أبويا اتصل بيا الساعة 1:30 بالليل

حصري لصفحة روايات رولا
أبويا اتصل بيا الساعة 1:30 بالليل وقال لي أخبّي الحقيقة.
​لثانية واحدة مرعبة، لما شفت اسمه بيغيّد على الكومودينو جنب السرير، افتكرت إن حد جراله حاجة.
​قعدت مفرودة على السرير في شقتي في المعادي، وقلبي بيلطش.
​”بابا؟”
​جه صوته بالراحة في الضلمة:
​”إيميلي، أخوكي وخطيبته ميرنا عازمين أهلها الجمعة الجاية. وأمك بتقولك إنك تقدري تيجي.”
​بصيت للحيطة.
​كانت جملة غريبة.
​مش “احنا عايزينك معانا”.
​ولا “رامي عايز أخته على العشاء”.
​دي “أمك بتقولك إنك تقدري تيجي”.
​وقبل ما ألحق أرد، بابا كمل: “أبو ميرنا قاضي بمحكمة النقض.. الموضوع ده مهم جداً لأخوكي.”
​بعدها سمعت صوت أمي وراه: “قولتلها؟”
​بابا اتردد، وبعدين التليفون اتنقل لإيد ثانية.
​”إيميلي،” أمي قالت، “تقدري تيجي الجمعة، بس محتاجة منك تعمليلي خدمة.”
​كنت عارفة النبرة دي كويس.
​”إيه هي؟”
​”حطي في بقك جزمة وما تتكلميش عن شغلك خالص.”
​كنت هضحك.
​”ليه؟”
​”عشان العشاء ده علشان رامي. أبوها راجل مهم جداً، ومحدش عايزك تقعدي تفتحي في قضايا ضرب ضرب النار والتفسد والخراب اللي بتقعدي تكتبي عنه ده.”
​”أنا اصلاً ماكنتش ناوي أفتح بقك.”
​”حلو.. لو حد سألك، قولي بس إنك شغالة في مكتب وخلاص.”
​سِبت السكوت يطول.
​أمي اتنرفزت: “إيميلي؟”
​”أيوه؟”
​”أرجوكي بلاش تفضحينا.”
​أهي جات.. الجملة اللي سمعتها بأشكال مختلفة طول حياتي: بلاش تفضحينا.
​كان عندي تلاتة وتلاتين سنة، صحفية تحقيقات في واحدة من أكبر الصحف في البلد، وقبلها بتمن شهور بس كنت ماسكة فريق صحفي تحقيقاته فتحت تلات تحقيقات داخلية ومراجعة فيدرالية لحقوق الإنسان.
​بس بالنسبة لأمي، كنت لسة نفس الطفلة اللي أول ما بتدخل أي أوضة بتتحسب عليها إنها جاية تبوظها.
​بصيت عبر الضلمة في أوضتي: “عايزاني أقول لقاضي بمحكمة النقض إن شغلي أعمال مكتبية؟”
​”أيوه.”
​ابتسمت: “ماشي.”
​صوتها هدي وارتاح: “شكراً.”
​ما كانتش تعرف إن القاضي اللي هتموت وتنبهر بيه ده، عارف مين أنا بالظبط!
​لما كان عندي سبع سنين، اكتشفت أين أعُد في العيلة من غير ما حد ينطق بحرف.
​الرف اللي فوق الدفاية في الصالة كان عليه صور متبرقعة.
​كان فيه خمس صور لرامي:
رامي في تخرجه من الحضانه.. رامي ماسك مضرب مضرب.. رامي وسنانه المكسورة.. رامي ببدلة صغيورة في فرح ابن عمنا.. ورامي قاعد على كتف بابا في الملاهي.
​وكان فيه صورة واحدة بس ليا.. مستخبية ورا تمثال ملاك صيني وفرع زينة بلاستيك.
كان ممكن تشوف نص أورتي بالعافية لو وقفت في زاوية معينة.
​في يوم، سحبت كرسي السفيرة وطلعت عليه، ونقلت صورتي للمنصّة في النص.
افتكر إنني رجعت لورا وابتسمت.. لأول مرة كلنا شكلنا عيلة.
​تاني يوم الصبح، كانت صورتي مستخبية تاني.
عمري ما سألت ليه.. وبدالها، ابتكرت اختبار بيني وبين نفسي سميته “اختبار الرف”.
​يمكن لو جبت درجات نهائية الصورة تطلع؟ ما حصلش.
يمكن لما كسبت مسابقة الكتابة في إعدادي؟ ولا حاجة.
يمكن لما طلعت الأولى على الدفعة؟ برضه ولا حاجة.
يمكن لما دخلت الصحافة؟ المنحة؟ لما تخرجت بامتياز؟ لما اشتغلت في جريدة كبيرة؟ لما اسمي كتب فوق تحضير صحفي في الصفحة الأولى؟
الجائزة الصحفية؟ الجائزة الوطنية اللي بعدها؟
​أكيد هيبقى فيه إنجاز كبير كفاية يخلي أمي تبصلي وتقول: “إيميلي، أنا فخورة بيكي.”
ما حصلش.
​رامي كان أصغر مني بأربع سنين، دم خفيف وبياخد العقل وله طريقة تخلي الغرباء يحسوا إنهم أصحابه من زمان.
كان بيبيع عربيات بره القليوبية، وكان شاطر فيها.
عايزة أوضح حاجة: عمري ما كرهت رامي عشان محبوب، أنا كرهت إنه عشان يتحب كان لازم يتعملي مسح من الوجود.
​وأمي ماكنتش تقبل تحب رامي على حقيقته.. الحقيقة ماكنتش كفاية بالنسبة لها.
قدام الجيران، كان “مدير إقليمي”.
قدام أصحابها في النادي، كان “بيدير قطاع مبيعات ضخم”.
في ناد كتابها، رامي كان هو اللي بيمضي عقود تجارية بملايين.
مرة سمعتها بتقول لوحدة إنه بيسافر بطيارات كل شوية عشان اجتماعات الشركة.. ورامي ده ما ركبش طيارة في حياته غير مرتين وفي الإجازات!
​في نفس الوقت، إنجازاتي كانت بتتقلب للعكس!
حسب كلام أمي: “إيميلي تعبت في دراستها”.. “ما عرفتش تلاقي طريقها”.. “عندها شغلانة كتابة صغيرة كده”.
​في عيد من الأعياد، دخلت المطبخ وسمعت جارتنا كارول بتسأل بالراحة: “هي إيميلي لسة بتعالج من الاكتئاب؟”
اتسمرت.. عمر ما اتجالي تشخيص اكتئاب!
أمي توشوش بصوت واطي: “هي كتمة أوي، وبنحاول ما نتكلمش في الموضوع.”
​وقفت عند الحوض أعمل نفسي بمسح بقعة قهوة وأيدي بترعش.
لثانية، فكرت ألف وأواجهها، بس كنت عارفة السيناريو: هتتخض، وتقول إني فهمت غلط، وأنا أهلي بصوتي، فتتمسكن وتعيط.. وعلى التحلية يكون الكل بيمسهم: شفتوا؟ إيميلي مش متزنة فعلاً.
​فسكت.. اتعلمت بدري إن لما حد يملك الرواية، دفاعك عن نفسك بيستخدم كدليل ضدك.
والدرس ده بالذات هو اللي خلاني صحفية شاطرة جداً.
​قبل عشاء رامي بتمن شهور، بدأت أفتش في قضية ضرب نار من الشرطة في تلات مراكز.
في الأول، الموضوع كان عن سياسات استخدام القوة.. وبعدين لقيت تفريغات كاميرات اختفت.. وبعدين سجلات أدلة اتعدلت.. وبعدين عقود توريد لشركات وهمية على الورق بس!
كل ورقة كانت بتسحب ورقة.
​كنت عايشة على قهوة المكن وأربع ساعات نوم.
شركة وهمية بتبيع معدات عربيات، وشركة بتعمل “صيانة أسطول”، وتالتة بتاخد فلوس على معدات المراكز ما استلمتهاش اصلاً!
الفلوس كانت بتتحول بمبالغ مظبوطة جداً.
​رؤسائي ادوني وقت.. وأنا فضلت أحفر.
وبعدين بدأت تيجي وثائق مجهولة.. من غير عنوان، من غير شرح.. مجرد أوراق، فواتير، إيميلات، وصور شيكات.
سميت المصدر “R” في ملاحظاتي المشفرة.
R عمره ما طلب فلوس، ولا حماية، ولا طلب مني أستهدف حد معين.
الرسالة كانت ديماً كلمة واحدة: امشي ورا الفواتير.
​وفعلاً مشيت وراها.. التحقيق بقى سلسلة من ست أجزاء فككت شبكة رشاوي وعقود مزورة مع مسؤوليين وتجار ورجال أعمال واصلين.
واحدة من القضايا الفيدرالية القائمة على التحقيق ده راحت للمستشار كامل.
​قبل العشاء بشهور، المستشار كامل كان بيتكلم في ندوه عن العدالة في القاهرة، وبعدها استناني في الممر:
“أستاذة إيميلي؟”
لفيت، فمد إيده: “تحقيقك كان ممتاز.”
بصيت ورايا بالظبط! فابتسم: “أنا بكلمك أنتِ.”
“شكراً يا سيادة المستشار.”
“السلسلة بتاعتك من أعمق الأعمال اللي شفتها، سألتي أسئلة كان المفروض المؤسسات تسألها من سنين.”
​لثانية عبثية، كنت عايزة أطلب أمي وأقولها: قاضي بمحكمة النقض بيشيد بشغلي!
بس تخيلت ردها: جميل يا إيميلي.. أصل أقولك؟ رامي احتمال ياخد عربية من الشركة!
قفلت تليفوني وما اتكلمتش.
​ليلة الجمعة، سُقت تلات ساعات من المعادي لغاية التجمع.
سِبت الكارنيه الصحفي في البيت، بس لبست البليزر الكحلي.. نفس البليزر اللي استلمت بيه جائزة الصحافة الوطنية.
يمكن حتة طفولية جوايا كانت محتاجة إثبات إني موجودة بره رواية أمي.
​بيتهم كان زي ما هو: سور أبيض، وشباك الصالة منور.
أمي فتحت الباب، وعينيها كسحتني: “شكلك.. رسمي أوي.”
“شكراً.”
“مش ناوي تتكلمي عن الشغل، صح؟”
“أهلاً بيكي أنتِ كمان.”
“إيميلي!”
“فاكرة.. فاكرة.”
​ارتاحت شوية.. جوه، السفيرة كانت متوضبة زي المجلات: كريستال، وشمع، وورد، والأطباق الغالية اللي ما بتطلعش غير للناس “المهمة”.
كان فيه كروت أسامي: رامي في النص، ميرنا جنبه، وأهلها قصادهم.. وكارت اسمي كان في آخر الرف!
ضحكت من جوه.. اختبار الرف بقى توزيعة كراسي!
​رامي خرج من المطبخ: “إيمي!” وحضنني حضن بجد: “مبسوط إنك جيتي.”
اتأثرت: “أمي كانت مدياني إيحاء إني واخدة إفراج شرطي!”
ابتسامته اختفت نص ثانية.
​وبعدين جات ميرنا.. كانت لطيفة وذكية وأبسط بكثير من منظرة أمي.
“وصلتي!” وحضنتني: “كنت بسأل رامي عنكي.”
أمي ظهرت في ثانية: “إيميلي جاية من المعادي.”
ميرنا ابتسمت: “ورامي قال.. بتشتغلي إيه هناك؟”
فتحت بقي، فأمي ردت: “أعمال مكتبية.. مكتب صغير كده، مفيش حاجة حماسية.”
ميرنا برشت، ورامي بص لأمي، وأنا بصيت لرامي.. وشه كان فيه حاجة شبه الغضب، مش المكسوف.
​وبعدين الجرس ضرب.. المستشار كامل وصل.
أمي كانت هتجري على الباب: “سيادة المستشار! يا أهلاً!”
​سمعت التعارف، وبعدين خطوات.. دخل المستشار كامل مع مراته، وشافني.. وقف، وعينيه دايقت: “أستاذة إيميلي؟”
أمي ضحكت بسرعة: “أوه، مش لازم الألقاب، دي إيميلي بس!”
المستشار بص لأمي، وبعدين بصلي: “احنا اتعاملنا قبل كده.”
