الباسوورد

​أنا بقى رجعت لنفسي حاجة أهم بكتير من الفلوس: اليقين بإني ما كنتش مجنونة، ولا ببالغ، ولا “مرات ابن مفترية”.

​هم فضلو يمرنوني لسنين عشان أحس بالذنب كل ما أقول “لأ”.

​بس دلوقتي، كلمة “لأ” طالعة من قلبي صافية وبمنتهى الثقة.

​غيرت الشقة وعزلت.

​مش عشان اتغلبت، بس عشان ما بقيتش عايزة أصحى في مكان بيفكرني بـ كاميرات، وفايلات، وباسوردات أبواب. بابا ساعدني أأجر شقة هادية في التجمع، بس العقد كُتب باسمي أنا وبس.

​أول يوم حد هناك، كنا بنفطر سوا.

​— زعلانة يا جنى؟

​بصيت للكراتين اللي لسه ما اتفتحتش وابتسمت:

​— أنا تعبانة بس يا بابا.. وفيه فرق.

​صَب لي فنجان قهوة وقال:

​— التعب بيروح مع الوقت.

​وكان عنده حق.

​مع الوقت رجعت أنام بـ الليل نوم منتظم من غير كوابيس. بقيت ما أترعبش لما التليفون يرن. وفي شغلي اترقيت ومسكت إدارة المشتريات، ولأول مرة من سنين، احتفلت بـ نجاحي من غير ما أفكر مين هيتصل يطلب مني فلوس بعد الإنجاز ده.

​في يوم، جالي آخر مسج من سعاد حماتي:

​”بكرة تفهمي وتعرفي الأم بتعمل إيه عشان خاطر بنتها.”

​قريتها مرتين.

​وردت عليها بـ كل هدوء:

​”فعلاً.. عشان كده بابا علمني إزاي أحمي نفسي وأقف على حيلي.”

​وعملت لها بلوك.

​وشريف بعت لي بعد كم أسبوع:

​”أتمنى تكوني بخير.”

​ما رديتش.

​مش كره ولا حقد.. بس لأن حياتي مابقيتش محتاجة أي مبررات أو نهايات مفتوحة.

​جمعت الفايل اللي فيه التحويلات، وتقارير الخبراء، والرسائل، وصور البلاغات، وحطيت فوقهم ورقة واحدة بس: وثيقة الطلاق.

​قفلت الصندوق وشيلته في أبعد مكان في الدولاب.

​في الليلة دي فتحت الشباك.. كانت أنوار القاهرة قايدة، والسماء هادية وصافية.

​افتكرت العزومة اللي كان فيها 18 فرد قاعدين بيسمعوا حماتي وهي بتعلن إنها هتبيع “شقتي” عشان تسدد ديون بنتها.

​في اللحظة دي، الكل افتكر إن سكاتي ده ضعف وقليلة الحيلة.

​بس ما كانش ضعف.

​سكاتي كان المساحة اللي اتعلمت فيها إزاي أوقف تبرير لغيري، وإزاي أحوش الأدلة، والأهم من ده كله.. إزاي أحط حدود حديدية محدش يتخطاها.

​أنا ما كسبتش لأني كنت أشد قسوة.

​أنا كسبت لأني بطلت أضحي بـ حياتي وراحتي عشان أرضي ناس ما بتباركش.

​ومن ساعتها، كل ما حد يقول لي إن “الست الأصيلة لازم تستحمل وتعدي عشان خاطر العيلة”، بفتكر باب الشقة وهو بيتفتح بـ باسورد جوزي هو اللي إداه بـ إيديه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *