يوم راس السنة2 الاخير
الفصل السابع: ترميم البقايا
الحياة الحقيقية مفيش فيها شاشة بتسود ببطء بعد المواجهة الدرامية. مفيش موسيقى تصويرية بتشتغل، ولا تتر بيعدي عشان يرحمك من التفاصيل اليومية السخيفة والمجهدة لفك تشابك عمره تلاتين سنة.
الثلاث شهور اللي جم بعد محاكمة أول السنة كانوا أهدى، وأصعب، أيام عشتها في حياتي.
طارق ما عززلش من البيت، بس ما بقاش ينام في أوضتنا. نقل حاجته للأوضة الصغيرة اللي في آخر الطابق الثاني—الأوضة اللي فيها السرير الفردي والشباك اللي بيدخل هوا ساقع وبيطل على الجنينة اللي ورا.
على مدار أول أربع أسابيع، البيت كان شغال زي الدير الملتزم بعهد الصمت. كنا بنتحرك حولين بعض بنفس الأدب المبالغ فيه بتاع اتنين غرباء اتعلقوا سوا في أسانسير عطلان. لو اتكلمنا، بيبقى عن طريق ورش صغيرة وموجزة بنسيبها على ترابيزة المطبخ: السباك جاي الخميس الساعة 2، أو مصاريف الصيانة مدفوعة لحد فبراير.
رحت لميعادي مع المحامية سوزان. ما رفعناش قضية طلاق رسمية، بس عملنا عقد اتفاق مالي وانفصال مالي ملزم قانوناً بعد الجواز. اسم طارق اتشال من حسابي الشخصي، واسمي اتشال من حساباته في البنك. فتحنا حساب بنكي محدد ومصمم مخصوص للضرائب، وقسط البيت، وفواتير الصرف، وكل واحد فينا بقى يحول فيه أربعين المية من إلتزاماته في اليوم الأول من كل شهر أوتوماتيكياً.
أول مرة طارق اضطر يكتب فيها شيك بستة ألاف جنيه عشان يغطي تأمينه الصحي الشخصي—وهي مصاريف كانت العيادة عندي بتغطيها بهدوء على مدار خمسة عشر سنة—فضل باصص لدفتر الشيكات قريب من عشر دقايق قبل ما يمضي اسمه.
”الموضوع مكلف أوي،” قالها بصوت واطي في ليلة من ليالي أواخر يناير، وصوته كان فاضي تماماً من الهجوم والدفاع المعتاد.
”أيوه،” رديت عليه من على ترابيزة المطبخ وأنا بقرأ رواية. “الحياة مكلفة.”
ماجادلش. الطاقة بتاعة الخناق كانت اتمسحت منه تماماً. انشكاف كذبه ودلع أهله دمر الصورة الذهنية اللي كان بيبنيها لنفسه كابن وأخ كريم ومسؤول. في عين أمه، ما بقاش الابن البار المفضل؛ بقى الراجل اللي ساب مراته تفضح العيلة وتكشف بلاويهم. وفي عين بنته، بقى بني آدم كذاب وسرق من أمها.
بقى لوحده، محشور بين خرابة عيلته الأولى وبين الست اللي قضى سبعة وعشرين سنة بيعتبرها مضمونة وموجودة للخدمة.
في نص فبراير، في ليلة تلات ساقعة، طارق خبط بشويش على خشبة باب الصالة.
”رانيا؟”
رفعت عيني من الكتاب. كان ماسك ورقة صغيرة في إيده. شكله كان أكبر في السن؛ الخطوط حولين عينيه بقت أعمق، والشعر الأبيض كثر في جنابه.
”أنا أخدت ميعاد،” قالها.
”مع مين؟”
”مع الدكتور مدحت. اللي مكتبه في المهندسين. هو استشاري علاقات زوجية وعائلية.” بص للأرض، وصوابعه كانت بتطبق الورقة وتفتحها بتوتر. “أنا مش مستني منك تيجي معايا. أنا رايح عشان نفسي. يوم الاثنين الجاي الساعة أربعة.”
درسته في النور الدافئ بتاع الأباجورة. لأول مرة، ما كانش فيه مسرح ولا جمهور يمثل قدامه. مفيش طنط سميرة عشان يبهرها، ولا ندى عشان يرضيها. مجرد راجل مكسور في نص العمر، اكتشف فجأة إن حياته كلها كانت مبنية على رمل سايب.
”أنا هاجي معاك،” قلتها بصوت هادي.
جلسات العلاج النفسي ما كانتش معجزات بتغير الكوكب؛ كانت شبه خلع الضروس من غير بنج.
في المكتب الصغير الهادي، وتحت النظرات المحايدة بتوع الدكتور مدحت، طارق عيط لأول مرة في جوازنا. اتكلم عن الضغط الرهيب كونه الابن الأكبر لطنط سميرة بعد ما أبوه اتوفى وهو عنده ستة عشر سنة. اتكلم عن القانون غير المكتوب في العيلة إن الاستقرار النفسي لأمه لازم يتحافظ عليه بأي ثمن، حتى لو معناه رمي مراته في النار.
”كنت فاكر إني لو رضيتها، كل حاجة هتبقى مستقرة،” همس بيها وهو بيمسح مناخيره بمنديل. “وكنت عارف إن رانيا قوية. عارف إنها تقدر تستحمل. أنا بس… بطلت أشوفها كبني آدمة. بقيت شايفها الموتور اللي بيشغل العربية كلها.”
”وإيه اللي بيحصل لما الموتور يقطع بنزين يا طارق؟” الدكتور مدحت سأله بهدوء.
طارق بصلي عبر الترابيزة الصغيرة. “بيقف. والعربية بتبوظ وتعمل حادثة.”
”أنا ما قطعتش بنزين يا طارق،” قلت له بصوت ثابت وواضح. “أنا ببساطة رفضت أجر الكاروتة أكتر من كده. أنا مراتك. عمر ما كان المفروض أكون حمار الشغل بتاعكم.”
برة مكتب الدكتور، النظام البيئي لعيلة طارق بدأ يتأقلم مع الواقع الجديد.
يوم تمانية وعشرين فبراير، فيه تحويل إلكتروني بسبعة ألاف جنيه نزل في حساب البيت من مصطفى. ما بعتش معاه جواب. ما كلمناش في التليفون. بس الفلوس نزلت. وبقت بتنزل يوم تمانية وعشرين من كل شهر من ساعتها.
ندى حاولت تكلمني مرة في مارس، وصوتها كان مليان سكر معجون بمرارة، وسألتني إذا كان لسة معايا طريقة صينية البطاطس بالكريمة اللي كنت بعملها في العيد.
”معايا،” قلت لها بنشاط.
”ممكن تبعتيهالي في مسج؟”
”تقدر تلاقي طريقة تحفة زيها على جوجل يا ندى،” رديت. “أول نتيجة تطلع لك اعمليها.” وقغلت السكة.
المفاجأة الحقيقية جت في أواخر أبريل.
ورد الجنينة كان بدأ يطلع في الساقعة لما تليفون البيت رن. رفعت السماعة من غير ما أبص على كاشف الرقم.
”رانيا.”
كانت طنط سميرة. صوتها كان أرفع وأضعف ملي افتكرته، ممسوح منه النبرة العالية والآمرة.
حسيت بإنقباضة صغيرة في صدري، غريزة قديمة بتطلع للوش، قبل ما الثبات الجديد اللي بنيته على مدار الأربع شهور اللي فاتوا يمسك نفسه.
”أهلاً يا طنط.”
سكوت طويل امتد بيننا. سمعت صوت الشاي وهو بيتقلب في الفنجان عندها.
”ندى هي اللي عملت غدا العيد الصغير،” قالتها في الآخر.
”تلاقيها عملته.”
”اللحمة كانت ناشفة،” طنط سميرة قالتها، ولثانية مرعبة، افتكرتها بتحضر لنشرة تأنبيج جديدة. بس بعدها، طلعت تنهيدة ناشفة وطويلة كانت شبه الهزيمة تماماً. “ونسيت العيش خالص. أكلنا في أطباق فل عشان ما كانتش عايزة تغسل الصيني بتاعي.”
ما قلتش حاجة. رفضت أملى السكوت.
”أنا بكلمك،” طنط سميرة قالت وصوتها نزل لنغمة مش متعودة عليها وبطيئة، “عشان أقول إني… ما كنتش لطيفة معاكي. في العيد. وفي سنين كتيرة قبل كده.”
الكلام كان طالع كأنه بيتجر على إزاز مكسور. بالنسبة لست قعدت أربعة وسبعين سنة فاكرة إنها مركز الكون، الاعتذار ده كان شبه الموت بالبطيء.
”شكراً إنك قلتي كده يا طنط،” قلتها بنبرة محايدة تماماً.
”أنا مش متوقعة… يعني. ندى بتقول إنك مش هتيجي عزومة الصيف.”
”لأ،” قلت. “طارق يقدر يروح لو يحب. أنا هقضي الإجازة مع إنجي.”
سكتت تاني. “تمام،” همست. “يعني… ما أقدرش ألومك.”
قفلت السكة. ما حسيتش بنصر فظيع. ما قمتش أرقص في المطبخ. حسيت بس براحة عميقة وتقيلة بتيجي لما دين قديم وأخيراً يتكتب قدامه اتسدد بالكامل في الدفتر.
طارق فضلت قاعد في أوضة الضيوف لحد يونية.
ما رجعش أوضتنا عشان أنا عزمت عليه؛ رجع عشان في ليلة، بعد ما طبخ عشا كامل لوحده—سمك وفاصوليا خضرا—وقف جنب ترابيزة السفيرة وقال: “أنا عايز أكون جوزك يا رانيا. مش العالة اللي عليكِ. ولا ابن أمي. لو مش عايزاني، أنا همضي ورق الطلاق بكرة. بس لو فيه أي حتة جواكي لسة بتحبني… سيبيني أحاول أتأعلم وأعرف أنتِ مين من جديد.”
بصيت له—بصيت له بجد. الغرور كان اختفى. النعومة المفتعلة اتمسحت بست شهور علاج وتفكير مع نفسه.
”تقدر تنقل هدومك هنا تاني،” قلتها. “بس الترباس بتاع أوضة الضيوف هيفضل راكب زي ما هو.”
هز رأسه. “حقك.”