ابتسامة أمي اتجمدت: “جد؟”
“أيوه.”
مديت إيدي: “أهلاً بيك يا سيادة المستشار.”
سلم عليا، ومراته بصتلي باهتمام: “أنتِ إيميلي الكامل؟”
أمي دخلت بينهم بكفاءة مرعبة: “العشاء هيبرد!”
​طول الساعة اللي بعد كده، أمي بذلت مجهود جبار.. مش في الاكل، في التزوير!
رامي بيبيع عربيات؟ أمي خليته مهندس أسطول نقل إقليمي!
رامي درب اتنين مبيعات؟ أمي قالت إنه “بيدير قطاع كامل”!
مرة رامي باع ست عربيات نقل لشركة مقاولات؟ أمي وصفتها بـ “استحواذ تجاري ضخم”!
​عند نقطة، رامي قطعها: “يا أمي، أنا ببيع عربيات!”
ضحكت: “تواضع منه!”
المستشار كامل ما ضحكش، ولا مراته.
​ميرنا سألتني: “بقالك قد إيه في القاهرة؟”
“تقريباً حدعشر—”
“إيميلي يا حبيبتي، هاتي تلج زيادة؟”
قمت جبت التلج.
​بعدها مراته سألت: “حابة مجال الصحافة؟”
أمي وقعت شوكة الأكل: “أصل إيميلي مش—”
المستشار بص لأمي عدل: “أعتقد مراتي بتسأل إيميلي.”
سكون.. أمي ابتسمت بصعوبة.
رديت: “بحبه جداً.”
“أي نوع؟”
“تحقيقات.”
أمي قطعت: “بس مش حاجة مبهرة يعني!”
​المستشار حط كاسة المية بالراحة: “ما اعتقدش حد بيوصف صحافة التحقيقات إنها مبهرة.”
قلت: “ولا سهلة.”
مراته ضافت: “وخطيرة أحياناً.”
أمي ضحكت: “أوه، إيميلي بتهول!”
​دي كانت اللحظة اللي كل حاجة اتغيرت فيها.
إيد رامي اتقفلت على الفوطة، والمستشار لاحظ، وميرنا لاحظت.
بابا ماكنش اتكلم طول القعدة.. قاعد موطي ضهره وبابص في طبقه، وفجأة أدركت إنه ما بصليش ولا مرة!
​بعد الحلو، المستشار كامل قام ورفع كاسته: “لرامي وميرنا.”
الكل ابتسم.. اتكلم عن الجواز، والصبر، والأصل، وعن إنك تختار حد تأتمنه لما محدش يكون شايف.
وبعدين قال جملة وقفت شعر جسمي:
“العيلة بتكون أقوى لما أفرادها بيُترَكوا يتشافوا على حقيقتهم.”
​أمي ابتسمت بإنشراح، فاكرة إن الكلام يخصها هي ورامي!
المستشار بدأ يتحرك ببطء حوالين الطاولة.. عدى مراته، عدى رامي، ووقف عندي!
ابتسامة أمي اختفت.. محدش بيتحرك.
رامي باصص قدامه، ميرنا بتبص لأمي، وبابا موطي راسه.. ولأول مرة، أمي مفيش كلمة في بقها!
​المستشار بصلي بالراحة: “لازم أقول يا أستاذة إيميلي.. أنا اندهشت لما شفتك هنا.”
أمي ابتسمت بصعوبة: “ليه؟”
المستشار بص لأمي: “لأني بقالي ساعة بأسَمع ناس بتوصفها وكأنها غريبة عنهم.”
وبعدين بصلي: “أنتِ تبقيلهم إيه بالظبط؟”
​الأوضة اتخرست.. أمي ضحكت: “سؤال غريب أوي!”
المستشار ما شالش عينه من عليا.
وقبل ما أرد، رامي قال: “هي أختي.”
المستشار بصله.. رامي بلع ريقه: “وهي واحدة من أشطر صحفيين التحقيقات في البلد.”
​وش أمي اتخطف منه الدم: “رامي!”
“لا!” رامي قام وقف.. ولأول مرة في حياتي، أخويا الصغير يبص لأمي وما ينكمش!
“لا يا أمي.. أنا تعبت.”
ميرنا مسكت إيده، والمستشار رجع خطوة.
