شهدوا على حاجة تانية خالص.”
​”أنتِ… أنتِ بتطلقيني؟” صوت اتكسر، وبقى صغير وخايف، مختلف تماماً عن الراجل اللي ضرب بقبضته على رخامة مطبخي من ستة وتلاتين ساعة.
​”أنا لسة ما قررتش،” رديت بمنتهى الصراحة. “في الوقت الحالي، أنا ببساطة بطرد عيلتك من حياتي. أما إذا كنت أنت قادر تعيش برة التسمم بتاعهم ولا لأ، فدي حاجة لازم تكتشفها بنفسك.”
​حطيت الفايل الأكورديون التقيل تحت دراعي.
​”ماما،” صوت إنجي كسر السكوت. كانت واقفة عند مدخل الصالة، جاكتها مقفول، ومفاتيح عربيتها في إيدها. “أنا جاية معاكي.”
​”مش لازم تمشي يا إنجي،” قلتها بصوت حنين.
​”أنا عايزة أمشي،” قالت وهي بتبص لأبوها بخلطة من الشفقة والقرف. “مش قادرة أقعد في البيت ده دقيقة واحدة كمان.”
​لفيت وشي ناحية باب الشقة.
​”رانيا،” صوت طنط سميرة كان يا دوب مسموع.
​وقفت، وإيدي على المقبض النحاس الساقع. ما لفتش. “أيوه يا طنط؟”
​”هو… هو إحنا هنشوفك في عيد الفطر؟”
​كنت هضحك بجد. الإصرار الغريب والموهوم بتاع الست دي كان حاجة تدعو للذهول. حتى دلوقتي، وفي وسط الأنقاض والمظاهر المكسورة بتوع عيلتها، كانت لسة بتبص في النتيجة على المواعيد الخدمية الجاية.
​”لأ يا طنط سميرة،” قلتها بالراحة. “مش هتشوفوني.”
​فتحت الباب. الهوا الساقع بتوع الشتا دخل على الصالة السخنة بزيادة، نظيف وحاد وريحت مطرة وتلج.
​خرجنا أنا وإنجي سوا في الساقعة. العاصفة كانت عدت، وسبت وراها سما صفية ولونها أزرق يبرق. التلج اللي على الفروع كان لقط شمس بعد الضهر، ومكسر النور لآلاف الألماس الصغيرة.
​دورّت عربيتي الهوندا وسمعت صوت الموتور وهو بيشتغل، وحسيت بإحساس غريب في صدري—راحة وحرية، كأن المخصر الحديد اللي كنت لابساه طول سبعة وعشرين سنة اتفك وأخيراً وقع من عليا.
​رجعت بالعربية لورا، وسبت بيت طنط سميرة الطوب الأحمر الكبير ورايا في المراية.
​كان يوم واحد يناير. السنة الجديدة جت. ولأول مرة في حياتي، الطريق اللي قدامي بقى ملكي أنا بس عشان أمشي فيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *