يوم راس السنة2 الاخير
الفصل الثامن: شجرة بسيطة
ديسمبر جه تاني، زي العادة، جاي على غيوم رمادية وهوا ساقع ومبلول طير آخر الشجر الناشف.
في ديسمبر اللي فات، مطبخي كان شبه مطعم تجاري في موسم زحمة. في الأسبوع التاني من الشهر، الرخام كان متغطي بشكائر دقيق، وقوالب زبدة، وعلب شحن، وقوائم متقسمة بألوان مين بيحب الفراخ ومين مش بياكل ألبان، ومين من الأطفال عايز ألعاب بالبطارية ما بتعملش صوت عالي.
السنة دي، يوم اتنين وعشرين ديسمبر، مطبخي ما كانش فيه غير ريحة زيت الليمون وشمع العسل. قضيت بعد الضهر بألمع الأرضية الخشب لمجرد إني مستمتعة بهدوء الشغلانة.
في ركن الصالة، جنب الشباك الكبير، كانت فيه شجرة كريسماس بسيطة وصغيرة.
طولها متر ونص، اشتريناها من مكان قريب بألفين جنيه. أنا وطارق ربطناها على سقف العربية وجبناها البيت سوا. ما نزلناش الصناديق الكبيرة التقيلة من الفتاتين فوق. استخدمنا علبة جزمة واحدة صغيرة فيها الزينة اللي ليها ذكريات بجد.
تلات كور إزاز من شجرة أمي، لونهم فضي باهت شوية. ورجل تلج من الفخار معمول بلخبطة كان إنجي عملته وهي في ابتدائي، ومناخيره البرتقالي مكسورة حتة صغيرة من كثر التخزين. وفوق خالص، جنب الفروع الخضرا، كان الملاك الخشب الصغير اللي أمي إدتهولي في أول سنة جواز.
الساعة أربعة، باب المطبخ اتفتح.
طارق دخل، وبيفض التلج من جزمته على المشاية اللي عند الباب. كان ماسك أكياس من السوبرماركت.
”يا أهل البيت،” قالها بصوت دافي.
”أهلاً،” خرجت من المطبخ وأنا بمسح إيدي في المريلة. “لقيت الحجة؟”
حط الأكياس على الترابيزة وطلع علبة عيش كايزر. “جبت العيش. و… يمكن أكون أخدت قرار من دماغي.”
مد إيده جوة الكيس أكتر وطلع علبة حلويات بنصر: “فطيرة يقطين.”
بصيت للعلبة، وبعدين ضحكت أوي. “طارق، إحنا في العيد الكبير، اليقطين ده بتاع العيد الصغير.”
اتسمر مكانه، وبص للعلبة بصدمة حقيقية. “استني… بجد؟ أنا كنت فاكر اليقطين ده بتاع الشتا وخلاص.”
”ده بتاع نوفمبر،” قلتها وأنا بقرب منه وببص لوشه المحتار. “ديسمبر بتاع تفاح أو مكسرات.”
اتأوه وهز رأسه ورا رقبته بالحركة القديمة المتعود عليها، بس المرة دي عينيه كانت بتضحك. “يا دي النيلة. هحود أجيب غيرها، المحل لسة فاتح.”
”مش لازم ترجع،” ابتسمت، ومديت إيدي حطيتها على دراعه. “نقدر ناكل فطيرة يقطين عادي ليلة العيد. مفيش قواعد.”
بص لإيدي، وبعدين بص لوشي. وطى وباسني بالراحة على أورتي—بوسة هادية وفيها تردد لطيف شبه أيام الخطوبة أكتر من سنة جواز وتعود.
”تسلمي يا رانيا.”
الساعة ستة، إنجي وصلت.
جابت معاها خطيبها، مدرس هادي اسمه كريم، وعصير. ما كانش فيه ترابيزات مطوية زيادة. مفيش أماكن متحددة لكل واحد. مفيش تلاتين هدية متغلفة ومحطوطة جنب الحيطة كأنها شغلانة لازم تخلص.