أمي بصت لرامي: “أنت بتعمل إيه؟”
“حاجة كان المفروض أعملها من سنين..” وبصلي وعينيه دمغت: “أنا أسف يا إيمي.”
سقعت: “على إيه؟”
“إني سِبتها تعمل فيكي كده.”
​أمي قامت فجأة: “كفاية كده!”
صوت المستشار جه حاسم وواطي: “مدام كاملة.. اقعدي.”
طريقته خليت الكل يتسمر.. ما قعدتش، بس وقفت مكانها.
​المستشار بصلي: “إيميلي.. التحقيق بتاعك اتدعم بيه قضية فيدرالية الشهر اللي فات.”
“عارفة.”
“فيه حاجة ثانية.. التحقيقات المالية ما كانتش شايفاكي متهمة.”
أمي اتخضت.. كمل المستشار: “التحقيقات كانت شايفاكي ضحية. الشركات اللي باسمك كانت بتاخد فلوس في حين إن إقراراتك الضريبية وسجل شغلك وعنوانك مافيهومش أي صلة بالشركات دي.”
​دماغي كصحفية اشتغلت: “يعني عرفوا إن حد سرق هويتي؟”
“أيوه.”
“مين؟”
ما ردش.. ما كانش محتاج.
​بصيت لأمي اللي بدأت تعيط بهستيريا متخلفة.. مش دموع مظلومة، دموع رعب!
ورامي قال: “فيه حاجة أخيرة.”
أمي صرخت: “راااامي!”
الكل اتنفض.. رامي بصلها: “مش هتقدر تفصلي ده تاني.”
​طلع فلشية وحطها في لاب توب ميرنا.. فتح فولدر فيه صور شيكات، وعقود، وتسجيلات صوتية!
بصيتله: “أنت سجلتلهم؟”
“بقالي ست شهور.”
​داس تشغيل.. صوت أمي ملأ الأوضة، بارد وواضح:
“لو إيميلي سألت في يوم، فكّر الناس إنها طول عمرها مش متزنة ومريضة.”
صوت بابا: “أنا مش مرتاح لده.”
أمي تاني: “مش لازم ترتاح، المهم تفتكر إيه اللي يحصل لو ده اتعرف!”
​رامي وقف الصوت.. بصيت لبابا: “إيه اللي يحصل؟”
بابا بدأ يعيط.. أمي بصتله بحدّة: “توفيق!”
بابا بصلي، وقال الحقيقة اللي محدش كان متوقعها.. لا رامي ولا ميرنا ولا حتى القاضي!
“الفلوس ما كانتش السبب اللي مخلي أمك خايفة من تحقيقاتك يا إيميلي..”
​شعر دراعي وقف: “أمال إيه؟”
بص لأمي اللي كانت بتبصله بكره صافي، وقال: “واحدة من قضايا قضايا التوريدات اللي كتبتي عنها.. ما كانتش أول حالة وفاة مرتبطة بالشركات دي.”
صدري اتخنق: “وفاة مين؟”
بصلي عدل: “جدك.”
​لثواني محدش فهم.. أمي قامت: “ده جنون!”
بابا صوته بيرتعش: “جدك اكتشف أول عقود.. لقانا بنحوب فلوس لشركات وهمية، وهدد إنه يبلغ عن كل حاجة.”
أمي صرخت: “ده كان مخرف!”
بابا كمل: “مات بعدها بتلات أسابيع.”
​أنا عارفة القصة: أزمة قلبية في الجراج، وهو عنده 62 سنة، وما اتعملش تشريح عشان افتكروها طبيعية!
بابا وشوش: “أنا لقيت دواه بعديتها..”
“دوا إيه؟”
“دوا القلب بتاعه.. كان في تسريحة أمك.”
​سكون مرعب.. أمي بصت حواليها: “أنتم أجننتم؟!”
بابا طلع ظرف أصفر قديم مصفَرّ، وادهولي.. خط جدي!
“توفيق.. لو جرالي حاجة، دور ورا عقود عربيات المحافظة. ليندا عارفة أكتّر ما بتقول.. واحمي ورث إيميلي.”
​ركبي كانت هتخونني.. أمي اتنطرت عشان تاخد الورقة، بس المستشار مسك إيدها: “بلاش.”
اتخمدت.. والمستشار بقى قاضي بيشوف دليل جنائي قدامه.
​أمي بصت للمستشار، ولرامي، وليا.. وحاجة جواها اتكسرت: “فاكرة نفسك أذكى واحدة..”
ما حسيتش بحاجة.. لا غضب ولا انتصار، فراغ مرعب.
“أنتِ طول عمرك فاكرة كده!”
هزيت رأسي بالراحة: “لا يا أمي.. أنا قضيت 33 سنة فاكرة إني مش كفاية.. فاكرة إني لو نجحت أكتر هتحبيني.. افتكرت العيب فيا.”
رفعت جواب جدي: “أنتِ ماكنتيش بتخبي صورتي عشان خايبة.. أنتِ كنتِ بتخبيني عشان خايفة مني!”
​ولأول مرة، ليندا ما كانش عندها قصة تحكيها.
​بعد عشرين دقيقة، البوليس وصل.. مش عشان القاضي طلبهم، رامي كان مرتب كل حاجة مع النيابة الفيدرالية قبل العشاء!
ميرنا كانت عارفة، وأمها، والقاضي كان عارف إن رامي بيتعاون بس ما طلبش تفاصيل عشان حرج القضايا.
العشاء ما كانش عشان إبستام أم ميرنا.. ده كان فخ أمي افتكرته كده! رامي عزمني عشان النيابة كانت نازلة بتفتيش، وكان عايزني في وسط شهود بره المعادي ومأمنة.
​الضباط فتشوا البيت، طلعوا صناديق، وكمبيوترات، وخزنة بابا.
أمي اتاخدت قبل نص الليل، وبابا نزل طواعية للتحقيق.
قبل ما يمشي، وقف جنبي: “أنا أسف.”
بصيتله.. جزء مني كان عايز يحضنه، وجزء مش عايز يشوفه تاني.
“كنت عارف؟”
عيط: “أيوه.”
“سِبتها تقول إني مجنونة؟”
“أيوه.”
“سِبتها تسرقني؟”
“أيوه.”
“الأسف ما بيخليش الخاين بريء يا بابا.”
غمض عينيه: “عارف.” وكانت دي أول كلمة حقيقية يقولها طول الليلة.
​بعد ست شهور، اتوجهت لأمي تهم تزوير، وسرقة هوية، وغسيل أموال، واستيلاء على مال عام.. وقضية جدي اتفتحت تاني.
النيابة جابت تسجيلات رامي، وأمي بتقول جملة أتعرضت في المحكمة: “جدها كان المفروض يعرف إمتى يبطل حفر!”
أمي اتعاقبت في قضايا الفلوس، وبابا أخد حكم مخفف عشان اتعاون.
​ورث جدي ما رجعش كله، بس رجع منه جزء سدد بايل القروض اللي عليا.
المفارقة ضحكتني.. جدي حاول يدفع ثمن تعليمي مرتين: مرة بالفلوس، ومرة بعد سنين بالحقيقة!
​رامي وميرنا أخروا الفرح شوية لغاية ما رامي يفهم نفسه بره الدراما دي.. وبدأ يتعالج نفسياً.
بعدها بست شهور، جالي طرد منه.. جوة كان فيه تمثال الملاك الصيني، وصورتي وأنا عندي سبع سنين.
ومعاه ورقة: أسف إني ما نقلتهاش زمان.
عيطت على الورقة دي أكتر ما عيطت في المحكمة.
كلمته: “أنت كنت طفل برضه يا رامي.”
“بس شفتها.. وبابا شافها.. والكل شافها.”
بصيت للصورة.. بنت عندها سبع سنين بتضحك وكأنها فاكرة الحب بيتشترى.
“رامي؟”
“أيوه؟”
“أنت ما رجعتنيش ورا خلاص.”
وشوش: “بحبك يا إيمي.”
“وأنا بحبك.”
​بعد سنة، رامي وميرنا اتجوزوا في حفلة صغيرة في الساحل.. من غير مظاهر ولا ناس مهمين عشان المنظرة.
لما المستشار كامل قال نخب الفرح، قال: “قولوا الحقيقة عن الناس اللي بتحبوهم.. بالذات لما الحقيقة تخليهم ينوروا أكتر منكم.”