أكلنا فراخ محمرة جلدها مقرمش، وبطاطس مسلوقة بالزبدة والبقدونس، وفاصوليا خضرا. وشربنا العصير في كوبايات عادية.
في لحظة، على الساعة سبعة ونصف، تليفون طارق رن على التربيزة في الصالة.
كلنا سمعناه. في السنين اللي فاتت، الصوت ده ليلة العيد كان بيبعت موجة قلق ورعب في البيت كله، إشارة لإن فيه مصيبة جديدة عند طنط سميرة أو طلبات نسيها حد من العيلة.
طارق ما قامش ينط. كمل أكل عادي، وشرب بق مية، وتمشى بهدوء للصالة. بص على الشاشة، داس على زرار الصامت، وحط التليفون مقلوب على التربيزة.
”كل حاجة تمام؟” إنجي سألت وهي بتبص له باهتمام.
”دي أمي،” طارق قال وهو راجع أوضة السفيرة وبيسحب كرسيه. “بتتعشى عند ندى. ومصطفى هناك كمان. أنا كلمتها الصبح وهنيتها بالعيد.”
قعد، مسك شوكته، وابتسم لكريم. “قولي بقى أكتر عن المشروع اللي بتعمله في المدرسة.”
التليفون في الصالة ما رنش تاني.
على الساعة عشرة، إنجي وكريم مشيوا، ونور عربيتهم اختفى في الشارع الساقع. طارق لم الأطباق، وحطها في الغسالة، ومسح الرخام، وطلع كيس الزبالة برة من غير ما أقوله ولا كلمة ولا أفكره.
”أنا طالع أقرأ شوية،” قالها وهو واقف عند أول السلم. “طالعة قريب؟”
”كمان شوية،” قلت له. “عايزة أقعد قدام الشجرة شوية.”
هز رأسه، ابتسم، وطلع السلم.
طفيت النور الكبير في المطبخ والصالة، وسبت بس النور الأبيض الدافئ الصغير بتاع الشجرة منور في الضلمة.
قعدت على الكرسي بتاعي—الكرسي القماش الناعم—وشديت بطانية شتوية حطيتها على رجلي. البيت كان هادي بجد، بشكل جميل. أجهزة التدفئة اشتغلت بصوت واطي ودافئ.
برة، التلج كان بدأ ينزل بالراحة تاني، وبيغطي الشارع الهادي بأبيض.
فكرت في الست اللي كانت قاعدة في الأوضة دي من اتناشر شهر، بتسمع سبعة عشر مكالمة مرعوبة بترن على الرخامة، بطنها مقلوبة من الخوف، ودماغها متسممة بسنين من الذنب المصنوع.
كنت فاكرة وقتها إن تمردي ده كان حرب. كنت فاكرة إني لما أرفض أروح، أنا كده بفرقع قنبلة في العيلة اللي استغلتني.
بس وأنا قاعدة هنا دلوقتي، في الضلمة الهدية والجميلة دي، اكتشفت إن الحرب عمرها ما كانت الهدف.
السلام هو اللي كان الهدف.
والسلام الحقيقي مش بيجي من إرضاء ناس ما بتشبعش. مش بيجي من إنك تصغر نفسك عشان تكفي في العلب الضيقة اللي الناس بنوهالك. مش بيجي من إنك تصرف تحويشة عمرك، ومجهودك، وروحك عشان تشتري رضا مشروط من ناس مستعدين يسيبوك تجوع في مطبخهم.
السلام هو اللي بيحصل لما تبطل تشيل حاجة عمرها ما كانت ملكك عشان تشيلها.
بصيت فوق للملاك الخشب الصغير اللي قريب من قمة الشجرة. أجنحته كانت متآكلة شوية، والدهان اللي عليه مقشور من الجناب، بس كان واقف ثابت على فرعه، هادي ومتوازن في الضلمة.
ابتسمت، وأخدت نفس طويل وبطيء من ريحة الشجر والهوا الساقع، وغمضت عيني.
على مدار سبعة وعشرين سنة، العيد كان اختبار تحمل.
النهاردة، وأخيراً، بقى مجرد بيت دافي.