رامي بصلي وابتسمت.
​بعدها القاضي جه جنبي في الجنينة: “فيه سؤال في دماغي..”
“إيه هو؟”
“أول مرة اتقابلنا، ليه ما قولتيش إننا قرايب من بعيد؟”
ضحكت: “عشان ماكنتش اعرف إن رامي بيكلم بنتك بجد! ولأني كنت مذهولة إن قاضي عارف اسمي!”
ضحك، وبعدين نبرته هديت: “شغلك عمل حاجة عظيمة.”
“التحقيق؟”
“لا..” وشاور على رامي: “أنتِ إديتي حد الشجاعة إنه يقول الحقيقة.”
بصيت لأخويا وهو بيرقص بعبط مع مراته: “هو اللي جاب الدليل.”
“بالظبط.”
​فضلت أشتغل صحفية.. المحررين كانوا مستنيين أكتب قصتي، بس رفضت.
فيه حقائق مكانها الجرايد، وحقائق مكانها المحاكم، وحقائق ملك اللي عاشوها.
​بس كتبت حاجة واحدة.. مش مقال، يافطة صغيرة برقعتها وحطيتها فوق الدفاية في شقتي:
“مش لازم تستحق مكانك في الصورة.. أنت موجود فيها اصلاً.”
​لسنين، افتكرت حياتي اختبار للرف.. أذاكر أكتر، أشتغل أكتر، أخد جوائز أكتر.. عشان أمي تحط صورتي في النص.
اللي اتعلمته كان أبسط وأصعب:
فيه ناس مش بيمسخوك عشان أنت قليل.. بيمسخوك عشان وجودك بيهدد القصة اللي محتاجين الناس يصدقوها.
​ليلة ما المستشار وقف وسألني: “أنتِ تبقيلهم إيه بالذات؟” افتكرته بيسأل عن عيلتي.. بس كان بيسأل السؤال اللي هربت منه طول حياتي:
مين أنا لما أمي ما تكونش هي اللي بتعرفني؟
مين أنا من غير الكدب واللمعة المستعارة؟
​أنا صحفية.. أخت.. حفيدة لراجل حاول يحميها.. وواحدة مشيت ورا التفسد لغاية ما وصل لبيت طفولتها من غير ما تدري، وكملت التحقيق اللي جيلها بدأه قبل ما تفهم يعني إيه تحقيق!
​وده كان السر الأخير.. العقود اللي جدي كان بيفحصها قبل ما يموت؟ كانت هي نفس الشبكة اللي فضحتها بعد 30 سنة!
أسامي مختلفة، بس نفس السرقة.
وجدي كان كاتب في أوراقه بخط أحمر: امشي ورا الفواتير.
​لما الظابط وراني الورقة، اتخنق صوتي.. دي نفس الكلمة اللي رامي بعتهالي!
كلمت رامي: “كنت تعرف؟”
“أعرف إيه؟”
“إن جدو كتب الجملة دي برضه؟”
سكت، وبعدين قال حاجة جمدت دمي: “إيمي.. أنا ما اخترعتش الجملة دي.. أنا لقيتها مكتوبة جوة جلدة دفتر قديم!”
​لمدة ثلاثين سنة، جملة واحدة عاشت: من جدي، لدفتار مستخبي، لرامي، ليا.
امشي ورا الفواتير.
​أمي قضت عمري كله بتحاول تدفن هويتي.. خبت صورتي، زورت إنجازاتي، أختلقت أمراض، سرقت اسمي وورثي، وبنت مستقبل عشان لو الحقيقة ظهرت محدش يصدقني.
وفي الآخر، أكتر حاجة كانت خايفة منها حصلت: بقيت الشخص اللي بيسأل، وبيفتش الورق، وبيتبع الفلوس.. بقيت الشخص اللي ما تقدرش تخبيه، مش لأني فضحيتها، بس لأن قبل ما اعرف إن فيه سر، كبرت وبقيت الوحيدة اللي تقدر تكشفه.
​وفي النهاية، الصورة اللي أمي حاولت تخبيها طول عمرها.. طلعت للست اللي نورت النور في الضلمة كلها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *